خيري منصور
في ابريل الذي قال عنه ت. س. اليوت بأنه يمزج الرغبة بالذكرى تتفتح اوراق كثيرة، وفيه ايضا لا تعتذر الازهار عن سيقانها العارية، ورغم اقترانه بالكذب الذي اصبح توأما لأول ايامه، الا ان الطبيعة لا تشارك الناس في هذا الحفل التنكري، وتلاقح البراعم لا يحتاج الى غير ذلك الذي ترعاه الشمس المترددة الخجولة وما يحف بها من سماوات شفيفة… في الاسبوع الاخير من ابريل، نعيش نحن العرب كذبة من طراز آخر لا يشاركنا فيها العالم، وهي كذبة صادقة ان صح مثل هذا التزاوج بين الاضداد في زمن حذف فيه الفارق بين العشبة الخضراء وورقة الدولار، وتلك بالطبع نبوءة مبكرة لوالت ويتمان الذي لو بقي حيا حتى ايامنا لاستقال من جنسيته البيضاء، تماما كما هو الحال مع هنري ميلر وكورسو وغينزبرغ وآخرين.
مرّ اليوم الثالث والعشرون من هذا الابريل العربي كما لو كان اكذوبة صامتة لكنها ليست بيضاء بالتأكيد، هو يوم القراءة العالمي، تيمنا بأيام الاسرى والايتام والنساء المحكوم عليهن في اقفاص الدّمى التي عبّر عنها هنريك ابسن. فالتقاويم لم تعد تكفي ما يكرس لها من مناسبات، مرّ يوم القراءة بكامل اسلحته من الأميّة وفقه التجهيل، ومواصلة الخروج من التاريخ حيث لا خيام هذه المرة ولا منفى، وتبعا للتعاقب البروتوكولي لهذا اليوم حظيت مدينة ارمنية هذا العام بأن تكون عاصمة للقراءة، كما ان ثيرفانتس صاحب دون كيشوت وشكسبير هما الضيفان على هذا اليوم، وان كان قدومهما هذه المرة من قبرين يعجان بالحياة والسهر وينادم فيهما شهود الكاتبين ما تبقى من رميم. وسبق ان ظفر العرب بأيام للقراءة وفقا لبرنامج اليونسكو، وتلقوا للمرة الالف وبعد عقود لا تحصى فعل الأمر الالهي ذاته، وهو اقرأ… لكنهم لم يسمعوا، ومنهم من وضعوا في اذانهم الطين والعجين كي يتظاهروا بالصمم.. ولسبب ما سألت صاحب مكتبة في مول شهير عن عدد الكتب التي باعها في يوم القراءة، فلم يرد على السؤال واكتفى بابتسامة لم تكن بحاجة الى ترجمة. شهران يفصلان بين فالنتاين وورده الاحمر وبين يوم شكسبير وثيرفانتس، لكن ما بيع وذبل من الورد الاحمر يوشك ان يشعر شكسبير وصاحبه بالخجل لأنهما شعرا في بلادنا على الأقل بأنهما من رسل الكراهية ومن مساحيق الضغينة، وقد تكون هذه مجرد مناسبة لاستذكار تقارير التنمية البشرية الاقليمية والدولية وما تضمنته على خجل من احصاءات حول القراءة في عالمنا العربي، واذا كان الاميون وهم نسبة تنافس عدد المرضى والعاطلين عن العمل لا يقرأون لاسباب قاهرة، فإن من يصنفون في خانة المتعلمين او اشباه المثقفين تلقحوا مبكرا ضد القراءة، وذلك إما بأمصال من سموم الامية او بمضادات حيوية للمعرفة، لاعتقادهم بأنهم اشبه بالماعز او اي حيوان لبون، يرضعون لبضعة اشهر فقط ثم يتفرغون لأن يحلبوا من ضروع حتى لو كانت ملآى بالصديد او بذلك السائل الذي وصفه اورويل في احدى مقالاته عن النثر الانجليزي في مرحلة ما، عندما جعل من مثانة خنزير بري بديلا للذاكرة.* * * * * * * عندما صدر لي كتاب بعنوان ‘تجارب في القراءة’ قبل ربع قرن سخر بعض الاصدقاء من عنوان الكتاب، لأنهم كانوا منهمكين في كتابة تجاربهم في الابداع، فالقراءة بالنسبة اليهم وبفضل فائض الكسل الذهني الذهني لا ترقى الى التجربة، لكن ما حفّزني في تلك الايام على تأليف كتاب كهذا هو ما قرأته لجورج شتاينر الذي تساءل باندهاش كيف يمكن لمن يقرأ رواية ‘المسخ’ لكافكا ان لا يجفل في اليوم التالي امام المرآة وهو يحلق ذقنه؟ وكيف يمكن لمن يقرأ رباعية الاسكندرية لداريل دون ان يتحسس مواقع الخصب في جسده، واخيرا كيف يستوي الذين يقرأون مع الذين فطموا انفسهم عن رضاعة الكتب مبكر كالماعز او القطط؟
سيبدو من المثير للاشفاق اي كلام مكرور عن جدوى القراءة، لأن حكاية آدم عن المعرفة او المخلوق الاول الذي كان اول من كتب او عزف او رسم او غنّى اصبحت من نقوش الكهوف.
عليك اذن كقارىء ان تعتذر عن هذا الاجترار الذي يمارسه البقر كما قال فريدريك نيتشة، وان تزهو بجهلك وتسلّحه كي يقوى على صدّ المعرفة لأنها قيد وعبء ومساءلة، وثمة من لا يطيقون الحياة تحت هذه الاقانيم التي ولدت من ارحامها الحرية والتجلي والعدالة.* * * * * * *كان الجهل حتى وقت قريب خجولا ومترددا وهامسا، لكن تسليحه على هذا النحو المؤدلج والمقدس كما يقول اوليفييه روا جعله الاعلى صوتا والاقل خجلا والاكثر يقينا، فالشك مطرود من مداره الاسود لأن البقر كله اسود في الليل، لهذا لا نعجب من كتابات تبدأ بعبارة مما لا شك فيه او مما لا يختلف فيه اثنان بعد قرون من ابن خلدون ومقارنته لروايات التاريخ كي يرجح احداهما من خلال القرائن وبعد قرون من ديكارت، وعقود من طه حسين، هذا اذا لم نذهب بعيدا باتجاه هيراقليطس او ارسطو او ابطال الاساطير.
واذا كانت جدوى القراءة لا تحتاج الى من يدافع عنها، فإن هناك بالمقابل ما يستحق الافتضاح، وهو اضرار القراءة واعراضها الجانبية التي تنافس الداء، وبدأت هذه الخرافة مع اسطورتي عبقر والألمب وحالة الالهام التي تجعل من ينعمون بها في غنى عن اية معرفة. واذكر اننا في طفولتنا كنا نسمع حكايات عن اشخاص اصيبوا بالجنون لأنهم يقرأون كثيرا، اما العبارة التي احاول منذ عقود تفكيكها فهي ان فلانا هزل جسده لأن لديه فكرا… اما العبارة الخالدة الثانية وهي الرد المنهجي على ديكارت فهي لا تفكر فلها مدبّر، مقابل انا افكر اذن انا موجود.* * * * * * *عندما صدرت سلسلة اقرأ في مصر في النصف الاول من القرن الماضي، كانت بمثابة دليل يفتح شهية القراءة لمن تمردوا على ثقافة الماعز التي تلخصت في ثنائية الفطام المبكر والارضاع ما تبقى من عمر، ونادرا ما نجد مثقفا عربيا في تلك المرحلة لم تكن كتب السلسلة رغم ان معظمها من الملخصات مرحلة في حياته، ولم تكن حكرا على الأدب، ففيها اسهامات لعلماء في تبسيط النسبية وعلوم الذرة رغم انها كانت في بواكيرها اضافة الى عالم الحيوان والنبات، لأن مفهوم الثقافة كان موسوعيا بامتياز، ويكفي ان نتذكر بان مكتبة عباس العقاد التي كانت تضم اكثر من مئة الف كتاب شاهدتها بأم العين في بيته بشارع سليم الاول، كانت تحتوي على اكثر من الفي كتاب عن الحيوان والحشرات والامبراطوريات الصامتة لهذه الكائنات. ولا ندري كيف يمكن لأحدنا ان يحل هذه الاحجية وهي التناسب العكسي بين الاقبال على القراءة وعدد الجامعات والمعاهد، خصوصا عندما تحولت هذه الجامعات الى حاضنات لتفقيس الموظفين. وللقراءة مستويات ايضا، فمنها الاستهلاكي الذي ينتهي عند التسلية او تزجية الفراغ او استدعاء النعاس ومنها المشاركة التي تجعل من القارىء احيانا شريكا للمؤلف وكأنه يتنفس من رئتيه حسب تعبير احببته عندما سمعته ذات يوم من الصديق الراحل جبرا ابراهيم جبرا، وكان يتحدث عن قراءته المتكررة اضافة الى ترجمته للملك لير لشكسبير.* * * * * *كان الثالث والعشرون من ابريل يوم القراءة العالمي، لكنه تحول في عالمنا العربي الذي تحول الى منفى بسعة وطن الى كذبة ابريل الثانية، والصادقة لأنها تعتذر عن كذبة الاول من هذا الشهر التي غالبا ما تستهدف الدعابة ولا تعيش اكثر من يوم واحد، والامة التي تحفظ عن ظهر قلب حديثا قدسيا هو ان الله يحب ان يرى اثر نعمته على عبده، عليها ان تبحث عن هذا الاثر في الذاكرة او انماط السلوك، واخيرا في الكتابة التي وصفها جورج اورويل والتي نعف عن تكرارها لأنها تسبب الغثيان!