روبرت فيسك: قنابل امريكا الفسفورية على الفلوجة تنتج جيلا من الاطفال المشوهين

حجم الخط
0

‘ فقدنا وطننا ولم يعد لدينا انتماء له ونريد الهجرة’لندن ـ ‘القدس العربي’: في نيسان (ابريل) 2004 حاصر الجيش الامريكي مدينة الفلوجة لمدة شهر ولم يستطع الدخول اليها وتركها تحت سيطرة المقاومة، ولكنه عاد في تشرين الثاني (نوفمبر) واستباحها وسوى بيوتها بالتراب، في حينه اتهم الجيش الامريكي باستخدام الفسفور الابيض ضد المدنيين، ومنذ تلك الفترة سجلت مستشفيات المدينة حالات من الولادات المشوهة، في تلك الفترة انكرالجيش الامريكي الاتهامات.

وبعد ثمانية اعوام على تدمير الفلوجة، ذهب الصحافي المعروف روبرت فيسك لزيارتها ووجد ان الاطفال المشوهين لا يزالون يولدون بسبب الحرب الامريكية القذرة على المدينة، وكتب سلسلة من التقارير ‘اطفال الفلوجة: اليوم الاول قصة سيف’. طفل من مشوهي الحرب الذين يولدون، اسمه الكامل سيف الدين عبدالعزيز محمد، عمره 14 شهرا، ممدد على فراش رخيص الثمن، يصرخ بين الحين والاخر، اعمى، مشلول، ورأسه ضخم، تقول عائلته انه يبتسم حينما يزورالاولاد البيت والجيران. سيف الدين كما يقول فيسك لن يشهد الربيع العربي ولن يعرف قصة العالم حوله ولن يستمتع بالحرية التي سيعيشها الشرق الاوسط. سيف يعيش سجنه الذي ستظل ابوابه مغلقة، لا يحرك الا يديه، ولا يشرب الا الحليب لانه لا يستطيع بلع اي شيء. ويعلق الكاتب انه من الصعب كتابة التقرير عن حالاتهم بدون فهم شجاعة عائلة الاطفال الذين يولدون بتشوهات خلقية، فالعائلات تفضل ابقاءهم في البيوت بعيدا عن عيون الغرباء، لشعورها بالخجل اكثر من تعاملها مع ما حل على المدينة كدليل على معركتين فاصلتين بين المقاومة والجيش الامريكي في عام 2004 . وتشير تقارير مستقلة من ان معدل المولدين بتشوهات خلقية في الفلوجة هي اعلى منها في بقية مناطق العراق، ومع ذلك فلا احد يمكنه ان يقدم الدليل الساطع ان الامريكيين هم سبب مأساة اطفال الفلوجة المشوهين. ويضيف فيسك ان سيف يعيش في حي الشهادة وهو من اخطر احياء المدينة.

ويعتقد والد سيف ان السبب في وضع ابنه هم الامريكيون ‘الذين استخدموا الفسفور الابيض في المعركتين الكبيرتين’. ويضيف ‘سمعت عن حالات كثيرة لاطفال ولدوا بتشوهات خلقية، يجب ان يكون هناك سبب، وعندما ولد ابني في المستشفى شاهدت عائلات هناك معها اطفال بنفس وضع ابني’. واشار فيسك الى الدراسات التي اجريت منذ معركة الفلوجة عام 2004 الى زيادة في معدلات وفيات الاطفال وحالات الاصابة بالسرطان. وبحسب اخر دراسة اسهم في اعدادها طبيب في مستشفى الفلوجة العام الى ان حالات المولدين بتشوهات خلقية تشكل 15 بالمئة من مجمل حالات الولادة في الفلوجة. ويتحدث محمد عن حالة ابنه حيث يقول ‘ابني لا يستطيع الاعتماد على نفسه’ فهو لا يحرك الا يديه، ولا يشرب الا الحليب وفي بعض المرات لا يستطيع شرب الحليب حيث تأخذه العائلة للمستشفى كي يعطى سوائل. وعلى الرغم من مأساته يقول محمد ان ابنتيه متعلقتان بشقيقهما ويحبه الاطباء. ونظرا لاحتياجات ابنه الصحية فقد زادت اعباء محمد المالية، فراتبه لا يزيد عن المئة دولار في الشهر من عمله في شركة مواد زراعية. ولهذا فهو يتلقى مساعدات مالية من اقاربه.

ولم يشهد محمد معركة الفلوجة الثانية ولكنه عاد اليها ليجد ان بيته دمر، وتلقى دعما لاعادة بناء بيته عام 2006. ويتحدث محمد عن وضعه قائلا انه كلما نظر الى ابنه فانه يشعر بالموت في داخله، واضاف والدموع في عينييه انه قلق ويفكر بمصير ابنه الذي ‘يزداد وزنه كل يوم وصار من الصعب حمله’. ويضيف انه اخذ ابنه بعد ولادته لبغداد حيث عرضه على احسن اطباء الدماغ وكلهم قالوا انهم لا يستطيعون عمل اي شيء من اجله. وعندما سأل فيسك محمد عن المسؤول عن مصيبته، وكان فيسك يتوقع هجوما وشجبا ضد الامريكيين اوالحكومة او وزارة الصحة لكنه اكتفى بالقول انه لا يتوقع مساعدة من اي احد. والتقرير عن اطفال الفلوجة هو جزء من سلسلة تقارير من العراق ففي يوم الثلاثاء اشار الى ان مدينة الفلوجة لا يزال يطلب من الاجانب الحصول على مرافقة من الشرطة. ونقل عن عقيد قوله ان القاعدة موجودة في المدينة وهي ‘مزعجة لي خاصة عندما اريد ان اتحرك داخل المدينة، ولكنهم لم يعودوا كما كانوا’. واشار فيسك الى العراق الذي فقد روحه. وعادة ما تسمع فيه الكثيرون وهم يقولون ‘لقد فقدنا وطننا ولم يعد لدينا انتماء ونريد الخروج. ويشير الى مظاهر مخادعة في العراق ‘الجديد’ من مثل عودة الحياة الاعتيادية والاحساس بنوع من الامان، فقد رحل الامريكيون ولم يتبق منهم سوى قواعد فارغة تداعت كتلها الاسمنتية، ومحل الامريكيين حل جنود عراقيون على نقاط التفتيش معاملتهم للزوار جيدة اكثر من الجنود الامريكيين الذين كانوا ‘يصوبون بنادقهم عليك لاعتقادهم انك انتحاري’. واكثر من هذا فان ذكريات الحرب الطائفية بهتت، والقاعدة وان لم تهزم الا انها لم تعد كما كانت. هناك مناطق خطرة في العراق لا يمكن لاحد المرور منها بدون مخاطر اطلق عليها فيسك ‘ارض القاعدة’. ومع ذلك فالعراق ليس بدون مشاكل، حيث اشار الى الازمة التي افتعلها نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي مع نائب الرئيس طارق الهاشمي الذي ذهب الى كردستان ومنها الى قطر ثم السعودية، مشيرا انها ليست قصة جيدة لان الحكومة المركزية في بغداد تريد تأديب السلطات في كردستان فالقانون العراقي يطبق على كل العراق بما فيها منطقة كردستانـ حسبما ما قال الناطق باسم الحكومة. لكن كردستان ليست من العراق، فهي تبدو كدولة مستقلة، لها علمها ولغتها وما يربطها في العراق هو ارقام السيارات ولوحاتها فقط. وكانت ترافق فيسك في رحلته الى اربيل طبيبة ممارسة حيث قالت ‘لا يوجد بلد حقيقي، اتحدث مع اصدقائي، ومعظم اطباء وطبيبات وكلهم يتحدثون عن الخروج من العراق، وكلهم يحلمون بالهجرة، لان الوطن هو المكان الذي تنتمي اليه، وهو المكان الذي تقبل فيه، لقد افتقدنا هذا الحس، لبلدناـ، لقد فقدنا هويتنا القومية كعراقيين’. هذه لازمة تسمع في كل مكان فالحكومة وبدون خجل طائفية وفاسدة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية