مطاع صفدي العصر سياسياً عنوانه الديمقراطية، يكتشف العصر أن إنسانيته لا تزال أقرب إلى العبودية منها إلى أية حرية حقيقية بالرغم من فتوحات المعرفة وأشكال التقدم المادي، فليس ثمة مجتمع غربي أو شرقي، بما لهما من تجارب تحررية أو استبدادية، لا يستثني مجتمعاته من معاناة أكاذيب عدالة زائفة. حين يكتشف الغربيّ خاصة، فجأة أن اكتساب عماله وطبقاته الوسطى بعض حقوقها الدنيا، لم يكن أكثر من رشوة موقتة مقابل مهادنته للأقليات المسيطرة المستبيحة لذاتها أقصى حقوقها والحقوق العظمى لشعوبها في وقت واحد.
خلال الأسبوع الأول من الشهر الحالي احتفل العالم بعيدين للجميع وليس لأحد دون الآخر من شعوب المعمورة، باسم عمال العالم، وصحافة العالم. هل ثمة رابط مفهومي بينهما؟ من دون شك، فهما تجسيدان رمزيان لكل من حق العمل، وحق التعبير، أما تاريخ العصر الذي نعيشه، فهو الأظلم نسبياً في اغتصاب هذين الحقين معاً. ليس هذا فقط، بل هو الأفظع في تجهيز أدوات القمع لهذين الحقين، ليس بوسيلة الاغتصاب المادي المباشر لفرص العمل ومنابر التعبير الحر وحدها، ولكن بالإجهاز المنظم على شروط قيام حكومة كل العالم، كما يفترضها حاضرُ التواصل المعرفي كتتويج نهايةٍ للتاريخ متطابقة بين عقلها وواقعها، ولكن حدث أن جاء البديل المفجع مع اختلاق عولمة الاستبداد/الفساد، ذلك المركّب السلطوي الأعلى والأشمل لما يسمى اقتصادوياً: حرية السوق، التي تفترض بل تؤسس قيامَ امبراطورية المال الفلكي، الحاكم المتحكم بأمره والقاضي بتذرير كل متحد إنساني (تحويله إلى ذرات )، طبيعي أو ثقافي، بما يعني فرْطَ كياناتِ الأمم، وتفكيك الحضارات، وإلغاء كل أشكال الحماية الثقافية، بحجة إلغاء الحدود التجارية، أمام فائض المنتوجات الاستهلاكية النافلة.
من وجهة النظر للاستراتيجية الحضارية، فإن العصر الراهن هو لتحقق العالمية. ولكن تمّ فرْضُ (العولمة) كبديل عنها، مصطنع ومخْتَلق باسم المصلحة الاقتصادوية الخالصة التي ترفع الحدود بين أسواق الأمم، لكي يفترس أقواها ضعيفَها. وبالتالي ضداً على قيام كوسموبوليتيا مقودة فقط بالسلطة المعنوية لحقوق الإنسان، تصبح حروب القوة بالعسكر والمال، وحدَها هي المتحكمة بأسيادها وضحاياها معاً، فلا مبالغة إن اعتبر الفكر اليساري النزيه أن القرن الواحد والعشرين لن يكون أمريكياً أو صينياً، بل مصرفياً خالصاً، والتعبير كناية عن تضخم مؤسسة (البورصة) التي تسيطر على لعبة الأرقام الفلكية أو أشباهها، حتى بمعزل إلى حد ما عن أصحابها.. كبارهم كما صغارهم. بمعنى أن العولمة قد أطلقت الحرية كاملة لحريات الأرقام المصفّرة، وجعلت كل الآخرين من بشر ومؤسسات، من حكومات وجيوش وأحزاب و.. ثقافة وإعلام، جعلتهم عبيداً لها، متناسلين عن توصيفات معادلاتها أو مصطلحاتها، بحيث لا يتبقى لهم من إرادة أو وعي. إلا كأدوات، مرشحة للاستهلاك الذاتي مع نفاياتها.
إن مصادرة حق العمل للغالبيات العظمى من الآدميات المجهولة المتجاهَلَة من معمورة القرن الواحد والعشرين، لم تكن لتفرض شرعتها (الإمبراطورية) إلا مع مصادرة حق التعبير الحر. فالعقل الكوني، انهار إلى مستوى العقل الفردي والفئوي المأسور بأشكال استبداده المحلي، فلم يعد مسموحاً أن يفكر بتراث الحقيقة إلا كلما استنفد جيلٌ من الأضاليل طاقتَه، لكي يورّث دورَه إلى جيل آخر محروس بفن أدهى وأخطر من الأدلجات المستحدثة، أو المدوّرة عن سابقاتها؛ وفي هذه الانعطافة من الأزمة الاقتصادوية المتمادية التي يعيشها ‘عالم المال والأعمال’ بحسب مصطلحه المهذب ذاك، تنكشف المساحةُ الأوسع التي تُشغلها أُمم كاملة راسفة في عبودية البطالة المتوارثة، مصحوبة غالباً بـعطالة الفكر غير الواعي لمسؤوليته، في حين أن المصطلح التقليدي (البروليتاريا)، قد تعتبر مجتمعاتُ الرفاهية أنها تجاوزته بعد أن راحت تصف نفسها بالمجتمعات مابعد الصناعية؛ لكن المصطلح يظل صالحاً لانطباق مضمونه، وتكامله مع صيغة الأمم البروليتارية، هذه التي صار يقع عليها، وحدَها ربما، عبءُ النضال الطبقي العالمي من أجل مستقبل أفضل لكامل البشرية، عندما تنجح في تسييد معادلة الحرية مع المساواة عالياً ما فوق أوضاع التفاوت والتنابذ المتبادل ما بين القبائل المعاصرة.’الربيع العربي’ يجيء في هذه اللحظة الانقلابية الكونية من إفلاس ثقافوي/سياسوي/اقتصادوي. صار يعترف به العقل الغربي قبل سواه. فقد تمَّ انغلاق الدورة الاقتصادوية الحضارية، كاملةً مشؤومةً، إذ أنجزت آخر ذروةٍ همجية يرتكبها الوحش الصيرفي الفلكي، المدعو بالنيوليبرالية المعولمة. وقد توصف هذه المرحلة بالانتقالية لما بعد واقع إفلاس النيوليبرالية حتى من قوة التضليل الذاتي والتوهيم المعمم تحت مظاهر الترف النخبوي الفاضحة؛ لكن النقلة من ضفّة النفايات هذه لا يعرف أحدٌ، بعْدُ، إلى أين تتجه، أين هي الضفة الثانية المقابلة، ما هو عنوانها ومن هم سكانها، بشريون أم آليون، أم مزيج من العنصرين، هجينٌ، لحساب أحدهما ضداً على الآخر الذي سيؤول إلى مجرد حفريات، من أركيولوجيا الأزمنة الضائعة الخالية.
يقول مثقف غربي أن الشمس لا تزال نبزغ من الشرق، وإن الربيع العربي هو إشارتها الراهنة؛ إنها تأمر الإنسان أن يرفع رأسه مجدداً ما فوق النفايات. هذا الربيع لن يشهد ‘حرباً إرهابية’ ضد أخرى، لن يؤدلج طبقة ضد طبقة، لن ينهب أمماً من أجل شُرْذمة من عبيد الأرقام الفلكية؛ إنه يبشر الناس المذلّين المهانين في كل مكان من الأرض، المنكوبة بسلالات الغاصبين للقمة العيش، ولشجاعة القلب، وثقافة العقل، يبشر ضحايا المذلة والمهانة أنهم لا يزالون هم الأقوياء المنسيين، إذ ما يزالون أمينين على تراث الحق بالكرامة، باعتباره سابقاً لكل حق آخر وحامياً له من الاستلاب والتزييف.
هدية الربيع العربي إلى إنسانية ما بعد النيوليبرالية، أنه يعيد برمجة الحقوق انطلاقاً من مبدئية هذا الحق بالكرامة. ههنا يكمن خزين القوة البركانية للحرية، التي تقتبس منها كلُّ ثورة حقيقية بعضُ شرارتها. ههنا الينبوع الأعمق الفائض بالمشروعية على كل ثورة حقانية لا تقبل بديلاً عن الحرية مقابل ثروات العالم الفاني كله. فالديمقراطية ليست مذهباً اجتماعياً، يكون موضوعَ اختيار أو رفض، من طبقة أو فئة أو نظام. إنها التعبير الطبيعي والعفوي عن العلاقات العادية بين أفراد كل متحد إنساني. لكن افتئات البعض على حقوق البعض الآخر، من هذا المتحد أو ذاك، دفع العقل التاريخي إلى استنباط الأنظمة العامة، التي تتكفّل بإعادة العلاقات المنحرفة. من حضيض التسلط والنهب والاستغلال، إلى نصابها الأصلي المتعارف عليه، بصورة شبه غريزية أو عفوية. والربيع العربي يذكّر شعوبه والعالمَ معهم، أن الاستبداد هو العدو الأول المباشر للإنسان، سواء كان هذا الاستبداد مفروضاً بقوة السياسة أو المال أو المعرفة، أو بها جميعاً؛ حتى يبدو كأن له معادلة صعبة عصية على التغير ذاتياً، فلا بد من مقاومتها، وذلك بتعميق الفصل والعزل لأجهزتها مقابل التحشيد الأكبر، لقوى الشعب الأخرى، ضدها.’الربيع’ يطرح أُمميةَ هذه الصيغة. حيثما يستيقظ مظلومو المعمورة على الحقيقة البسيطة التي صاغها أخيراً جمهور ‘نيويورك’ تحت شعار: الشعب يريد احتلال ‘وول ستريت’! ‘ثلاثة في المئة فقط يحكمون مليارات الناس الأخرين، الذين هم سكان الأرض الأصليون. بالأمس عمّت مظاهرات وول ستريت هذه مدنَ أمريكا الرئيسية، المعروفة والمجهولة؛ كان ذلك هو الاختلاف الكبير: يوم أول أيار 2012. هذه التطورات ليست أعراضاً زائلة. إنها طلائع المقدمات الآتية، لما سوف يسمى بعصر الثورة الأولى الحقيقية على العبودية الأممية، انطلاقاً من عاصمة الاستبداد العالمي الأعظم. بعد أن برهن على إمكانيتها وحقيقتها شباب الربيع العربي.
فقد تبدو هذه الألفاظ فظة وعجيبة، كما لو أنها تخترع قاموساً غرائبياً. فهل هي العبودية فعلاً التي تلفّ شعوب الأرض قاطبة؛ وهل باتت (المدنية) ظالمة إلى الحد الذي لم يعد ثمة مخرجٌ لمأزقها المستديم سوى الانتفاض على مجمل أضاليلها المتخفية وراء بعضها، بحيث لا ينهار تضليلٌ إلا بفعل تضليل آخر، حتى الحقيقة نفسها أضحت باحثةً عن وجهها تحت مالا يتناهى من الأقنعة المدعية لحمل ملامحه عن عبث جماعي، وحتى كوني، لن يجرؤ أن يؤشر أحد عليه باسمه الأصلي. أي كأن الحقيقة عينها تكذّب نفسها، تكاد تتبرأ من شكلها ومضمونها، بعد أن غدت ألعوبة مضحكة تتقاذفها الشاشات الإفتراضية كأتفه إعلان عن مسحوق تنظيف أو تجميل.
الأسبوع الأول من أيار الربيع الراهن، أعاد نوعاً من حيوية البراءة العقلية إلى احتفال جمهوري مختلف بالعيدين العالميين للعمل والصحافة، طارحاً على وجدان المدنية المعاصرة السؤالَ الأزلي: إلى أي حد لا تزال هذه المدنية متغافلة عن هذين الحقين: حق العمل الذي يؤمّن المعيشة اللائقة لجميع البشر، وحق التعبير الذي يعيد إلى الحقيقة سلطتها المطلقة مافوق كل سلطة أخرى، طبيعية أو مصطنعة، غيبية أو مقوْننة. ولكن يجيء هذا التساؤل راهنياً، محمولاً على ذرى براكين متفجرة أو معدة للتفجير ذاتياً. ثورات الأرض العربية والإسلامية تقدم تمارينها الفاصلة في مسارحها القطرية، كما تعكس آثارها المتداخلة في عمق التكوين السياسي والثقافي لمصير شمولي آخر، تصر شعوب الأمة قاطبة على الإمساك بدفّته لوحدها هذه المرة. بينما يتدخل البعض من (سادة) هذا العالم، في خلفيات هذا المصير.
هنالك رهانات خبيثة سوداء، تتصارع فيما بينها على اقتناص مجرى الأعاصير العربية، وجعلها تهبّ مرتدّةً إلى صحاريها فحسب، حيثما تصول وتجول زوابع غبارها العتيق، كيما تُعيد طمْرَ واحاتها الجديدة. فالسادة (الأذكياء) يراهنون دائماً على غباء عبيد الأمس. بدلاً من تحطيم أغلال الظلم القائم في كل مكان، فقد يصبون أغلالاً أشد وأقسى حول أيديهم وأعناقهم؛ فمن سيحاول تفكيكها إن لم يأت (الربيع) بهذين الشرطيين: الثورة المستديمة زمنياً والثورة الممتدة مكانياً، هذا إن كان الربيع هو حقاً من الطقس الكوني، حيثما لا رادَّ لتوقيته أو لحراكه قد يمتدّ إليه من سلطة أيةِ ساعةٍ أو يد خارجة عن مداره، وحده فحسب، يكتب إشارات مواعيدها القادمة..’ مفكر عربي مقيم في باريس