إسطنبول عراقة وتقدم .. ياحسرة على العواصم العربية الثلاث

حجم الخط
0

عبد الحميد صيام لا أعرف لماذا يداهمني حزن دفين على عواصم العروبة الثلاث القاهرة ودمشق وبغداد كلما هبطت بي الطائرة مطار أتاتورك بعاصمة الإمبراطورية العثمانية إسطنبول، مدينة العراقة والحداثة معا، والتي أشاهد بأم العين أنها جمعت حاليا المجد من أطرافه ‘سؤدد الترك ودين العرب’. تتوارد إلى خاطري الأحوال التي تعيشها العواصم العربية الثلاث والتي لا تقل عراقة وحضارة وتاريخا ومجدا عن إسطنبول لكن الفرق ليس في الماضي البعيد بل في الواقع الذي نعيشه الآن. فلا يسع الإنسان إلا أن يقارن بين ما يراه من نهضة مدنية وعمرانية واقتصادية وسياسية شاملة في إسطنبول وما تعيشه العواصم الثلاث من واقع مر منذ أكثر من أربعين سنة. فدمشق أولا وبغداد ثانيا والقاهرة ثالثا بنت مجدا لا يضاهيه مجد عندما صنعت التاريخ وزرعت رايات العروبة والإسلام في أطراف الدنيا كما كانت معروفة آنذاك. أقول في نفسي إنظر ما يجري في مدينة معاوية وعبد الملك وعمر بن عبد العزيز وقلب نظرك في أحوال مدينة المنصور وعاصمة الرشيد ومركز ‘بيت الحكمة’ ثم راجع أحوال دينة المعز التي إنطلقت منها جيوش صلاح الدين لتحرر القدس وجيوش الظاهر بيبرس لتطارد فلول المغول ومركز دولة الحداثة التي بدأها محمد على باشا إلى أن تسلمها إبن مصر الأصيل جمال عبد الناصر.

قلت لمجموعة من طلبة الدراسات العليا الأمريكان الذين رافقتهم في رحلة تعليمية إلى إسطنبول: من هذا القصر العريق ‘طوب قابي’ (مقر الباب العالي) ولمدة أربعة قرون كانت تدار إمبراطورية فاقت في إتساعها الإمبراطورية الرومانية تمتد من الجزائر غربا في جنوب المتوسط ومن أبواب فيينا غربا في شمال المتوسط إلى أواسط آسيا وإيران والحجاز وبلاد الشام. إمبراطورية عظيمة أطاحت بإمبراطورية بيزنطة وجلست في مكانها وحولت مقرها الكنسي أيا صوفيا إلى جامع كبير. أتعرفون أيها الطلبة الأعزاء لماذا انهارت تلك الإمبراطورية؟ ليس فقط لأنها دخلت حروبا متواصلة مع جيرانها الأوروبيين وخاصة روسيا بل لأنها ضعفت وتفككت من الداخل. لأنها لم تواكب العصر وتخلفت عن نظيراتها الأوروبيات فرنسا وبريطانيا وهولندا وإسبانيا وروسيا- تطورت تلك الدول وتخلفت الإمبراطورية ولم تستطع أن تتحكم في أطرافها الثائرة فأصبحت ‘ملطشة’ للدول الكبرى، فاقتطعت فرنسا منها الجزائر عام 1830 وتونس 1881 وبريطانيا إقتطعت مصر 1882عام واقتطعت إيطاليا عام 1911 ليبيا واستقلت اليونان عن الدولة العثمانية عام 1930 وانتشرت حركات الاستقلال وثقلت ديون الإمبراطورية فتدخلت الدول الغربية لفرض شروط قاسية عليها مما زاد ‘رجل أوروبا المريض’ ضعفا وتفككا فجاء الانهيار الحتمي في الحرب العالمية الأولى حيث انفرط عقد الامبراطورية لتفرخ نحو 40 دولة. إذن هكذا تنهار الإمبراطوريات- تفكك من الداخل يرافقه تدخل أو عدوان أو حرب من الخارج في مرحلة تكون فيها القيادات المحلية منفصلة عن شعوبها تعيش على عظمة تاريخية وخواء حالي. هكذا إنهارت الإمبراطوريات اليونانية والرومانية والفارسية والأموية والعباسية والعثمانية والبريطانية وأخيرا السوفيتية. وقد تصاب الولايات المتحدة بنفس الداء وتلحق بغيرها من الإمبراطوريات إذا بقيت متمسكة بسياسة العسكرة والحروب والتسلح والانصياع لسياسة خارجية لا تخدم مصالحها هي بل تثير الشعوب ضدها. وإسألوا أي إنسان بسيط هنا لماذا لا يحب الأتراك الولايات المتحدة وسيأتيك الجواب سريعا: لا نكره الشعب الأمريكي بل نمقت سياستها العدوانية ضد المسلمين والقائمة على إزدواجية المعايير والانصياع لإملاءات السياسة الإسرائيلية. تعرفوا أيها الطلبة على هذه المدينة العريقة الباسمة السعيدة الواثقة بمستقبل عظيم وكأن رجالها المخلصين وهم يرممون معالم الإمبراطورية العثمانية يقولون: سنعيد الاعتبار إلى تاريخنا العظيم دون أن نفقد بوصلتنا التي تتجه نحو مستقبل يتجه نحو الأعالي كما يشير بذلك المجسم الجميل في شارع الاستقلال بمنطقة ‘تقسيم’ في الجانب الأوروبي من المدينة. ولكن ماذ عن عواصم العرب؟

ثباتا يا دمشق على الرزاياما يجري للشعب السوري الأبي أكبر من أن تصفه الكلمات. بلاد بدأت تشهد تحولا نحو الغد الواعد إلى أن تحكمت بها مجموعة ليس لها علاقة بآلام الناس وآمالهم. حولوا البلاد إلى عزبة خاصة لهم ولأولادهم. نصبوا أنفسهم آلهة أو شبه آلهة وطلبوا من الناس أن يعبدوهم دون رب العباد وعندما تمردت مجموعة من سكان حماة على هذا الظلم عام 1982 دفنت المدينة كلها تحت الركام الذي صنعته القذائف والصواريخ. وعندما هبت نسائم الربيع العربي على الشعب السوري بمجمله وخرج إلى الشوارع بشكل حضاري يطالب بشيء من كرامة وحرية وعدل ومساواة تحركت الدبابات الصامتة وخرجت الصورايخ من صناديقها وشحذ الشبيحة خناجرهم واتجهوا لذبح هذا الشعب المتمرد على قيادة الممانعة التي أتقنت منع الشعب السوري من الحنين إلى الأجزاء المحتلة من وطنه. وأنا أقول كما قال قبلي مظفر النواب ‘أعاتب يا دمشق بفيض دمعي’ فمتى ستنتفضين لتنزعي عنك هذا القيد وتعودي حرة عزيزة كما أراد أبطال التحرير يوسف العظمة وسلطان باشا الأطرش وصالح العلي وإبراهيم هنانو الذين حاولوا أن يصلوا ما انقطع من مجد منذ عبد الملك بن مروان. ولكن لليل دمشق آخر فنمورها لم تعد تقبل أكل الحشائش في يومها العاشر، فقد خرج المارد السوري من درعا وحمص وحماة وإدلب وشعارهم كما وصفهم أمير الشعراء: ‘بلاد مات فتيتها لتحيا’. بغداد حسبك رقدة وسباتصرخة معروف الرصافي الأبدية تعود هذه الأيام. فما جرى لبغداد منذ 40 عاما شبيه بأربعين دمشق وأربعين القاهرة. دكتاتورية مقيتة تذل البلاد والعباد وتدخلها في حروب مع الذات ومع الجيران ومع الدنيا كلها. تفرغ البلاد من شبابها وكوادرها فيستغل الأعداء التاريخيون الشقوق في الجسد العراقي فيتسربون إلى الأعضاء الداخلية ويسممونها ويمزقون ما تبقى من جسد وتنتهي البلاد كما هي عليه. يحكمها وكلاء الاحتلال ويتحكم فيها من يحملون حقدا تاريخيا على عروبتها ويقتطع جزء من لحمها في الشمال لإشباع غريزة الاستقلال لدى الأقليات، ويضعف المركز وينفرط عقد البلاد ولا يمر يوم دون إنفجار أو إنهيار. القهر الطائفي مستمر والتفتيت مستمر ونهب الثروات فاق كل توقع ومدينة المنصور شوهت معالمها لكثرة ما أقيم فيها من جدران وتجارة الموت ما زالت رائجة. ألا يحق لنا ونحن في إسطنبول أن نبكي على بغداد مدينة الحضارة التي كانت تحكم رقعة من الأرض تعادل ضعف الإمبراطورية العثمانية وتمتد من حدود الصين إلى شواطئ البرتغال والآن لم تعد تتحكم إلا في رقعة صغيرة في قلبها دعيت ظلما بالمنطقة الخضراء.

القاهرة ـ أم المدائن تمشي وهي جازعةعاصمة أم الدنيا ومشروع نهضة العرب الأولى في عصرهم الحديث. تآمر الغرب على طموحات محمد علي باشا عندما قرر أن يبني بديلا للامبراطورية العثمانية ببناء إمبراطورية عربية تشمل مصر والسودان وبلاد الشام والحجاز. ثم عادت مصر إلى أبنائها المخلصين في ثورة 1952 فتآمر الغرب ووكلاؤه المستعربون على مشروع عبد الناصر الطموح القائم على التصنيع والتحرر الاقتصادي وتحديث الجيش وبناء السدود ومجانية التعليم ودعم حركات التحرر والانطلاق نحو دولة الوحدة بين جناحي الوطن في مصر والشام. حتى بعد هزيمة حزيران (يوينو) انتفض الشعب العربي وأصر على مسيرة الصمود والتحديث وعدم الانصياع لإملاءات الغرب وقاعدته المتقدمة فدخلت البلاد ‘حرب الاستنزاف’ البطولية يقودها رجال عظام من نوع سعد الدين الشاذلي وعبد المنعم رياض ومحمد فوزي الذين أعدوا البلاد إلى خوض معركة تشرين (أكتوبر) المجيدة. لكن الخراب بدأ بعد انصياع القيادة الذليلة لاتفاقية العار عام 1979 والتي أدخلت القاهرة النفق نفسه الذي دخلته بغداد ودمشق: دكتاتورية عضوضة حولت مصر العظيمة إلى دولة هامشية لا وزن لها ولا طعم ولا لون. حرب أهلية في لبنان ومصر غائبة، تدمير العراق مرتين ومصر مشاركة في التدمير، حربان على لبنان ومصر صامتة، وحروب على الفلسطينيين واجتياح لغزة ومصر غائبة تهدد بكسر أرجل الفلسطينيين وانسلاخ جنوب السودان ومصر شامتة. لقد إحتلت موقع مصر الكبير دولة قطر فتدخلت لحل الأزمات اللبنانية والسودانية واليمنية والفلسطينية وغطت أخبار قناتها ‘علبة الكبريت اللي عاملة الدوشة دي كلها’ موجات الأثير رغم عشرات القنوات المصرية التي تعمل لصالح صفوت الشريف المكلف بتمرير ملف التوريث لصالح جمال مبارك. الدكتاتويات في مصر والعراق وسوريا هي التي أوصلت العواصم الثلاث إلى ما هي عليه الآن من غياب الفعل. لكننا واثقون بقدرة هذه الشعوب الخلاقة المبدعة المناضلة. فالحكم الدكتاتوري مرحلة تمر فيها معظم الدول لكنها آيلة إلى زوال. وهذه القاهرة بدأت تتحسس دورها المفقود وتعمل ببطء لاستئناف هذا الدور القيادي بعد أن تستقر البلاد وتستقيم الأمور وتقبل جميع الأطراف بالدولة المدنية القائمة على التعددية وسيادة القانون ومحاربة الفساد واحترام حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية والتنمية الرشيدة مما سيؤهلها مرة أخرى لاحتلال موقع الريادة في أمة فقدت بوصلتها منذ غياب عبد الناصر.

وبانتظار عودة القاهرة ودمشق وبغداد لاحتلال مواقعها التاريخية التي تربط الماضي المجيد بالمستقبل الزاهر، سنبقى نحضر طلبتنا إلى إسطنبول لتقديم النموذج المشرف لدولة إسلامية لم تجد تناقضا بين الديمقراطية كنظام حكم دنيوي والاسلام كهوية ودين وحضارة. نظام حكم يقوم على تصويبه وتحسينه وتطويره رجال ونساء منتخبون من شعوبهم يتنافسون فيما بينهم على من يخدم شعبه أكثر من الآخر. فمتى تصل الرسالة إلى عواصم العرب جميعها؟ ‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيو يورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية