عوفر شيلح
في العاصفة التي أثارتها أقوال يوفال ديسكين دحرت جانبا جملة واحدة قالها رئيس المخابرات السابق عن وزير الدفاع. فقد ذكر ديسكين بان ايهود باراك توقع في حينه سقوط نظام الاسد في غضون عدة اسابيع. وها هو بشار حي يرزق وصامت، وديسكين توقع في ذات الوقت بان يبقى في المنصب حتى بعد الانتخابات في اسرائيل. ليس واضحا، بالمناسبة، استنادا الى ماذا اطلق توقعه، باستثناء الحقيقة البسيطة بان الاسد صمد حتى الان، وعليه ففي نوع من الاستنتاج المنطقي، غير المسنود الى اي معلومات ليست لدى القارىء، يقول انه سيصمد على الاقل حتى بضعة اشهر. هذه أمور مثيرة للاهتمام، وليس لان باراك أخطأ في توقعه. فهي تشهد على ان ديسكين، ومعظم من سمع أو قرأ اقواله، لا يزال يؤمن بان الاستخبارات يمكنها أن تستنتج توقعات سياسية داخلية أو خارجية، وعليه فمن يعبر عن هذه التوقعات يفحص حسب تحققها. وذلك رغم ان ليس فقط باراك بل وكل قادة جهاز الامن الاسرائيلي فشلوا في تقديرات مشابهة المرة تلو الاخرى، ورغم أن الفحص المنطقي لماهية الاستخبارات، وربما أيضا ماهية بني البشر والسياقات التي ينتجونها، سيبين بان فرصهم في النجاح في هذه التقديرات ليست أعلى من الفرصة للتخمين السليم الى اي جانب ستقع قطعة العملة التي القى بها الى الهواء. لا ينبغي العودة لتذكير ديسكين ما الذي قاله زملاؤه في الاستخبارات، الاشخاص الذين يقدرهم هو مثل مئير دغان وافيف كوخافي، عن استقرار نظام حسني مبارك، قبل بضعة أسابيع من طرد متظاهري ميدان التحرير له من الحكم. وهو نفسه نجا من حرج مشابه فقط لان المخابرات، بحكم مهمتها، ليست مسؤولة عن تقدير الوضع في الدول المجاورة. كما لا حاجة لان نروي له بان أجهزة استخباراتنا فشلت في تقدير الكثير من السياقات العميقة في المنطقة، او تكرار الفشل المدوي لاجهزة الاستخبارات في الغرب، والتي استثمرت عشرات مليارات الدولارات في السنة على البحث في شؤون الاتحاد السوفييتي ولم تتوقع بانه يوشك على الانهيار.
ينبغي أن نسأل أنفسنا لماذا على الاطلاق نولي أهمية أو مفعولا لقول رجل استخبارات أو قائد سياسي على ما سيحصل في دولة مجاورة. احتمالات بقاء الاسد، سقوط مبارك أو اندلاع احتجاج شعبي في اسرائيل هي نتيجة جملة من العوامل ليس لها أي صلة بالمعلومات الاستخبارية. فهي حتى ليست معروفة للاشخاص ذوي الصلة بالامر: في احيان قريبة الامور تحصل بناء على تطورات لا تكون موجودة الى أن تحصل، ولهذا فانها غير قابلة للمعرفة أو التوقع. ولكن في اسرائيل، المفعمة باحساس الحصار وترفع عيونها الى جهاز الامن في توقع غير عقلاني لا يمكن لوزير الدفاع او رئيس شعبة الاستخبارات ان يجيب على سؤال بالكلمتين البسيطتين ‘لا أعرف’. فهو لا يمكنه أن يقول ان قوة وتصميم المقاومة لنظام الاسد لم تفحص بعد، ولهذا ليس واضحا كيف ستنجح في اختبار الدم الاجرامي الذي ستجتازه (والذي هو نفسه كان واضحا ومعروفا؛ هكذا تصرف ابوه قبل ثلاثين سنة). في دولة توظف هذا القدر الكبير من المال في جهاز الامن، وتتعاطى مع خريجيه بورع مقدس لا صلة له بادائهم الحقيقي، فان هؤلاء السياسيين ولابسي البزات يشعرون بانهم ملزمون باعطاء جواب. ولما كان الحديث يدور عن اناس فهيمين، فان هذا الجواب بشكل عام يكون عموميا ومتملصا. باراك شذ عن هذه القاعدة لانه باراك: صورته الذاتية وحاجته لان يثير الانطباع لدى سامعيه بتحليلاته تدفعه الى أقوال سهل الاستخفاف بها بعد ذلك. ولكن السؤال ليس لماذا أخطأ، وماذا يعني هذا عن جودة المعلومات الاستخبارية بالنسبة لسوريا، السؤال هو لماذا نحن نسأله على الاطلاق في مثل هذا الامر.
معاريف 1/5/2012