متوازيات العقلانيات بين إيران والغرب

حجم الخط
0

مالك التريكي

لم يسبق منذ أعوام كثيرة أن صدر عن إسرائيل الرسمية موقف بشأن البرنامج النووي الإيراني أقل تهويلا وأبعد عن اللغة الخشبية من الموقف الذي عبرت عنه التصريحات التي أدلى بها رئيس هيئة الأركان العامة في جيش الاحتلال الإسرائيلي الجنرال بني غانتس قبل أيام لجريدة هآرتس العبرية. لكن اللافت أن معظم وسائل الإعلام العالمية لخصت محتوى هذا الحوار الصحافي بالطريقة المعهودة ذاتها، فبدا كأنه مجرد إنذار إسرائيلي جديد ضد إيران. صحيح أن بني غانتس أكد، بصيغ مختلفة، أن إسرائيل جاهزة لقصف المفاعلات النووية الإيرانية إذا لزم الأمر. لكن ما قاله أيضا -وهذا هو الجديد الذي لا سابق له في التصريحات العلنية الإسرائيلية- هو أنه لا يعتقد أن إيران ستتخذ قرارا بتطوير السلاح النووي. ما هي أهمية هذا الموقف؟ إنه يناقض تمام المناقضة جميع أقوال بنيامين نتانياهو وإيهود باراك وأفيغدور ليبرمان وسواهم من المسؤولين السياسيين الحاليين والسابقين. إذ إن الأساس الذي يستند إليه هؤلاء في تحريض الدول الكبرى وتأليب الرأي العام العالمي وتهيئته لقبول احتمال توجيه ضربة ‘استباقية’ ضد إيران هو إشاعة الاعتقاد بأن النظام الإيراني عازم على إنتاج السلاح النووي، وأن هذه مسألة وقت ليس إلا. ولهذا ثبتوا منذ حوالي عشر سنين على ترداد نغمة أنه لا يفصل النظام الإيراني عن إنتاج القنبلة إلا عام أو عامان على أقصى تقدير. فأن يقول رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي إنه لا يعتقد أن إيران ستتخذ قرارا بإنتاج السلاح النووي هو بمثابة تصديق لموقف طهران الرسمي القائل دوما إن برنامجها النووي ذو أغراض سلمية بحتة. والمثير في هذا الاستنتاج الذي أعلنه غانتس أنه يستند، في جزء كبير منه، إلى معلومات وليس إلى تحليلات فقط. حيث أنه قال إن مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي لم يتخذ بعد القرار النهائي بشأن ما إن كانت إيران ستنتج قنبلة نووية. وشرح غانتس ذلك بأن ‘إيران تتقدم خطوة خطوة نحو الوضع الذي تصبح فيه قادرة على تقرير ما إذا كانت تريد إنتاج قنبلة نووية. [لكنها] لم تقرر بعد المضي إلى حد الشوط النهائي’. وأضاف أنه لا يعتقد أن علي خامنئي ‘سوف يريد قطع الشوط النهائي’. أما أهم ما في هذا التصريح الهام، فهو التعليل. إذ إن سبب ترجيح غانتس عدم إقدام النظام الإيراني على إنتاج السلاح النووي هو أنه يعتقد أن ‘القيادة الإيرانية تتركب من أفراد عقلانيين جدا’. وما يعنيه هذا هو أن عقلانية القيادة السياسية في طهران هي التي سوف تتكفل، في تقديره، بسد الذريعة الوحيدة لأي هجمات إسرائيلية أو أمريكية على إيران. بهذا نفذ الرجل إلى الصميم. ذلك أن مسألة العقلانية هذه هي جوهر ما كان مسكوتا عنه، غربيا وإسرائيليا، في قضية البرنامج النووي الإيراني. بل إن مسألة العقلانية تأتي في صلب إصرار الدول الكبرى على احتكار الأسلحة النووية وعلى منع جميع الدول الأخرى من امتلاك أي منها، بل منعها حتى من مجرد امتلاك القدرة على إنتاجها. صحيح أن معاهدة منع الانتشار النووي تترجم رغبة المجتمع الدولي في حفظ السلام العالمي، إلا أن الصحيح أيضا أن قرار الدول الكبرى التشبث بالوضع النووي القائم والدفاع عنه ومعاقبة أي دولة لا تسلّم به تسليما (إلا إذا كانت هذه الدولة تسمى إسرائيل) إنما هو من مستتبعات مقولة ضمنية تقوم على التمييز بين أقوام عقلانيين وأقوام لا دليل على عقلانيتهم.

أي أن الدول الكبرى تعتقد أنه لا خوف على السلام العالمي من امتلاكها للأسلحة النووية لأنها دول تتسم، بل تمتاز، بفضيلة العقلانية. فلا يعقل إذن أن تشن أي منها هجوما نوويا إلا إذا كان هنالك سبب موجب لا مراء فيه. سبب واضح لكامل الإنسانية بالبداهة… العقلانية. أما الدول الأخرى ‘اللاعقلانية’، فلا يمكن للعالم المتحضر أن ينام قرير العين إلا إذا اطمأن إلى أنها عزلاء من كل شيء، حتى لو كان مجرد قنبلة يتيمة تحقق الحد الأدنى من الردع النووي. لهذا كله، فإن تصريحات غانتس -التي تشير إلى أن هنالك بين الأمم متوازيات في العقلانيات- إنما تعادل اليوم في الدلالة ما كان يمكن أن يجود به ‘التاريخ المضاد للوقائع’ لو أن رئيس هيئة الأركان في الجيش الأمريكي تجرأ عام 2002 أو أوائل 2003 فأعلن أن ما لديه آنذاك من معلومات يناقض ما كان يزعمه الرئيس بوش حول امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية