فهمي علي ثابت أثارت قضية اعتماد قرابة 13 مليار ريال يمني للمشائخ من قبل البرلمان جدلاً واسعاً في الشارع اليمني وخاصة فئة الشباب الذين يعتبرون ذلك فساداً كبيراً يمارسه المجلس بحق الشعب، في ظل تزايد معدّل البطالة وإنهيار شبه كامل للبنى التحتية للبلد بشكل عام.
وإذا مانظرنا للقبيلة في اليمن وعلاقتها مع النظام اليمني السابق المتمثل في حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يفتقد لأي أيديولوجية حقيقية يمكن الحديث عنها، ويعتبر المبرر الوحيد لوجوده توزيع المصالح لأي شيخ قَبَلي يرغب في المشاركة في النظام. فباستطاعة الحزب توظيف أتباع مشائخ القبائل، وباستطاعته إقامة المشاريع في مديريات أعضاء الحزب، مما أدى إلى تعزيز القبيلة حتى ظن الشعب بأن الإنضواء تحت شيخ القبيلة هو الطريقة الأهم إن لم تكن الوحيدة في سبيل الحصول على الخدمات الأساسية للمواطن.
ويأخذ دعم المصالح للقبائل البارزة عدة أشكال، فأكثر الطرق مباشرة، عن طريق تحديد دعم للقبائل في الموازنة العامة. ورغم أن هذا يُعتبر أحد أشكال الفساد في اليمن إلا أن الحكومة في اليمن ترفض اعتبار هذه الهبات فسادا بحد ذاته، وتعتبره دعما للتركيبة الاجتماعية التقليدية في اليمن. ومن الطرق الأخرى لدعم القبائل، الأجور التي تسلمها السلطة لموظفي الأمن التابعين لشيوخ القبائل عبر وزارة الإدارة المحلية، والتي من المفترض أن تراقب الحكومة المحلية. وبالإضافة إلى ماسبق من دور النظام اليمني السابق في تنمية القبلَية فإن هناك عوامل خارجية أيضا سلكت الإتجاه نفسه حيث كانت ولازالت دول الجوار وخصوصاً المملكة العربية السعودية تقدم المساعدات والتشجيع المستمر للقبائل اليمنية (حسب ماتقتضية طبيعة وظروف العلاقة مع الجمهورية اليمنية والأنظمة السابقة للجمهورية)، حيث تقوم بدعمهم بالمال والسلاح وفي فترات الصراع السياسي المحتدم)، لإن هذا الدعم له أهمية خاصة بالنسبة للملكة العربية السعودية ولنفوذها في اليمن، ناهيك أن الأنظمة في الجزيرة العربيه قبلية وعشائرية… حيث تمنح القبائل الحدودية الجنسية السعودية وتقوم بتسهيل تنقلاتهم وحرية التحرك من وإلى السعودية بدون حرامه، وتسهيل نقل البضائع والمواد الاستهلاكيه، وتخصيص رواتب وهبات مالية لهذه القبائل والعشائر المتحالفه تاريخياً مع السعودية. كل هذا الإستنزاف لأموال الشعب اليمني عموما لصالح القبيلة وفي المقابل لا تستفيد الدولة أي شيء وإنما يستفيد حزب المؤتمر فقط الذي تقوده رموز كلها نشأت وترعرت في حضن القبيلة، أما عامة الشعب أو الدولة بشكل عام فلم تستفيد إلا الكثير من المشاكل التي سببتها القبيلة بدءا من إختطاف الأجانب وإنتهاء بتفجيرات أعمدة ومحطات الكهرباء.
والسؤال الأهم هنا: هل فعلا تتعارض القبيلة مع الدولة المدنية الحديثة التي ينشدها الشباب في اليمن؟ هناك رأي يرى أن القبيلة في اليمن واحدة من مؤسسات المجتمع المدني، رغم أن النظام القبلي يشكل إطاراً إجتماعياً هاماً، مثل ولايزال يمثل أدواراً هامة في المجال السياسي والاجتماعي.
وفي الجهة الإخرى، يقف رأي مضاد، حيث يرى أن القبيلة طور إجتماعي متخلف ومن حيث هي معيقة لتطور المجتمع المدني بسبب ماتحاول أن تكرسه من غياب المساواة بين أطراف المجتمع المدني، ومن رفضها الدولة المنظمة للعلاقات بين أطراف المجتمع والقوانين الناظمة للحركة الإجتماعية التي تضمن المساواة في مابين المواطنيين أمامها. وقد يكون من المفارقات الجديرة بالذكر والإهتمام، أن التوجه الأساسي لقوى المجتمع المدني في اليمن هو السعي إلى ترسيخ وجود الدولة أو السلطة المركزية القوية الواحدة في مواجهة الرفض التقليدي المطلق لسلطة الدولة من قبل القوى التقليدية وخاصة المؤسسه القبلية.
ولقد أثبتت الكثير من الدراسات أن علاقة التحالف بين النظام والقبيلة قد أدى إلى إضعاف دور القبيلة والدولة كمؤسستين، وخلق عداء بين الدولة والمجتمع المدني، وكذا أدى إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي، وعزز الصراع السياسي بحيث يضمن استمرار النخبة السياسية والنخبة القبلية في الهيمنة على السلطة السياسية والاجتماعية. كما اتهمت شيوخ القبائل – كونهم نخبة محافظة – بالعمل على تعويق التحول الديمقراطي.
ولطالما أثرت ‘القبيلة’ سلباً على قدرة الدولة في إنفاذ القانون، كون هذا من أهم شروط المجتمع الديمقراطي مما أدى إلى انتشار واسع للفساد. وقد أدى التحالف بين النخبة القبلية والنظام إلى إخضاع المواطن لقمع مركب أحدهما سياسي تمارسه السلطة، والآخر اجتماعي يمارسه شيوخ القبائل. وما الأحداث التي شهدتها صنعاء في الفترة الأخيرة بين أولاد الشيخ الأحمر وقوات النظام السابق ليست إلا أحد الأدلة على ماسبق، فالصراع كان قبَلياً غير أن النظام استخدم قوات الدولة التي تعود ملكيتها للشعب لمواجهة طرف يُمثّل القبيلة ولا يمُثل الثورة الشعبية السلمية.
ويميل كاتب هذه الأسطر إلى الرأي الأخير فالقبيلة تتعارض مع النظام المدني لأسباب عديدة من أهمها أن القبيلة تقوم على رابطة الدم بين أبناء القبيلة الواحدة، فلا يمكن لأي كان أن ينتمي إلى قبيلة أخرى ليست من سُلالته وهذا يتعارض مع المدنية التي تنادي بسواسية الناس دون تمييز.
ونظرا لتعمق النظام القبلي في اليمن عبر التاريخ وخصوصا في الجزء الشمالي، من الطبيعي جدا أنه من الصعوبة بمكان أن يتم التخلص من القبيلة بين عشية وضحاها، ولكن كان من المفترض على الحكومة الإنتقالية أن تخفف الدعم على مصلحة شؤون القبائل والخطوة ناجحة في مثل هذه المرحلة بأعذار الأزمة الإقتصادية التي تمر بها اليمن.
ولكن يبدوا أن (مشائخ) الحزب الحاكم سابقا لازالت تقف عائقا أمام هذه المطالب لأن المشائخ القبلية هذه تهيمن على مجلس النواب بنسبة 33′ من أعضاء المجلس.
ولذا نؤكد أن على الحكومات الحالية واللاحقة في اليمن إتخاذ إجراءات تدريجية من شأنها إلغاء ما يسمى بمصلحة شؤون القبائل من أجل تأسيس دولة مدنية حديثة حيث يقف الجميع تحت ظل القانون والعدل والمساواة.’ ناشط في الثورة اليمنية