دمشق ‘القدس العربي’ ـ من أنور بدر: في يوم الجمعة الرابع من مايو/ أيار الحالي يكون قد مضى شهر كامل على رحيل الفنان الكبير خالد تاجا في دمشق عن عمر يناهز 72 عاماً، حيث ولد فيها بتاريخ السادس من تشرين الثاني/ نوفمبر 1939، وقد ذهب بعض من كتب عنه إلى أن بداياته الفنية تعود إلى عام 1966 حين شارك في بطولة فيلم ‘سائق الشاحنة’ الذي أخرجه اليوغسلافي ‘يوشكونو فوفيتش’. لكنهم بذلك يؤرخون لبدايته في عالم السينما وليس في حقل التمثيل، حيث بدأ تاجا مع المسرح الحر الذي أسسه الفنان الراحل عبد اللطيف فتحي، كأهم أكاديمية صقلت مواهب فناني سورية فوق الخشبة منذ عام 1955، بعد تجربة الرائد الأول في هذا المجال أبو خليل القباني، لكنّ طموح تاجا وقلقه الإبداعي دفعا به إلي تأسيس فرقة ‘نادي الزهراء الفني’ الخاصة به، ثم ‘جمعية الشرق العربي’ التي تشكلت من بعض المحترفين، إلا أن هذه التجارب لم تلق النجاح المطلوب، كما لم تلب رحلته إلي مصر طموحاته، فعاد إلى سورية، وانضم إلي المسرح الشعبي، كما تعاقد في عام 1960 مع المسرح العسكري، وقد بلغ رصيده فوق خشبة المسرح أكثر من عشرين مسرحية عربية وعالمية، وكان لا يزال يطمح قبل أن يغيبه الثرى إلى تقديم بعض شخصيات شكسبير الرائعة كهاملت أو الملك لير.
هذا التاريخ الحافل بالطموح هو الذي يفسر اختياره لبطولة أول فيلم سوري من إنتاج المؤسسة العامة للسينما في سوريا، ويفسر نجاحه في لعب هذا الدور أيضا، هو الذي اعتبر التمثيل لعبا، مضيفا: وأجمل الألعاب هي ألعاب الأطفال، فكان يفتخر بأنه بدأ هاوياً للتمثيل في المدرسة، واستمر هاوياً علي خشبة المسرح، وفي السينما وحتي الدراما التلفزيونية، قائلاً: اخشى الاحتراف، فالتمثيل يضيع ما بين الكبرياء والخجل.
في عام 2006 أتيح لي أن أشاهد بروموشن مسلسل ‘بين السماء والأرض’ للمخرج مأمون البني وسيناريو حكم البابا، قبل أن يتم تهريبه من سوريا ليعرض في الكثير من القنوات العربية لاحقا باسم ‘أيام الولدنة’ وكان من بطولة الراحل خالد تاجا مع نخبة من أهم فناني سوريا، لكنني في تلك اللحظة أيقنت أن هذا الفنان الذي لم يأسره أي كركتر في كل أعماله، مازال قادرا على العطاء والإبداع وهو يحث الخطى باتجاه السبعين من عمره، وهنا مكمن الموهبة الفنية أو سرّ العبقرية التي لا تنطفئ.
حين تابعت هذا العمل لاحقا كنت أستحضر في ذاكرتي رواية ‘الإغواء الأخير للمسيح’ للكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكي، التي نشرت عام 1951 ومنعها الفاتيكان دون أن يحول ذلك من تحويلها إلى فيلم مثير للجدل في ثمانينات القرن المنصرم على يدي المخرج الأمريكي الرائع مارتن سكورسيزي. ففي ‘الإغواء الأخير للمسيح’ سمح الكاتب لنفسه أن يتخيل السيد المسيح وهو يحلم في غفوة منه أثناء الصلب على الجلجلة بكل ما كان محروما منه في حياته، من البيت والزوجة والأولاد، إلى الأرض والملكية والثروة، وصولا إلى متعة القوة والنفوذ، لكنه في لحظة الصحوة الأخيرة يصيح: ‘إيلي.. إيلي.. لما شبقتني’. وفي مسلسل ‘أيام الولدنة’ سمح الكاتب حكم البابا لبطله ‘عمر الحمبظلي/ خالد تاجا’ الذي أمضى حياته في العمل وجمع الثروة، بعد أن يكتشف في أخريات أيامه انه مصاب بمرض خبيث، أتاح له أكثر من مجرد الأحلام فقط، إنها فرصة أن يعيش كل المتع الصغيرة التي حرم نفسه منها في طفولته وشبابه، أن يعيش متع الحياة الحقيقية والصغيرة التي صنفها المجتمع في خانة الرذيلة والفحش أو قلة الأدب والبعد عن اللياقة في أفضل الحالات، بدأ من معاكسة بنات المدرسة إلى ارتياد الملاهي والتعرف على قاع المجتمع السري في الحانات وبين السكارى، من مسابقات الرياضة إلى دخول حمام النساء خلسة، من الغناء واللهو إلى حضور المناسبات الرسمية، من اجتياز حرمة المقابر إلى اجتياز الحدود مع إسرائيل، وفي كل هذه التفاصيل تتكون التجربة التي تشكل الخيط الجامع لكل حلقات المسلسل، خيط يقوم على تجربة تمتد بالبطل ‘الحمبظلي/ أبو رزوق’ وابنه ‘رزوق’ من مستشفى المجانين إلى أقبية المخابرات، ومن طمع العائلة بالميراث إلى حفلات التحقيق والتعذيب المتكرر، دفق من الكوميديا السوداء المغرقة في إطار الواقعية السحرية التي تكشف تفاصيل لم يكن متاحا الحديث عنها في تلك السنوات. فكيف يمكن لتاجا أن يظهر على الشاشة السورية وهو يخطب في ساحة المرجة يحض الناس على تجاوز عجزهم وصمتهم، لكن الناس يفرون من حوله، فيمازحه ‘كنا نجرب أصواتنا فقط’! لذلك لم يعرض هذا العمل المهم في سوريا رغم حصوله في عام 2008على خمس جوائز من مهرجان القاهرة للإعلام، والذي كاد أن يفتح معركة دبلوماسية بين القاهرة ودمشق في حينها، لأن الأنظمة الشمولية لا تتقبل النقد ولو في صيغة نكتة أو كوميديا تلفزيونية، ولن تتقبل تقريظ الأنظمة المشابهة لها لهذا النقد أو تكريم النقاد والاحتفاء بأعمالهم الإنتقادية. كذلك حُرم المشاهد السوري من عرض فيلم ‘الليل الطويل’ للمخرج حاتم علي والذي شارك فيه الراحل بشكل متميز أيضا. لأنه يتحدث عن المعتقلين السياسيين في سوريا، وهي قضية تجهد الأنظمة الشمولية للقفز فوقها، وتحرص على تجنب الإشارة لها.
الآن وبعد قرابة شهر على وفاة النجم خالد تاجا أتذكر هذه التفاصيل لعلاقتها بشخصية تاجا الفنان/ المبدع كما عرفناها جميعا، وليس لعلاقتها بالدراما التلفزيونية، فهو أقرب إلى شخصية ‘الزكرت’ ابن البلد الذي نزل من حي ركن الدين إلى مسارح دمشق وصالاتها السينمائية، شاب كان يحلم بالرسم والشعر قبل أن يجد نفسه ممثلا، وكان عاشقا لخشبة المسرح قبل أن تختطفه الكاميرا السينمائية والتلفزيونية لاحقا، لكنه استطاع أن يتميز في أغلب أدواره التي كان يؤديها بإحساس عال بالدور والشخصية التي يلعبها، تميز منبعه الصدق مع نفسه ومع الشخصية التي يؤديها، هذا الصدق الذي قاده منذ بداية الحراك الثوري في آذار 2011 إلى إعلان انتمائه للشعب السوري ومطالبه في الحرية، انتماء لم يكتف بأقل الإيمان كما يُقال، بل ذهب للمشاركة في توقيع البيانات، المشاركة في مظاهرة المثقفين التي أوقف على إثرها لفترة وجيزة مع عدد من الفنانين والمثقفين السوريين من قبل الأجهزة الأمنية لمطالبتهم بوقف الحل الأمني، الذي ينتهجه النظام وبحق التظاهر السلمي للمطالبة بالحرية. وصولاً إلى مشاركاته المستمرة في تشييع الشهداء وحضور العزاء بهم في المناطق الساخنة من دمشق وريفها، هذه المشاركات التي دفعت بعض المهيمنين على شركات الإنتاج الدرامي في سوريا من الموالين لوضع اسمه في صدارة قوائم المقاطعة التي أعدوها.
مع ذلك رحل خالد تاجا وفي رصيده الفني أكثر من عشرين عملا مسرحيا. فيما بلغت مشاركاته السينمائية 17 فيلماً للقطاع العام و 23 فيلما للقطاع الخاص، وهو رقم فارق في السينما السورية بالقياس إلي قلة الإنتاج فيها. بينما قاربت أعماله التلفزيونية المائة مشاركة بدأت مع مسلسل ‘خريف الأيام’ عن نص لأحمد قبلاوي، وانتهت مع مسلسل ‘الزعيم’ 2011 لكن مشاريعه الفنية كانت كثيرة وهو الطموح الإبداعي لفنان يعيش حياته كأنه يعيش أبدا.
خالد تاجا لم يكن أكاديميا بالمعنى التقني للعبارة، لكنه كان مفعما بالإحساس والصدق في أدائه، وكان مفعما بالنبل والصدق في انتمائه أيضا لقضايا الشعب السوري ومطالبه، دون أن ينتقص من ذلك محاولة الجهات الرسمية اقتناص جنازته أو اقتناص جسده الذي غاب عن الحياة، فهو كان من طليعة الفنانين الذين انحازوا للثورة، وسيبقى من رموز الفن والثقافة الذين أكدوا انتماءهم العضوي لمجتمعهم، بالمعنى الغرامشي لهذا الإنتماء. وكان وجوديا في علاقته مع الموت حين أعد قبره قبل أن يموت وكتب على شاهدته’مسيرتي حلم من الجنون، كومضة شهاب زرع النور بقلب من رآها، لحظة، ثم مضت’.