د. حسن عبد ربه المصري لا يختلف إثنان عل أن التصادم المتجدد في مصر بين مجلس الشعب بصفته المؤسسة التشريعية المنتخبة من جهة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة بصفته الجهة التي تتولى المهام الرئاسية المسؤولة عن ادارة شؤون البلاد والعباد من جهة ثانية، يصب في نهر الفوضى العارمة التي يَخشي منها على الوطن المصري كل من يحرص على تماسكه ويساهم بأي قدر لكي يَعبر أبناؤه المرحلة الانتقالية – التى لم يبق عليها سوى شهرين إلى بر الأمان.. بر الأمان الذي من شأنه ان يحقق مطالب الثورة الشبابية والشعبية التي تكاد تختفي معالمها تحت وطأة الإنسداد السياسي الداخلي والخارجي الذي يشل إرادة الوطن.. التصادم المتجدد يدفع الطرفين ومعهما آخرون نحو مأزق العناد السياسي ودوامته العنيفة التي تأخذ الجميع بعيداً عن التفكير الجاد في مشكلات الوطن والمواطن التي تتراكم كل يوم وتفرض عليهم جميعاً إهمال قضايا وطنية على قدر عظيم من الأهمية، يجب على كل من السلطة التنفيذية والتشريعية أن يتعاونا لأيجاد حلول جذرية لها.. ليس من مصلحة جماعة الإخوان المسلمون المهيمنة على حركة وتكتيكات حزبها ‘الحرية والعدالة’ ذي الأغلبية العددية في مجلس الشعب أن تُصر على إقالة حكومة البلاد الإنتقالية في هذا التوقيت خاصة بعد أن سجل لها الشارع السياسي المصري موقفين متناقضين:
الأول – تأييدها ومساندتها أي الحكومة – منذ إعلان تشكيلها قبل إنتهاء انتخابات مجلسي الشعب والشورى وحتى بداية الدورة البرلمانية الحالية.. الثاني – المناكفة والتنديد حتى من قبل أن يلقي رئيسها بيان حكومته يوم 26 من شهر فبراير الماضي والذي استهله بمقولة أنه والجماعة يقصد بالطبع جماعة الإخوان المسلمين – كانا ‘مضطهدين من جانب النظام الذي أسقطته’ الثورة الشبابية الشعبية ‘ والتي في ضوء نتائجها كما قال في سياق عرض برنامج حكومته تحمل هو رئاسة الوزارة الانتقالية وفازوا هم بالأغلبية النيابية. دعونا نتذكر معا أن معظم التحليلات السياسية أجمعت على: أ التأييد كان تكتيكياً، بمعنى التوافق مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة على تمرير مؤشرات عدم الإعتراض على مواصلة حكومة الجنزوري تحمل مسؤولياتها حتى تنتهي الإنتخابات خشية أن تنقلب ‘مباهج شهر العسل’ بين الطرفين إلى صراع سياسي قد يؤثر على النتيجة النهائية لأعداد الفائزين من كوادر جماعة الإخوان المسلمون. ب تمرير تلك المؤشرات كان ينم عن:
الرضى بما ستطرحه الحكومة من سياسات قصيرة الأمد حتى لو جاء في حدوده الدنيا عدم اللجوء لخلق مصادمات سياسية على مستوي الجانبين التشريعي والتنفيذي، حتى تصل البلاد إلى نهاية الفترة الانتقالية. المساهمة بشكل جدي عن طريق القواعد الحزبية لتيار الإسلام السياسي الذي تقوده جماعة الإخوان المسلمين في تسهيل مهمة الحكومة البالغة الصعوبة خاصة فيما يتعلق بالمشاكل الجماهيرية.
ج التعاون معها على أوسع نطاق لتقديم مجموعة من مشاريع القوانين التي من شأنها أن تعيد الأوضاع السلمية للوطن إلى أقرب نقاط الإستقرار والهدوء، لأجل تفعيل سياسات الضوابط الأمنية والمعالجات الإقتصادية. وعلى الجانب الآخر، دعونا نتذكر أيضاً.. واجه الجميع مجموعة متتالية من المشاكل المستعصية التي كان محركها الأساسي الإنفلات الأمني الذي يتحمل الجميع بلا إستثناء مسؤوليته سواء دخل في ذلك أحداث الشوارع الدامية أو مذبحة إستاد بور سعيد الرياضي، مضافاً إليها الإعتصامات والمطالب الفئوية التي بلغت قمتها على يد تجمعات أمناء جهاز الشرطة التي شملت العديد من المراكز الأمنية في طول البلاد وعرضها وراح ضحيتها ضباط ومواطنين أبرياء وكذا الحرائق العديدة التي حصدت منشآت وأوراح وأحدثت تلفيات بملايين الجنيهات ربما يمر وقت طويل قبل أن يتمكن إقتصاد البلاد المعطوب من تعويضها. وبدلاً من أن تسارع الأغلبية الحزبية المهمينة على السلطة التشريعية إلى مساندة السلطة التنفيذية في الوقوف صفاً واحداً أمام هذه المصائب المتتالية التي تجلد ظهر الوطن والمواطن في مصر، لجأت للتعنيف والتنديد وبدلاً من أن تطالب بعزل هذا الوزير أو ذاك ممن تراهم مقصرين أو مهملين في التــــصدي لهـــذه المشاكل المستعصية، سارعت إلى المطالبة بعزل الحكـــومة بأكملهــا ومنحها الفرصة لتشكيل حكومة إئتــــلافية ولجأت إلى كافة الوسائل الظاهرة والباطنة لكي تُجبر رئيس الوزراء على تقديم إستقالته. ولم تتراجع أي الأغلبية – حتى عندما قيل لها أن الإعلان الدستوري الذي دبجه حزب الحرية والعدالة بتوصية من الجماعة الأم، لا يُعطيها هذا الحق بل زاد تمسكها بهذا المطلب خاصة بعد أن أصدرت المحكمة الإدراية العليا حكمها ببطلان تشكيل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، وبدا الأمر كما تناقلته العديد من التقارير كما لو كان ‘ثأراً’ لا بد من الأخذ به حتى لو إحترق الأخضر واليابس وبرهنت هذه الغالبية على ذلك عندما أتخذ الدكتور سعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب قراراً يوم 29 إبريل – بتعليق أعمال المجلس حتى السادس من شهر مايو الحالي.
لا خلاف لنا مع الدكتور سعد الكتاتني عندما يقول أن إعتراض المجلس على أداء الحكومة ليس مقصوداً به ‘أشخاص’ وإنما ‘سياسات وبرامج’ ولعله لا يختلف معنا حين نقول له أن خلافنا مع سياساته ليس المقصود منه أشخاص وإنما سياسات وبرامج وأن إعتراضنا على تشكيل اللجنة التأسسية للدستور ليس نابعاً من موقف شخصي، ولكنه موقف مبدئي مؤسس على قاعدة أن من حق الشعب المصري بكل فئاته وتياراته المشاركة في كتابة مسودة دستوره الجديد.
التعديل الوزاي في هذه المرحلة سواء بإزاحة حكومة الدكتور كمال الجنزوري كلية أو بتغيير بعض وزرائها الذين لا ترضى عن أدائهم الأغلبية البرلمانية ليس في مصلحة الوطن العليا، بل الأجدى كما يقول المنصفون من أبناء المجتمع وزعماء وكوادر العمل السياسي الذين كانوا يناصبون نظام حسني مبارك العداء، أن يتعاون الطرفان التشريعي والتنفيذي لأستكمال خارطة الطريق التي لم يتبق منها سوى أقل من ستين يوماً، حتى يتحقق تسليم السلطة لرئيس الجمهورية الذي ستبدأ دورة إنتخابه الأولي يومي 23 و 24 من الشهر الحالي. نقول لحزب الحرية والعدالة، ومن ثم للدكتور سعد الكتاتني رئيس المجلس النيابي:
تراجعت ثقة الجماهير العريضة في أدائكم وفي قيادتكم للعمل السياسي المؤسسي درجات كثيرة إلى الوراء وإنكمش حجم القبول الذي حظيتم به بعد حملة الانتخابات التشريعية التي منحتكم الأغلبية في غرفتي البرلمان، في ضوء التصعيد الذي مارستموه من خلال:1 الإصرار على الترشح لمنصب رئيس الجمهورية، وليس هناك من هو مقتنع بأنكم لجأتم إلى ذلك لأن الشعب دعاكم إليه، بل هي تصعيدية مائة في المائة حتى من قبل أن يسحب عمر سليمان ملف ترشحه للمنافسة على المنصب. 2 التمسك حتى هذه اللحظة بأن ياتي تشكيل اللجنة التأسيسية للدستور وفق مصلحتكم وفي ضوء هدي تعليمات مجلس شورى الجماعة. 3 قانون العزل السياسي الذي توقعنا أن يكون من أوائل المشاريع التي تتقدمون بها فور تحملكم مسؤولية المؤسسة التشريعية، وفوجئنا بكم تنتهون منه خلال يومين نكاية في بعض الأشخاص المحسوبين على النظام السابق والذين لا يحظون بثقة قطاع كبير من أبناء الشعب. 4 محاولاتكم المستميتة لضم بعض المؤسسات الرقابية الجهاز المركزي للمحاسبات، والجهاز المركزي للإحصاء مرة لرئيس مجلس الوزراء عندما لاح في الأفق أمكانية قيامكم بتشكيل حكومة إئتلافية وأخرى لمجلس الشعب بعدما تلاشى هذا الأفق. 5 الدعوة لتظاهرة مليونية يومي 13 و 20 إبريل الماضي بعد هجر ومقاطعة للتظاهرات الشبابية والإئتلافية دام أكثر من ستة أشهر، لا لشيء إلا لممارسة التصعيد ضد المجلس الأعلى للقوات المسلحة وضد السلطة التنفيذية.
لذلك.. امتعضت الغالبية من قطاعات الشعب والنخب السياسية والثقافية والمجتمعية من قرار وقف جلسات مجلس الشعب في هذا التوقيت المتعارض مع كافة ما يجري فوق أرض الشارع المصري من أحدث متلاحقة.. إستنكرت هذه الغالبية التعطيل المتعمد لتشكيل اللجنة التأسيسية للدستور.. هذه الغالبية بدأت تعطي ظهرا بالتدريج ومعها قطاعات لا يستهان بها من كوادر التيار الإسلامي السياسي، لدعواتكم المتكررة لتأييد مرشحكم للرئاسة.. لم تفهم هذه الغالبية فحوى الخبر الذي تناقلته وسائل الإعلام عن الإجتماع الذي جمع يوم 29 أبريل – بين آن باترسون السفيرة الامريكية في القاهرة ونائب المرشد العام المهندس خيرت الشاطر بمكتبه وسط مدينة نصر والذي قيل أنه إقتصر على الملف الإقتصادي لمصر حيث أن هذا الامر يَختص به مجلس الوزراء وأجهزة الدولة المعنية. وأضيف.. إستغربت هذه الأغلبية بشدة ما جاء على لسان الدكتور محمد مرسي مرشح حزب الحرية والعدالة في الإنتخابات الرئاسية ضمن مؤتمره الإنتخابي بالقاهرة القديمة مساء يوم 30 من الشهر الماضي أنه ‘سيعيد الفتح الإسلامي لمصر من جديد ليعيد لمصر هيبتها وتقدمها وعزتها بشقي الأمة المصرية مسلميها ومسيحييها’ .. أوليس من حقهم أن يستغربوا ويندهشوا؟ .. ‘ استشاري إعلامي مقيم في بريطانيا