أمريكا ولغز تنظيم القاعدة في جنوب اليمن

حجم الخط
0

أمين اليافعي نشرت صحيفة الـ’واشنطن بوست’ تقريراً مطولاً أشارت فيه إلى أن وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه) تسعى للحصول على صلاحيات لتوسيع حربها السرية باستخدام الطائرات بدون طيار في اليمن، عبر شن غارات ضد أهداف يشتبه في صلتها بالإرهاب.

ليس توسيع ‘الحرب السرية’ وحده ما يبعث على القلق في هذا الطلب الذي تقدّمت به وكالة سي آي إيه لمجلس الأمن القومي الأمريكي وفي انتظار الموافقة عليه، ولكن ما يدعو للقلق فعلاً ـ في حال تمت الموافقة عليه ـ هي الطريقة المقترحة لاستهداف المشتبه بهم، حيث سيُسمح للوكالة بضرب أهداف بناء على معلومات استخباراتية تشير إلى وجود أنماط من التصرفات ‘المريبة’، مثل صورة تظهر تجمعات لمسلحين؛ حتى وإن كان لا يُعرف هوية أولئك الذين سيتم قتلهم، وفقا لما قاله التقرير.

أحد المسؤولين الأمريكيين الكبار الذي تحفظت الصحيفة عن ذكر أسمه قال انه مازال هناك تشديد على إبقاء تلك الغارات كعمليات جراحية تستهدف فقط أولئك الذين يسعون إلى استهداف الولايات المتحدة بشكل مباشر، مما يعني أن هناك مقترحات (جدّية) يجري تداولها في الأروقة الأمريكية تهدف إلى توسيع عمليات الاستهداف لتطال عناصر من تيارات أخرى غير الجماعات الجهادية كـ’المقاومة المحلية’ التي يتركز هدفها الرئيسي في إقصاء حكومة البلاد بحسب ما أدلى به المسؤول الأمريكي.

ويبدو هنا أن الولايات المتحدة بصدد الدخول في نمط جديد من العلاقات والتعامل مع موضوع اليمن، فلن يقتصر الأمر على مسألة التعاون الوثيق ـ كما تقول ـ في مجال الحرب المزعومة على الإرهاب، إذ بدأت في الفترة الأخيرة بعملية فرز كبيرة لكل القوى والتيارات السياسية المحلية، فبين ‘الصالحين’ (من الصلاح وفقاً للمعايير الأمريكية، وقد تصح أيضاً أن تكون من روح وأسلوب الرئيس السابق ‘صالح’ الذي طالما اعتبرته حليفاً قوياً يصعب تعويضه!) الذين حوّلوا مبنى سفارتها في العاصمة صنعاء إلى ‘مزار’ يومي يقصدونه بغية أن يُيسّر لهم السفير أمورهم، وبين ‘المارقين’ الذين يرفضون التسوية السياسية التي تدعمها أمريكا بقوة، ويعتبرون الحلول التي جاءت بها إجحافاً في حقهم، السياسي والمعنوي، فيما لا يزال المسؤولون الأمريكيون مستمرين في كيل التهم لهم، ووصفهم بالعملاء الذين يسعون إلى زعزعة استقرار البلد (وكأن التدخل الأمريكي يأتي في صلب الوطنية الخالصة). ولا نعرف فيما إذا كانت إستراتيجية الاستهداف الجديدة لطائرات بدون طيار ستطال هؤلاء المعارضون خلال المرحلة المقبلة.

اللافت والمثير للاستغراب هو ذلك التزامن العجيب بين تقديم الطلب وظهور ‘اللجان الشعبية’ التي شكلها الأهالي في بعض المناطق لمقاومة تمدد تنظيم ‘أنصار الشريعة’، وهي مقاومة شرسة ـ كما يصفها الصحفيون المحليون الذي زاروا المنطقة ـ لم تواجهها الجماعات الجهادية في تاريخ تواجدها في اليمن. كما تزامن أيضاً مع إعلان ‘الحراك الجنوبي’، التيار المعارض والأكثر شعبية في مناطق الجنوب، الحرب الشاملة على التنظيم، ودعا أنصاره إلى تشكيل اللجان الشعبية لمقاومة هذا التنظيم (المشبوه) وتطهير كل المدن والمناطق من عناصره.

ووفقاً لما جاء في التقرير، فإن اللجان الشعبية وعناصر الحراك الجنوبي قد يكونا معرضين لاستهداف الغارات الأمريكية في حال تم تطبيق المقترح الجديد، وذلك لسببين: السبب الأول يكمن في أن المعركة مع الجماعات الجهادية تتطلب أن ينخرط الأفراد في تجمعات مسلحة، وهي التجمعات التي ستكون عرضة دائمة لاستهداف الطائرات بدون طيار وفقاً للإستراتيجية المقترحة، وحتى في حال افترضنا مصداقية النوايا الأمريكية في محاربة تنظيم أنصار الشريعة في مناطق جنوب اليمن، فإنه يصعب من الناحية العملية على طائرة تنفذ أحكامها من أعالي السماء التمييز بين الاثنين في ظل معركة لا تقوم على جبهات معلومة وواضحة، وهي أقرب إلى حرب العصابات. أما السبب الثاني فيتمثل في حال تصنيف قوى المعارضة في الجنوب كأعداء للمشروع الأمريكي في اليمن الذي يجري الإعداد له مع قوى السلطة في صنعاء، ففي هذه الحالة سيصبح بقاء وتمدد أنصار الشريعة مطلباً أمريكاً ملحاً ستسعى إلى الحفاظ عليه، وما المقترح الجديد باستهداف أي تجمعات مسلحة إلا محاولة لضرب أي مقاومة تنشأ في وجه هذا التنظيم، فضلاً عن الفائدة التي يوفرها وجود هذا التنظيم لصالح مشاريع أمريكية أخرى في المنطقة، وهذا ربما ما قد يفسر سر التزامن بين تقديم الطلب وظهور المقاومة الشعبية ضد أنصار الشريعة. لقد بدت الحرب على الإرهاب، ومنذ وهلتها الأولى، عملية متقلبة المزاج، تخضع لمعايير متبدلة كلياً، لا يمكن ضبطها أو قياسها أو تفسيرها، فلا تفرضها صيرورة الإرهاب نفسه، بقدر ما تفرضها طبيعة الأجندة الأمريكية لكل مرحلة، وما يترتب عليها من قضايا ومواقف وأعداء جدد، تستلزم بالضرورة إعادة ترتيب الأولويات حتى قد يغدو الإرهاب المتعارف عليه عالمياً، في بعض الأحيان، وفي بعض الأماكن، حليفاً غير مباشر، يُقصّر من زمن تنفيذ الأجندة، ويُقلل من تكاليفها.

ولقد باتت حرب أمريكا في اليمن مثقلة بالغموض والالتباس، وتكشف سلوكياتها كل يوم عن تناقضات يصعب تفسيرها مقارنة مع ما يتم التصريح به. ففي الوقت الذي كان فيه التنظيم يسرح ويمرح بحرية تامة خلال الأشهر الماضية، كان الموقف الأمريكي متراخياً إلى أبعد الحدود، فضلاً عن دعمه للعناصر المحسوبة على الرئيس السابق علي عبدالله صالح والتي كان لها دور كبير في تسهيل مهمة سيطرة تنظيم أنصار الشريعة على مدن ومناطق في الجنوب (كما أوضحنا ذلك في الجزء الأول من المقال). وطيلة السنوات الماضية من عمر الحرب على الإرهاب، عززت الولايات المتحدة من دعمها للرئيس صالح، كما أشادت باستمرار بالتعاون معه، مع إن صالح لم يكن جاداً في أي يوم من الأيام في القضاء على عناصر تنظيم القاعدة الموجودين في اليمن، بل ظل يتخذهم على الدوام كورقة ابتزاز للمناورة داخلياً، والمساومة إقليمياً ودولياً ( وهو أمرٌ لم يكن بالسر الدفين الذي يصعب الوصول إليه، فقد أعترف كثير من المسئولين الأمريكيين في وثائق ويكليكس بذلك صراحةً في مراسلاتهم البينية). كما لم يكتف صالح بالتهديد بتحويل مناطق الجنوب إلى مرتع للتنظيمات ‘الإرهابية’ مع اشتداد المعارضة الجنوبية وخروجها منذ العام 2007 بمظاهرات حاشدة فاقت التصور، لكنه قام عملياً بإجراء حركة تنقلات مريبة لعناصر الأمن في تلك المناطق، وهذه العناصر هي التي قامت بتسليم المعدات والمقار الأمنية لتنظيم أنصار الشريعة في منتصف العام الماضي. ولا يمكن تفسير الإشادة الأمريكية بالتعاون إلا من خلال وجود أجندة سرية أخرى تم الاتفاق عليها بين الطرفين (الأمريكي والنظام اليمني) ولم يكن القضاء على العناصر الإرهابية في أولوياتها، وإن كانت كيفية العمل على استغلالها هي الأقرب والأرجح مقارنتة مع ما هو حاصل على الأرض!

لقد سهّلت الطريقة المتبعة من قبل تنظيم القاعدة في تجنيد الأعضاء والتي تتم، في الغالب، عن طريق الشبكة العنكبوتية، وهي شبكة افتراضية، لا تتوفر لديها الوسائل الكافية للتحقق الدقيق من العضو المنُضم، سهّلت من عملية اختراقها واستغلالها من قِبل أجهزة مخابرات تتبع دول عدة لصالح حروب تتم بالوكالة. أما في اليمن، فما سهّل أكثر من عملية الاختراق، هو أن النظام اليمني قام باحتضان أغلب ممن شارك في الحرب الأفغانية السوفيتية عند عودتهم إلى اليمن في بداية التسعينيات من القرن المنصرم، بل وعمل على دمج كثير منهم في مؤسساته العسكرية والأمنية.

ومن الأحداث التي خلفت وراءها الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام هو هروب 23 عضوا من أخطر عناصر تنظيم القاعدة في اليمن في العام 2006م من السجن المركزي بصنعاء، كان من بينهم زعيم تنظيم ‘القاعدة في جزيرة العرب’ الحالي ناصر الوحيشي. وفي وقتٍ لاحق من عملية الهروب، تواترت الأنباء عن وصول عددٍ منهم إلى العراق، وقد ربط البعض بين وصول هؤلاء وبين التصفية التي حدثت لقادة تنظيم القاعدة في العراق الواحد تلو الآخر. ومع أنه لا توجد أدلة تؤكد مثل هذا الزعم، لكن تبقى ‘الشائعات’، في عمليات سرية كهذه، مصدراً هاماً في محاولة تفسير الأحداث.

واليوم، وفي ظل هذا السياق الشائك والمريب، قد يجد البعض الربط مغرياً بين استغلال أمريكا للوضع المضطرب لإحكام السيطرة على باب المندب وبين تصاعد المواجهة مع إيران واشتداد التسابق للسيطرة على المنافذ عند محاولة تفسير التعامل الأمريكي مع ما يحدث في هذه المنطقة الإستراتجية الهامة. لكن قد تكون الفوضى في اليمن (والصومال مثال آخر على ذلك) التي تقع بجوار البطن الرخو لشبه الجزيرة العربية حسب تعبير الأستاذ هيكل، والتي تجلس على مخزون الطاقة في العالم أمراً أساسياً ومطلوباً في الإستراتيجية الأمريكية بعيدة المدى.’ كاتب وناشط يمني مقيم في القاهرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية