إسرائيل والانتخابات الرئاسية المصرية

حجم الخط
0

صلاح الدين الزبيرتتابع إسرائيل بحذر مجريات الأحداث المتسارعة بمصر بعد سقوط صديقها الوفي حسني مبارك، وميلان الكفة للشعب المصري لإختيار قيادة المستقبل، التي يناط بها ترتيب البيت الداخلي لأم الدنيا، وإخراجها من دوامة المشاكل الاجتماعية المتفاقمة من جهة، والعمل على إعادة توهجها الإقليمي في الشرق الأوسط خصوصا، ولدورها الريادي في العالم العربي عموما.

غير أن الملاحِظ والمُواكب لحالة الشد والجذب الذي أضحى المشهد المصري يعيشها بكل تلاوينه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، سيتَحَسَّس وجود أيادٍ خارجية تعبث بحاضر الشعب المصري، وتحاول سرقة ثورته. حتى إذا لم يتأت لها ذلك، تعمل على التشويش عليها، ولم لا استدراجها إن أمكن إلى مربع العنف الداخلي الذي أخذت طبوله تُدق على أكثر من صعيد وواجهة.

غداة بداية الثورة، وخروج المواطن المصري المثقل بهمومه المعيشية للتعبير عن سخطه ورفضه لواقع الاستبداد، ومطالبته المستميتة بإسقاط النظام، وإلى حين نجاح ثورته، وضعت إسرائيل طيلة هذه الفترة يدها على قلبها وهي ترى حليفها الاستراتيجي يتهاوى، وتحاول عبر كافة السبل والحلفاء لإفشال الثورة، أو إخضاعها لمنطق الصراع الداخلي بين مكوناتها من جهة، وإعداد الصيغ المتاحة للتعامل مع مستجدات المرحلة المقبلة لمصر من جهة آخرى.

فبعدما اقتحمت الثورة عقبة إسقاط حسني مبارك، نجدها اليوم تكاد تتعثر في العقبة الأكبر؛ وهي إسقاط أركان نظامه وفلوله وبلطجيته، الذين لا يزالون يتلونون بألوان الثورة، ويحاولون غير ما مرة جر البلاد لمربع العنف الدموي، كما حدث بماسبيرو وميدان التحرير وملعب بورسعيد وشارع محمد محمود، وقبل أيام أحداث حريق مصفاة بترول السويس الذي سيؤثر على السوق الداخلي للطاقة، ناهيك عن الانفجارات المتلاحقة والمجهولة المصدر بخطوط الغاز العابر للأردن وإسرائيل.. وجود أطراف تدفع لعدم الاستقرار بمصر؛ مسألة لا محيص عنها. حتى أن غياب الدعم العربي الذي وعدت به دول الخليج لمساعدة البلاد للخروج من مرحلة الفراغ الاقتصادي، يطرح أكثر من علامة استفهام، علاوة على اللعب فوق حبل المساعدات الأمريكية.. كل ذلك يأسر المواطن المصري في قفص مخلفات الثورة، ويدفعه للحنين إلى اعتبار 25 يناير عيدا للشرطة وللاستقرار والاعتقال السري والمحاكمات العسكرية والاستبداد بكل تلاوينه، أكثر من أنه عيد للثورة وللحراك الشعبي ضد الظلم.

إسرائيل تقف موقف المتفرج، وهي ترى أن الثورة أخذت تحيد عن الجادة بفعل الضغوطات الخفية من الخارج، وتلكؤ المجلس العسكري عن تسليم السلطة للمدنيين، واختلاق صراعات أخذت في التطور شيئا فشيئا، وتستهدف الكتلة الإسلامية على وجه الخصوص، وتستدرجها للتصعيد، كما حدث أثناء الإعلان عن استبعاد حازم أبو اسماعيل من دائرة المنافسة على الرئاسة بدعوى جنسية والدته.

هناك مثل شائع يقول: إذا أردتُ أن أضرب أبناء الجيران، أضع ابني بينهم، وأضرب الجميع بقوة متباينة، يكون المستهدف بها أولا وأخيرا هم أبناء الجيران.

الدفع بمرشح ‘العلبة السوداء’ لمبارك وإسرائيل وأميركا، الأكيد كان سيتبعه تصويت مجلس الشعب على قانون العزل السياسي الذي يستبعد الفلول من الحياة السياسية لمصر. ولكي يعلن المجلس العسكري أنه محايد؛ سيغمض عينيه عن الشكايات المرفوعة ضد أحمد شفيق، والطاعنة في مصداقيته وسلامة ذمته، وسيقوم بضرب ابنه البار عمر سليمان الذي لن يفوز في الانتخابات إلا تحت الرصاص والتزوير؛ ووضعه مع أبناء الجيران حازم ابو اسماعيل وخيرت الشاطر، وضرب الجميع بعصا اللجنة العليا للانتخابات التي تضم ست شخصيات لها تاريخ ولائي مع النظام السابق، ولا يشرف حاضر الثورة المصرية، من بينهم المستشار ماهر البحيري؛ الذي رفض أي طعن دستوري على المادة 76 المفصلة خصيصا لجمال مبارك. والمستشار أحمد شمس الدين خفاجي؛ صاحب الحكم التاريخي ضد أيمن نور، والمستشار فاروق سلطان؛ الذي عينه مبارك 2009 كرئيس المحكمة الدستورية العليا، رغم أنه لم يكن أقدم المستشارين سنا، وهو مخالف للعرف العام، ناهيك عن الأزمات التي وقعت بينه وبين المهندسين بسبب رفضه تنفيذ أحكام قضائية خاصة بإجراء انتخابات النقابة، مما جعلهم يقيمون دعاوي قضائية ضده. إضافة للمستشار عبد المعز ابراهيم؛ الذي كان سببا في قضية تهريب المتهمين الامريكان في قضية التمويل الأجنبي. إضافة للمستشار حاتم بجاتو؛ الذي توجد صلة قرابة بين والدته ووالدة المرشح عمرو موسى. وختاما المستشار مدبولي؛ الذي شارك في اللجنة المشرفه على أسوأ انتخابات في تاريخ مصر سنة 2010. هذا السجال الذي حسمته اللجنة العليا بتكوينها المثير للجدل والشك، سيرفع من حقينة الضغط الشعبي، واستفزازا واستدراجا لدوامة العنف التي تلوح في الأفق معاذ الله، وتشرذم الصف الداخلي المصري في مرحلة يحتاج فيها للإجماع بما يخدم مصالح الثورة، ويدفع بعجلتها للأمام.

الصراعات الحالية تؤشر على أن المستفيد الأكبر مما يحدث هو إسرائيل التي تحاول بكل الوسائل تعكير صفو الثورة المصرية.

تشتيت صوت الإسلاميين فيما بينهم من جهة، وإقصاء الشاطر وأبو اسماعيل الذي أخذ يكتسح الساحة السياسية من جهة أخرى وسط أجواء تؤشر على تصاعد الاحتجاج ولغة المليونيات، وأخرى منادية بالثورة الثانية وقطع يد سراق الثورة.. كلها تؤشر على أن الوضع ينحدر نحو المجهول.

إسرائيل مادامت تضمن حيادية إيجابية للمجلس العسكري تخدم مصالحها الإقليمية، وكانت ترى في الشاطر والإخوان المسلمين حليفا وكنزا استراتيجيا لحماس الامتداد الإخواني في فلسطين كما ترى، وفق ما يشير لتهديد إقليمي خطير على حدودها. أما أبو اسماعيل؛ فترى فيه الرجل الذي سيمزق اتفاقية كامب ديفيد عشية احتفاله بنجاحه المرتقب في الرئاسة.

استبعاد الرجلين يصب في مصلحة إسرائيل بدرجة كبرى، وبإيعاز منها على ما يبدو، وسط أجواء يغلب عليها محاولتها ـ أو على الأقل تيارا منها ـ للتعامل مع الإخوان المسلمين كقوة شعبية استثنائية في الشرق الأوسط أفرزتها موجة الربيع العربي، وإن كان لها تواجد سابق على هذه الموجة.

دول الطوق الإسرائيلي تشهد حراكا ثوريا يشارك فيه بقوة الإخوان من مصر إلى سوريا وصولا بالأردن، وهذا مؤشر يدفع بن أليعازر عضو الكنيست ووزير الدفاع السابق للقول بأن إسرائيل ستجد نفسها يوما ما مضطرة للجلوس مع الإخوان المسلمين.

الأيام القليلة المقبلة؛ كافية لإستجلاء معالم المستقبل الغامض لمصر لحد الساعة، بين سيناريوهات تتأرجح بين تمزق الصف الداخلي المصري أكثر مما هو عليه اليوم، بين لغتي التهديد بالتصعيد والنزول للميدان التي يدفع نحوها الإسلاميون، وبين دعوات للمجلس العسكري للقطع على طرق الفوضى. وبين سيناريو توحد الإسلاميين في لائحة واحدة تجمع على الأقل بين حزبي الحرية والعدالة الإخواني والنور السلفي، أو سيناريو حالة الطوارئ تدفع لاستمرار العسكر في الحكم كمرحلة أولى، والتوافق على أحمد شفيق أولا أو عمرو موسى ثانيا للرئاسة بالتوافق بعد عرقلة اللجنة التأسيسية في تناقضاتها، قد تعقبها أحداث عنف مختلقة بداعي سرقة الثورة من أطراف معينة على حساب الشعب.

منزلق صعب قد تهوي له الامور بمصر، لا يشذ عن قاعدة غير منطقية في أصلها قامت قبل أيام، أساسها ترشح الرجل الأقوى في النظام البائد، لانتخابات رئاسية أعقبت الثورة على النظام الذي كان هو ببزته الاستخباراتية والعسكرية أهم أسسه.

أليست إسرائيل مستفيدة من هذا الوضع وفق هذه التركيبة؟’ كاتب وباحث مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية