هذا التلفزيون… شي يكوي وشي يبخ

حجم الخط
0

الدار البيضاء:’القدس العربي’: من سعيد فردي: كثيرا ما كان يردد ويقال لنا بأن الإعلام العمومي في المغرب خارج وصاية وزارة الاتصال وخارج نطاق الحكومة، ولم يكن العديدون يأخذ بمأخذ الجد هذا الكلام، بالرغم من أننا نحن المهتمون بالإعلام السمعي البصري في هذه البلاد، كنا نؤكد دائما على أن وضع الإعلام العمومي بالمغرب يحتاج إلى إستراتيجية واضحة مدققة وحاسمة، وكانت لنا قناعة راسخة خبرناها طيلة عقود بأن سلوك الدولة في علاقتها بهذا القطاع هو أن يظل قلعة من قلاعها المحصنة ويظل بالتالي إعلامنا في يد المخزن كأداة من أدوات الدعاية في أحسن الأحوال. والدليل على ما نقوله وسبق وقلناه، هو أن خمسين سنة مرت وأكثر، ولا زال هذا الإعلام العمومي يجر أعطابه ومطباته.

حتى استيقظنا على وقع قرع طبول هذه الحرب الطاحنة التي اندلعت اليوم بمجرد خروج دفاتر التحملات إلى العلن، وهي الدفاتر التي تنظم سير مرفق الإعلام العمومي وتضبط العلاقة فيما بين المتدخلين فيه، وزارة الاتصال ومسؤولي ومدراء قنوات الشركة الوطينة للإذاعة والتلفزة المغربية وقناة دوزيم صورياد. والهيأة العليا للاتصال السمعي البصري ونقابات السمعي البصري والمهنيين وجمعيات المجتمع المدني ومختلف الفاعلين فيه.

وفهنا واستوعبنا بأن هذه الهجومات المنسقة على دفاتر التحملات وعلى بنودها ومقتضياتها تؤشر على أن هذا التلفزيون لا زال يتكالب عليه المتنفذون والمستفيدون من ريعه حتى يومنا هذا، وبدا بشكل لا يدع مجالا للشك من خلال الحملة المنظمة والممنهجة التي تسيرها الجهات المعلومة وتوظف فيها مختلف الأساليب والإمكانيات التي تتوفر عليها، وتشحذ لها صحافييها ومريديها وبتخريجات مخدومة، أن الفساد والنزيف الذي لطالما نخر دواليب قطاع الإعلام العمومي لا زال مستمرا بشتى الطرق والأساليب والتخريجات المتحكم في توجيهها وتوقيتها عن بعد.

طبيعي أن تتحرك الجهات المعلومة التي تستفيد من قلاع الريع ومن ضمنه الريع الإعلامي، كلما أحست بالبساط يسحب منها وكلما أحست ارتجاج واهتزاز الأرض من تحت أقدامها. مفهوم من عقود أن الجهات إياها التي تقتسم فيما بينها كعكة التلفزيون أن تدافع عن امتيازاتها ومصالحها التي راكمتها طيلة عقود بتنفذها وتغلغلها داخل هذا القطاع. إلى درجة أنها بسطت سيطرتها وأحكمت قبضتها على كل مفاصل ودواليب القطاع، ويصعب إن لم نقل يستحيل على أي أحد يتحمل مسؤولية ما داخل القطاع أن يغرد خارج سرب هذه الجهات المعلومة. أو يجرأ على المجاهرة بمعاكسة توجهاتها ومصالحها.

لأنه ببساطة اللعبة أكبر مما قد يتصورها البعض. هناك اليوم من هم رهينة لا حولة ولا قوة لهم. وهنا ينتصب مثال القناة الثانية شاخصا للعيان، بكل وضوح ولا لبس فيه، لا زلنا جميعا نتذكر مطلع سنة 1989 ، حيث خلقت القناة الثانية من خواص وبمباركة من الملك الراحل الحسن الثاني، وسميت قناة ‘دوزيم’ المغرب الثاني المغرب الآخر آنذاك. وأيام زمان كان خط تحرير القناة الثانية متميزا وجريئا، مع صحافيين نذروا كل جهدهم وطاقاتهم وكل حياتهم لخدمة مهنة الإعلام بحب وتفان، منهم من دفع الثمن لجرأته ولقناعاته واختياراته المبدئية، دفع الكثير من خيرة صحافيينا ثمن الحرية في صنع الخبر وحدث الساعة، وتقديم الحقيقة كما هي دون أصباغ ولا رتوشات وبلا مساحيق. ومن الصحافيين الأوائل والمؤسسين لتجربة دوزيم من وضع في الرف وتم تهميشه، وأصبح من الموظفين الأشباح رغم أنفه وبالرغم مما قدمه من تضحيات جسام ونضالات في سبيل وهج الصورة التلفزيونية في المغرب. وبدهشة البدايات الأولى والحلم الساكن في دواخل الصحافيين المناضلين من أبناء هذا الشعب الذي طالما تمنى وحلم بأن تكون له تلفزة تشبهه وتعبر عن طموحاته ومطالبه المشروعة، استطاعت آنذاك القناة الثانية أن تدخل مفاهيم جديدة في اللغة الإعلامية، ليتحول المغرب من وضع إعلامي معين إلى وضع آخر، من أجل التغيير ورفض الوضع القائم، السياسي والاجتماعي والحقوقي والصحي والتعليمي، المزري والمتردي في تلك الفترة أما اليوم فالواقع معروف و باد للعيان.

ويا سبحان مبدل الأحوال، بعد مرور أكثر من عقدين من الزمن عن ولادة تلك التجربة الإعلامية المتوهجة، حيث جرت مياه كثيرة تحت جسر القناة الثانية وقلبت كل التوجهات رأسا على عقب، نرى ونسمع ونقرأ ما يدبجه اليوم بعضهم ممن كانوا حتى وقت قريب يحاربون هذا الخط والتوجه وبلا هوادة، يتباكون اليوم عن مصير القناة الثانية وعن الهوية التي ستضيع بدفاتر التحملات التي وضعتها الوزارة الوصية وصادقت عليها الهاكا وأشر عليها حكماء الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بعد أن مرت بالمجلس الحكومي والأمانة العامة للحكومة ونشرت بالجريدة الرسمية. إن حبل الكذب قصير، وإن تغيير المواقف والقناعات التي سبق أن طبقها بعضهم واستمات في تنفيذها والدفاع عنها، لا يمكنه أن يحدث بين عشية وضحاها إن لم يكن هناك ضغط وتوجيه، بل إن لم يكن هناك إلزام وإكراه من الجهات إياها.

إذا كان الإعلام العمومي المتعارف عليه في كل بقاع العالم هو خدمة عمومية للمواطن الذي يؤدي الضرائب للدولة والذي يعطي المشتغلين فيه أجرتهم في آخر الشهر ويعطي لمسؤولي هذا الإعلام ومدرائه الأجرة في كل آخر شهر، زيادة على ما يستفيد منه المتنفذون فيه من تعويضات خيالية وعلاوات مكلفة. فإنه ليس من حق أي كان سواء كان وزارة وصية أو الحكومة أو أي مسؤول أو مدير أو جهة كانت معلومة أو متسترة، أن يتحكم في توجيه هذا الإعلام. ليسخره إلى خدمة أهدافه أو أجنداته، أو ليظل يستفيد بعضهم من ريعه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

الإعلام العمومي في كل بلدان العالم وفي الدول الديمقراطية التي تحترم شعوبها ومواطنيها الذين يمولون قطاعاتها الإستراتيجية كقطاع الإعلام من جيوبهم بواسطة دفعهم للضرائب، تحكمه مشاركة المهنيين والمسؤولين عن القطاع ومشاركة المؤسسة التشريعية والجهات القضائية، إعلامنا العمومي متداخلة فيه كل هذه الأطراف، وأساسي أن يكون للشعب المغربي اليوم والآن صوت عال ومسموع في مصير هذا الإعلام العمومي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية