حق الاختلاف: هيلين من ام الفحم.. و درس الكارثة

حجم الخط
0

د. أحمد رفيق عوض الآن، وفي هذا الوقت بالذات، وحيث مئات الأسرى الفلسطينيين يعانون الجوع والألم والاهانة واساءة المعاملة، وحيث عدة ملايين من الفلسطينيين ممنوعين من الوصول الى القدس ومناطق الخط الأخضر، وعدة ملايين أخرى ممنوعين من الدخول أو رؤية وطنهم الأم، وحيث مئات الأسر الفلسطينية التي هدمت بيوتها بفعل القصف أو أخليت منها بفعل المصادرة والاستلاب، وحيث أن معظم الفلسطينيين في المنافي ممنوعون من التمتع بمناظر البلاد وثرواتها أوطرقاتها أوخيراتها، وفي هذا الوقت بالذات، تحتفل اسرائيل رسمياً بذكرى ضحايا النازية وتستذكر في عيد الفصح اليهودي- وهوعيد الحرية في التقاليد اليهودية- أيام العبودية في مصر الفرعونية وأيام الابادة في ألمانيا النازية. وبالنسبة لي، فإنني سأصدق كل ما قيل وكل ما كتب حول الابادة النازية لاعداد هائلة من اليهود في أوروبا، وأقول أكثر من ذلك، فإن ما حدث من ابادة في قلب أوروبا وأمام عتبات بيوتها وأمام أكاديمياتها ومعاهدها وقوانينها وحرياتها وادعاءاتها الكثيرة انما يشكل صدمة لا تنسى أبداً للضمير والانسانية. ولهذا، وانطلاقاً من فلسطينيتي واسلاميتي وعروبتي أرفض وأدين ما حدث ذات يوم، واقف الى جانب الضحايا بغض النظر عن أسمائهم أوانتماءاتهم أوأديانهم. وأكثر من ذلك، فإنني سأتجاوز كل ما قرأت من ادعاءات قوية أوضعيفة تشكك في الكارثة أوتدعمها، ولن التفت الى ما قيل أوكتب حول ذلك كله، هناك جدل كثير وكبير حتى رواية أولئك المدافعين عن تأييد وتخليد الكارثة، وحتى في روايات أولئك الذين حولوا الكارثة إلى مؤسسة سياسية وأمنية واستراتيجية، وسأتجاوز حتى أولئك الذين يستغلون الكارثة إلى حدود لانهائية للابتزاز الدائم والابدي.

لا يهمني ذلك الآن، ما يهمني حقيقة هو أن اسرائيل الرسمية التي مزجت ما بين ماضيها وحاضرها في خطاب صهيوني متدين تستخدم خطاب الكارثة لتعاقبني وتعاقب شعبي، ولتطلب من العالم أن لا يتدخل اطلاقاً فيما يجري هنا من منطلق أن الكارثة تحمي من المساءلة وتبعد عن المحاسبة.

اسرائيل الرسمية تستخدم خطاب الكارثة الى ما هو فوق الطبيعي والمتوازن للوصول الى حالة من حالات التألية التام، بحيث يتحول مجرد انتقاد اسرائيل الى محاولة لهدمها أوازالتها أونزع الشرعية عنها، وحيث تتحول اية محاولة لمقاومة أفعالها وممارساتها وكأنها محاولة ارهابية اخرى تستعيد أيام الكارثة، ان خطاب نتنياهوالاخير- وهوخطاب عصابي من الدرجة الأولى- يغلق الباب عملياً أمام اسرائيل لتتصرف كباقي الدول الطبيعية.

ان خطاب الكارثة وبدلاً من أن يتحول الى رسالة انسانية من الدرجة الأولى يتم من خلاله ارساء قواعد للسلوك الدولي بين الأفراد والدول، تحول الى مشروع سياسي استعماري دفعنا ثمنه تماماً، تشريداً وقتلاً واستلاباً، وبدلاً من أن تتحول الكارثة بحد ذاتها الى عملية تطهير هائلة- للقاتل والمقتول معاً- تحولت الى سبب آخر للقتل والظلم والاعتداء.

وبدلاً من أن يتحول خطاب الكارثة الى تقديس العدل والمحبة والمجتمع الصالح، تحول الى خطاب الفوبيا الأمنية والرعب المرضي والانعزال الذي لا يفيد ولا يقدم.

وبدلاً من أن تنحاز اسرائيل الى العدل والمساواة-حتى لا يتكرر التاريخ- فإن اسرائيل انحازات الى مصادر القوة العالمية وربطت قدرها ومصيرها بتلك القوى بدل انحيازها الى منابع العدل الدولية.

وبهذا الصدد، سأتجاوز عما كتبه غونتر غراس في قصيدته، وسأتجاوز عما كتبه الاسرائيليون وفي ردهم عليه، هذا لا يعنيني الآن، ما يعنيني هو أن الاسرائيلي اليهودي الذي يعاني ما يعاني من عقد تاريخية وأوهام دينية انما يدفعني ويدفع شعبي الى تحمل تبعات هذه الأوهام والعقد. فإنا لا أحمل عداء للسامية ولا كراهية لليهود في قلبي ولست جزءاً من منظومات الغرب الفكرية والسياسية والدينية، ولم اساهم اطلاقاً في الكارثة أو اكن طرفاً فيها، ولهذا، أسأل اسرائيل اليوم وهي تحتفل بعيد حريتها، لماذا كان عليّ ان ادفع كل هذا الثمن الباهظ؟ ولماذا كان علي ان أقدم ارضي وروحي ومجتمعي على مذبح الغفران والتكفير لمذبحة لم اكن مشاركاً فيها أو راضياً عنها؟ لماذا هذا التمسك بخطاب يدفع المنطقة كلها الى تكرارها؟ ولماذا لا تعيد اسرائيل حساباتها حول هذا الخطاب، فلا تجعله سبباً لوجودها أولسياساتها أولعلاقاتها؟ من المفارقة أن يأتي الجواب من امرأة يهودية بسيطة تعيش الآن في ام الفحم داخل الخط الأخضر، اسمها هيلين ولها ابناء وبنات من زوجها العربي الفلسطيني، وعلى مدى سبعين عاماً قبلت أن تحول ذكريات الكارثة الى علاقات حب وعطاء، قبلت ان تدفن كل ذكرياتها المؤلمة من أجل أسرتها العربية الفلسطينية، ومن اللافت للنظر، أن والدتها التي تعذبت في ذلك المعسكر النازي هي التي نصحت ابنتها باعتناق الاسلام.

امرأتان يهوديتان ناجيتان من الكارثة قدمتا حلاً ليس لجماعة اليهود الحاكمة في اسرائيل، بل لكل من يريد الاعتبار. سيدتان بلغتا من النضج والفهم درجة انهما جعلتا من ذكريات الرعب والالم والقتل والابادة حياة تطفح بالامل.

هاتان سيدتان لم تطمحا ولم ترغبا بقتل الفلسطيني أوتشريده.. وإنما بحبه.

صيغة أخرى مختلفة عن الصيغة الصهيونية بكل أشكالها للمسألة التي لا يبدو لها حل قريب.. الكارثة تجر كارثة.. أليس كذلك يا اسرائيل؟.

هاتان السيدتان الكبيرتان المحبتان تقدمان العبرة التي يمكن من خلالها تحويل الكارثة الى درس اخلاقي وحضاري رفيع، هنا تحولت الضحية الى دور ووظيفة اخرى تماما، فلا لاحتكار الالم ولا لاختطاف المعاناة الابدية ولا للتحول الى بقرة مقدسة ولا لمشاعر التميز والتفرد والانعزال، هيلين فهمت ذلك كله بدون فذلكة، لقد امنت ان تجاوزها للالم والتجربة الفظيعة انما يكون من خلال المحبة، وليس امام اسرائيل اذا ارادت ان تتعافى وان تتحول الى مجتمع طبيعي بدون فوبيا وبدون شروخ وبدون تهديد فان عليها ان تصنع سلاما حقيقيا مع الشعب الفلسطيني، سلام يعترف بالحقوق الطبيعية والانسانية والسياسية، ولا يمكن لاسرائيل ان تستخلص العبر من الكارثة وتتخلص من ظلالها الثقيلة بدون ذلك.’ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية