محمد كريشان
شعار ‘الإسلام هو الحل’ الذي كثيرا ما اشتهر به ‘الإخوان المسلمون’ في مصر لسنوات سيغيب هذه المرة مع الدكتور محمد مرسي مرشح الجماعة في انتخابات الرئاسة الشهر المقبل. هذا الغياب جاء تجنبا لمعركة قانونية مع لجنة الانتخابات الرئاسية، التي كانت ترى فيه تجاوزا لشرط منع الدعاية الانتخابية على أساس ديني. أكدت الجماعة قانونية الشعار بغض النظر عن رفعه في حملة مرسي من عدمه معتبرة إياه برنامجا انتخابيا وليس مجرد شعار، لكنها مع ذلك فضلت في النهاية استبداله بشعار ‘النهضة إرادة أمة’. قبل أسابيع قليلة، أقدمت حركة ‘النهضة’ التونسية، الفصيل السياسي الأبرز في البلاد والمتآلف حاليا مع حزبين علمانيين في ‘ترويكا’ حاكمة للمرحلة الانتقالية، على خطوة جريئة لافتة. تنازلت هذه الحركة ذات الخلفية الإسلامية على التنصيص في الدستور الجديد للبلاد، الذي يعكف حاليا على صياغته المجلس التأسيسي المنبثق عن انتخابات 23 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للقوانين. اكتفت الحركة بالإبقاء على البند الأول في دستور عام 1959 في عهد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة والذي يقول إن ‘تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها’. بذلك نزعت الحركة فتيل أزمة كبيرة بين المؤيدين لهذا التنصيص والمعارضين له مما كاد يهدد البلاد بشرخ كبير يدخلها في متاهة لا قاع لها. ورغم أن هذين الحدثين في كل من مصر وتونس مختلفا القيمة إلا أنهما يشتركان بشكل أو بآخر في إعطاء فكرة عن التوجه الجديد للحركات الإسلامية في البلاد العربية. بلا شك أن حركة ‘النهضة’ التونسية أكثر تقدما بأشواط في أدبياتها السياسية في قبولها بالتعددية وحق الاختلاف والقيم الديمقراطية المعاصرة من حركة الإخوان في مصر. ربما ما قبل به إسلاميو تونس من حركة ‘النهضة’ ليس من الوارد أن يقبل به إسلاميو مصر من الإخوان، لكن هناك مع ذلك شيئا ما بدأ يتفاعل في أوساطهم ولا بد من رصده باهتمام بعيد عن التهليل أو التشكيك. ومع كل الفروقات بين الحركتين في جرأة المراجعات السياسية والنظرية والإيمان بالديمقراطية كنظام حكم ودرجة إدراك المتغيرات الداخلية والاقليمية والدولية وإيقاع التقدم بخطى لا تخيف المتحفظين وحتى المرعوبين من حكم للاسلاميين قد يعود بالبلدين إلى ما هو أسوأ من بن علي ومبارك، فإن هناك لديهما توجها متفاوت القوة والكثافة في محاولة إبعاد مفردات من قبيل الشريعة وأسلمة القوانين وغيرها مما تعود عليه الأنصار لكنه يثير لدى مخالفيهم مجموعة هواجس لا حصر لها سواء كانت في محلها حقا أو مبالغا فيها. حتى ما قاله زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي من أن العلمانية ليست كفرا ولا تحمل المعاني السلبية التي يروج لها معظم الإسلاميين شرقا وغربا، من الصعب أن يلاقي هوى في قلوب حركة الإخوان في مصر التي لم تستسغ قبل أشهر قليلة ما قاله رجب طيب أردوغان في القاهرة عن أهمية العلمانية فكادت أن تتحول الحفاوة التي لقيها في استقباله إلى ما يشبه الفتور فيما بعد. قد لا يكون هناك من مفر أن يدرك ‘الإسلاميون الجدد’ المتصدرون للمشهد السياسي العربي الحالي أهمية الانخراط في النسق السياسي المدني المعاصر بآلياته ومفرداته والعمل على التغيير من داخله، مع الآخرين دون ادعاء لعصمة أو تميز عنهم. هناك مبادرات جيدة في هذا الاتجاه كوثيقة الأزهر التي حددت الملامح العامة لنظام الحكم المنشود وكذلك البرنامج السياسي الذي أعلنه الإخوان المسلمون في سورية مؤخرا وما يسير عليه إسلاميو تونس والمغرب، رغم بعض التخبط والتردد أحيانا. إن نجح هؤلاء الإسلاميون الجدد، سياسيا وتنمويا، فقد نشهد لأول مرة تجربة عربية مماثلة لتركيا حزب العدالة والتنمية، أما إن فشلوا فسينضمون إلى قائمة طويلة من الحركات الإسلامية الفاشلة التي كفـّـرت الناس في السياسة وكادت أن تكفرهم بالدين والعياذ بالله!!