السودان: هل استطاعت الحكومة استثمار خطأ جوبا؟

حجم الخط
0

علي حمد إبراهيمهذا ليس تخريجا من عندي. او من عند الاعلام المعادي كما يحلو لحكامنا في الخرطوم أن يعلقوا كل اخطائهم على مشاجب الغير بدلا من الاعتراف بها. والبدء في معالجتها بموضوعية. في مقال الاسبوع الماضي تساءلت عن المجنون الذي نصح حكومة حنوب السودان النصيحة المهببة ـ بلغة اخواننا المصريين ـ باحتلال منطقة هجليج السودانية النفطية. تلك الخطوة الكارثية التي ازهقت ارواحا كثيرة في طرفي الوادي. ودمرت ممتلكات هنا وهناك. ودمرت كل المساعي الحميدة والآمال في تحقيق نقلة جذرية في العلاقة بين البلدين والشعبين الشقيقين، قبل ان تجبر جوبا على الخروج والتراجع سواء بضغط عسكري شمالي كما تقول الخرطوم، او استجابة لنداءات وضغوط دولية كما تزعم جوبا. قبل احتلال هجليج كانت الخرطوم، وما زالت، تواجه مأزقا اقتصاديا وسياسيا حرجا وواسعا. فاسعار السلع الضرورية اخذت تتصاعد تصاعدا مخيفا ولم تعد في متناول المواطن السوداني الغلبان ـ بلغة عادل امام ـ ذلك التصاعد الذي يمكن ان يحول التململ الشعبي المسموع والمشاهد الى ثورة على غرار ثورات الربيع العربي المرابط قريبا من الحدود السودانية. و كان تصاعد سعر صرف العملات الاجنبية هو المحرك الاساسي لانفلات الاسعار. وما زال حتى هذه اللحظة هو المحرك الاساسي للخطر الاقتصادي المحدق بالاوضاع في السودان. وبدت الخرطوم عاجزة تماما في مواجهة ذلك المأزق حتى ارتكبت جوبا غلطة الموسم التي هي غلطة عمرها السياسي القصير باحتلالها لهجليج النفطية السودانية. وبدون رغبة منها أو حسبان، القت جوبا بطوق النجاة المؤقت الى غريمتها الخرطوم باحتلال هجليج واستفزازها بالتالي للمشاعر الوطنية لشعب عاطفي بطبيعة الحال فكان ان اندلق التأييد الشعبي لنظام الانقاذ بصورة لم يجدها هذا النظام في الماضي ولم يكن مقدرا ان يجدها في اي يوم اليوم قبل ان ترتكب جوبا غلطة الشاطر التي هي بمليون في هذه وليست فقط بألف كما يقول المثل الشعبي المطروق. وتلقفت الخرطوم طوق النجاة المؤقت الممدود لها من غريمتها جوبا بلا وعي منها ولا رغبة وهي شاكرة شكر المنبت الذي لا ارضا قطع و لا ظهرا ابقى وهو يضرب اكباد ابله في كل الاتجاهات على مدى قارب ربع قرن من الزمن الكسول. فلا يحصد الا السراب البقيع. الخرطوم المشهود لها بالقدرة على تسيير المواكب. والتلاعب بالعواطف الشعبية سياسيا ودينيا. والقدرة على تلوين الوقائع وتزيينها او شقلبتها رأسا على عقب، استطاعت بعد لحظات من اعلان جوبا احتلالها لمنطقة هجليج السودانية، استطاعت أن تقلب ظهر المجن شعبيا على جوبا في طول الشمال السوداني وعرضه. وأن تجدع جوبا في مهب الريح الصاعق. واضاعت على جوبا كل التعاطف الشعبي الشمالي الذي كانت تجده في الشمال لا سيما في القضايا العالقة بين البلدين مثل قضايا الجنسية المزدوجة والحريات الاربع لمواطني البلدين وغيرها. الخرطوم لم تقف عند هذا الحد في استغلالها لخطأ جوبا القاتل. بل تمادت في تسيير المسيرات الغاضبة ضد جوبا. واطلقت العنان لعبقريتها في تصنيع الاحداث، وهندستها حسب المطلوب. و طرح المتحدثون باسمها في جو هستيري شروطا تعجيزية بالنسبة لحكومة الجنوب باقوال لا تليق برجال دولة يعلمون ان في عالم اليوم الصغير بفضل ثورة المعلومات لا يمكنك أن تقول وتفعل ما تريد ثم تمضي. تمادت الخرطوم في سعيها لالهاب المشاعر ضد حكومة الجنوب. وفي سبيل ذلك اطلقت العنان للسانها الذرب على السنة قادتها في غضبة مصنوعة ومبالغ فيها كسبا لجائزة اللحظة الراهنة. فها هو الرئيس الجعلي، الذي اشتهر اعلاميا باجادته لعرضة أهله الحربية، واجادته للرقص الفرح في مقامات يغيب فيها الفرح، ها هو يعلنها حربا صريحة على الجنوب وهو يرقص منتشيا رافعا سيفه البتار، لأنه هزم الحشرات الجنوبية، حسب تعبيره. ويؤكد على رفضه العودة الى التفاوض مع حكومة الجنوب. ويعلن على رؤوس الاشهاد انه قرر اسقاط نظام الحكم القائم في الجنوب تحريرا لشعب الجنوب من حكم الحركة الشعبية ( الحزب الحاكم في الجنوب ). ثم ها هو نائب الرئيس الأول، السيد علي عثمان، وهو الرجل الذي قاد عملية السلام بين الخرطوم وجوبا حتى وقع عليها مع العقيد جون قرنق رئيس الحركة الشعبية في عام 2005 هاهو يؤجج واخذ الشارع السوداني بخطب حماسية ضد الجنوب، نسي فيها تماما أنه يعيش في عالم اليكتروني اصبح قرية صغيرة بفضل ثورة المعلومات حين اخبر مستمعيه المهللين المتحمسين انهم في حكومة الانقاذ قد اصدروا تعليمات واضحة لجنودهم بأن يطلقوا رصاصهم لكي يقتلوا. وليس ليدافعوا عن انفسهم. ينسى أهل الحكم الانقاذي انفسهم كثيرا عندما يهرعون الى قواعدهم لكي يستثيروا حماستها لاغراضهم السياسية. ينسون ان عيون العالم اللاقطة ترقبهم وتصور حركاتهم، وتسجل وتحصي عليهم كلماتهم الرعناء، ورقصهم البهيج على اشلاء ضحاياهم. تذكرون خطبة والى ولاية جنوب كردفان المطلوب للعدالة الدولية، القاضي احمد هارون، التي تناقلتها الفضائيات الدولية في الشهر الماضي، والتي أمر فيها جنوده بأن لا يحضروا معهم اسرى احياء، لأنه ليس لديه مكان يحفظ فيه اسرى احياء! وها هو النائب الأول لرئيس الجمهورية، السيد علي عثمان يذهب في نفس الاتجاه. أما الرئيس البشير فقد سبق الجميع مرات ومرات في هذا الاتجاه، وعلى انغام وايقاعات المزامير الراقصة. لقد استطاعت الانقاذ أن تستثمر خطأ جوبا الفادح استثمارا محليا كامل الدسم على المدى القصير. وانصرفت بالشعب عن قضاياه الداخلية العاجلة والمعقدة، وهومت به في شعارات وطنية من فصيلة لا صوت يعلو فوق صوت الثورة على ايام المرحوم جمال عبد الناصر حتى اذا اكل الشعب الحصرم.

هذا استثمار محلي ناجح مؤقتا. و من حق الانقاذ ان تستثمر خطأ جوبا الفادح. ولكنها بتماديها في تجريح مشاعر خصومها الجنوبيين حتى يصل الامر مراحل الاسفاف العنصري البغيض، فهذا يطعن في صميم ادعاءات المشروع الحضاري الذي تدعيه الانقاذ. ان كاتب هذه السطور معارض للانقاذ معارضة لا هوادة فيها. ولكنه يفرق تفريقا صميما بين معارضته لحكومة الانقاذ الزمنية القائمة اليوم ومعارضة السودان الوطن الذي افديه بمهجتي ودمي. وبنفس القدر لا نقبل أن ينزل حكام السودان ان ينزلوا بقضية الدفاع عن الوطن الى هذا الدرك السحيق من الاسفاف. كان الله في عون السودان. ولا معين سواه. ‘ كاتب ودبلوماسي من السودان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية