ما بين الخصاونة والطراونة: أزمة حكم أم أزمة أشخاص؟

حجم الخط
0

د. يوسف ربابعة السيناريو الذي يتم به تشكيل الحكومات وإقالتها أو استقالتها لم يعد مثيرا للدهشة، وإن اختلفت طريقة الإخراج، ولم تعد الأسماء ذات دلالة، فرئيس الوزراء ليس أكثر من شخص يتم اختياره على عجل، ثم يقوم هذا بتذكر من يعرفهم أو من له علاقة بهم فيدعوهم ليعرض عليها الحقائب، ليبدو الأمر وكأنه مشاورات، ثم تذهب الحكومة لأخذ الصور مع القسم والحلفان بالغالي والنفيس، ثم ينتظر كل وزير سائقه الجديد لينقله للوزارة، وبعد أشهر أو أقل تبدأ رحلة السقوط، ثم كتاب استقالة وتكليف لا يختلفان عن السابق إلا ببعض الكلمات أو الحروف حسب الموقف الجديد.

الأكثر غرابة في المشهد الدراماتيكي أن القادم يصور على أنه الملاك المنقذ ويكال له كل أنواع المدح والفخر والثقة بأنه سيحقق الرؤيا، والذاهب تكال له كل أنواع العتابات والإدانات بأنه لم يفهم تأويل الرؤيا، وطبعا تنجر جوقة المغردين للتلحين بأعذب الألحان للقادم، وهم أنفسهم يقلبون ظهر المجن، ويبدلون ألحانهم لذكر سيئات الفقيد، وسوء اختياره في هذه المرحلة.

ومن خلال كل ذلك لا بد لنا أن نسأل عن مكمن المشكلة، إذ من غير المعقول أن تتبدل الحكومات كل بضعة أشهر، دون أن يكون هناك أي برامج حقيقية وآليات لإختيارهم، ومن غير المعقول أن تدخل كل الشخصيات سواء اتفقنا معها أو اختلفنا في اختبار ‘البهدلة’ الذي لم يعد يخفى على ذي بصر، وهذا سيقودنا بالتالي إلى فقدان الثقة بأي شخصية يمكن اختيارها في المستقبل، مما يعني أن الحكومات لن تكون قادرة على كسب ثقة الشارع، ومن ثم ستفقد الدولة هيبتها وتضعف المؤسسات، وتصبح واهنة واهية تتلاعب بها الأمزجة والمصالح الشخصية.

وأنا أعتقد أن المشكلة باتت واضحة، فالحكومات ليس لديها برامج ولا رؤى للمستقبل، وهي مفلسة قبل تشكيلها، والدليل على ذلك مثلا أن الرئيس المكلف فايز الطراونة كما نشر في جريدة الغد يرفض الإفصاح عن برنامج حكومته القادمة، فهل عمل الحكومة يدخل في باب الأسرار التي لا تقال؟ أم أننا نحتاج للاستعانة بالعرافين وضاربات الرمل وقارئات الكف لمعرفة برنامج حكومتنا الرشيدة؟ أم أن الطراونة جاء دون أن يعرف هو نفسه لماذا اختير، وليس عنده أي فكرة عما يريد فعله؟ وأنا أعتقد أن هذا هو الصحيح، وينطبق ذلك على السابقين واللاحقين إن بقيت الأمور تدار بنفس الطريقة والعقلية.

وفي نظري فإن المشكلة لم تعد في الأشخاص والأسماء، بل في الطريقة التي تأتي بهم، والتي تضعفهم وتخرجهم مرة أخرى، فالحكومات لا يمكن أن تكون قادرة على العمل ما دام هناك جهات تستقوي عليها، وتعمل على إضعافها ليلا ونهارا، ويبدو ان الديوان الملكي هو الذي يمارس هذا العمل بدعوى الولاء للملك وادعاء المحبة له، ولذا فإنهم يدفعون بالملك ليبقى المرجع الوحيد في الصغيرة والكبيرة، حتى أدخلوه في أصغر المشاكل، ووضعوه في مواجهة مع الشعب حبا وكرها، وهذا يدل على ضعف في الرؤيا، فالملك لا يمكن أن يكون قويا إلا إذا كان حوله مؤسسات قوية، وأي إضعاف للمؤسسات هو إضعاف للملك في النهاية، ولو تعلم هؤلاء لعبة الشطرنج لعرفوا الاستراتيجيات التي يحافظون بها على الملك، إن كانوا يريدون ذلك فعلا فكل قطعة يجب أن تكون محمية مهما كانت صغيرة أو كبيرة، وأي تهديد أو إضعاف لأي قطعة هو تهديد وإضعاف للملك، وحتى يبقى الملك قويا وفي مأمن فإنه لا يتحرك كثيرا من مكانه، وحركته لا تتعدى مربعا من كل الجهات، في حين أن القطع الأخرى تتحرك بحرية أكبر على امتداد الرقعة.

إن نهج تقوية الملك من خلال إضعاف الكل قد ساد في السنوات الأخيرة، وبتنا نرى خروج رؤساء وزارات ومدراء مخابرات مكسوري الجناح تتناوشهم الألسن في كل مكان، ويتهمون بالفساد والضعف والخيانة، ولم نفكر أن ذلك سيجعل الشعب يفقد ثقته بشخصياته وبمؤسساته أيضا، وأن الناس يتساءلون ويهمسون بل ويصرحون أن الذي اختار هؤلاء هو الملك نفسه، وأنهم كانوا بالأمس محل ثقة واليوم هم كذلك والمشكلة أن هذا النهج لم يقف عند شخص واحد، بل صار ديدنا يتوقعه الناس مع كل تغيير، وكأن السيناريوهات باتت مكشوفة ومعروفة، ولا تحتاج إلى تحليل سياسي كبير.’ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية