عكيفا الدار
ينبغي ان نفترض انه حينما تحدث رئيس ‘الشباك’ السابق يوفال ديسكن عن ‘المُخلصَين’ اللذين يقوداننا فانه قصد الى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع اهود باراك تبعثهما بواعث غير عقلانية. في استقبال بمناسبة يوم الاستقلال عرض باراك مُبدع تشبيه اسرائيل بدارة في غابة، عرض شروط قبول لنادي القادة العقلانيين ‘بالمعنى الغربي للكلمة’. وأوضح انه لا يكفي ان يكونوا ‘محنكين ويزنوا الامور ويطمحوا الى البقاء في الحكم ويسعوا الى مبتغاهم بدهاء لا حد له وبتقدير متواصل لخطوات الأعداء ونواياهم’؛ بل عليهم ان يبرهنوا من جملة ما يجب البرهان عليه أنهم ‘يبحثون عن حل بطرق سلمية للمشكلات المطروحة’. وقصد باراك بالطبع آيات الله قادة ايران. وتعلمون انه لا يخطر بالبال عندنا ان يُجند زعيم الحنكة والدهاء ليفض حزبا وليبقى في السلطة. وتعلمون انه تتولى الامور عندنا حكومة تقلب كل حجر بحثا عن حلول بطرق سلمية.
هناك عدد من الاسئلة قد تُسهل على باراك ان يفحص هل يستحق هو ونتنياهو صفة ‘عقلانيين بالمعنى الغربي للكلمة’: أكانت قيادة عقلانية تنكر خطر ان التأليف بين تعميق الاحتلال وجمود التفاوض مع الفلسطينيين وعطف الشارع العربي المستيقظ على إخوته في المناطق، وتبدل السلطة في مصر وتشديد الضغط على ايران، سيُنهي الاحتكار الاسرائيلي (بحسب ما تقول مصادر اجنبية بالطبع) للقنبلة الذرية في المنطقة؟ وهل من العقلاني تجاهل امكانية ان تبدل السلطة في الولايات المتحدة وارتفاع أسعار النفط سيولدان ضغطا دوليا على اسرائيل للتوقيع على ميثاق منع نشر السلاح الذري وتجريد الشرق الاوسط بعد ذلك من سلاح الابادة الجماعية؟.
أوكانت قيادة عقلانية تُبعد مبادرة سلام حظيت بتأييد جميع الدول المسلمة وهي مبادرة تعرض على الدولة الصغيرة اعترافا بها في حدود ثابتة يقبلها العالم كله مع تبادل اراض وتطبيع وترتيبات امنية؟ ان عدم وجود شريك سوري يمنح اسرائيل الآن فرصة التوصل الى اتفاق مستقل مع الفلسطينيين من غير ان تحتاج الى انسحاب من الجولان. أوكانت قيادة عقلانية للدولة التي غاية وجودها هي الحفاظ على هويتها اليهودية والديمقراطية تصرف مواردها الى تفريق السكان اليهود بصورة تُعجل بالفكرة ما بعد الصهيونية أو بالفكرة المعادية للصهيونية التي هي جعلها دولة ثنائية القومية أو نظام فصل عنصري مُقصى؟.
ما هو مبلغ عقلانية عدم المبالاة برئيس كنيست يعلن أنه يفضل ارض اسرائيل كاملة ثنائية القومية على دولة يهودية في حدود 1967، وان يُطرد في مقابل ذلك من البلاد ضيوف من الخارج جاءوا لتأييد تسوية مشابهة؟.
أكانت قيادة عقلانية تتحدث صبح مساء عن ‘تهويد القدس’ وتهاجم في غضب شديد اولئك الذين يقترحون اعادة الأحياء العربية التي ضُمت الى العاصمة على أثر حرب الايام الستة مع سكانها الذين يبلغ عددهم نحوا من ثلث سكان المدينة، الى الضفة الغربية؟.
هل يعرف أحد ما شخصا عقلانيا كان يتجرأ على السيطرة على ارض الجار ويظن أنه يجد قاضيا يتناول بجدية زعم انه ستكون لابعاده عن المِلك تأثيرات اجتماعية بعيدة المدى؟.
أكانت تقامر قيادة عقلانية على ان يظل المخلوق الممسوخ المسمى ‘السلطة الفلسطينية’ التي كانت الغاية منها ان تكون تسوية مرحلية، ان تظل الى الأبد مقاولا ثانويا للاحتلال؟ وما هو العقلاني في افتراض ان دافع الضرائب اليوناني الذي لا ينهي الاسبوع سيدفع رواتب المعلمين والشرطيين الفلسطينيين بدل رب المال الاسرائيلي (والكلفة بحسب تقدير حذر هي 12 مليار شيكل كل سنة)؟.
ان الفشل المأساوي في هذا الامتحان ليس من نصيب نتنياهو وباراك وحدهما، وهو فشل أكثر المجتمع الاسرائيلي ايضا. فما الصلة بين العقلانية وبين إنكار ‘الزعيمة الاجتماعية’ شيلي يحيموفيتش للصلة بين السلام والرفاه؟.
ان عشرات آلاف الاسرائيليين الذين خرجوا للتظاهر تأييدا لتحسين حياتهم ورفضوا ان يقولوا كلمة واحدة عن الحياة نفسها، هم رجال ونساء غير عقلانيين. ولا يوجد قدر كبير من العقلانية في سلوك قادة جهاز الامن الذين يخدمون في صمت قادة غير عقلانيين ويُطلعوننا على الحقيقة المرة عارية بعد ان يخلعوا ملابسهم العسكرية فقط. هآرتس 30/4/2012