مدريد’- د ب أ: في الوقت الذي تكافح فيه أسبانيا للخروج من أزمتها الاقتصادية الطاحنة تلقت ضربتين موجعتين عندما أعلنت الارجنتين ثم بوليفيا تأميم شركتين مملوكتين لمستثمرين أسبان مما يثير المخاوف من فقدان مدريد لأسواقها التقليدية في أمريكا اللاتينية التي كانت مستعمرات أسبانية في وقت من الأوقات. في الوقت نفسه فإن قرار”تأميم شركتي واي.
بي.
إف للنفط في”الأرجنتين وترانسبورتادورا للكهرباء في بوليفيا يمثل إشارة إلى تراجع مكانة أسبانيا على الصعيد الدولي حيث يتراجع نفوذها في أوروبا وكذلك في مستعمراتها السابقة في أمريكا اللاتينية. كان المستثمرون الأسبان قد اتجهوا إلى أمريكا اللاتينية في أواخر القرن العشرين” كسوق رائجة للاستثمار في الوقت الذي كانوا يوصفون فيه باسم ‘الغزاة الجدد’ واستثمر الأسبان أكثر من 140 مليار يورو (180 مليار دولار) في أمريكا اللاتينية على مدى عامين وفقا لصحيفة (إكسبانشن) الاقتصادية اليومية. والآن أصبح على مدريد ابتلاع ضربتين مهينتين على الصعيد الدولي في وقت قصير بحسب ما كتبه جوزيب راموندا في عموده الصحافي. في الوقت نفسه تحدثت فيه صحيفة (فاينانشال تايمز) البريطانية عن احتمال ظهور حالات تأميم جديدة وفقا لنظرية الدومينو. جاءت الضربة الأولى لأسبانيا”من الأرجنتين في منتصف نيسان/أبريل الماضي عندما أعلنت الرئيسة كريستينا فرنانديز بشكل مفاجئ تأميم”شركة واي.
بي.
إف التي تمتلك شركة ريبسول الأسبانية 57′ من أسهمها. وقد أحتفل النواب والنشطاء السياسيون والاشتراكيون في الأرجنتين”الاسبوع الماضي بعدما أجاز البرلمان الأرجنتيني مشروع القانون”الذي يسمح بسيطرة الدولة على 51′ من أصول شركة واي بي أف. وأجيز القانون بأغلبية 207 أصوات ضد 32 صوتا في مجلس النواب وأدى إلى احتفالات صاخبة داخل وخارج المبنى. وتقول تقارير إعلامية أرجنتينية إن بوينس أيرس لن تدفع شيئا مقابل تأميم واي.
بي.
إف أو على الأقل لن تدفع الثمن الذي يتوقعه الأسبان وهو ما يثير قلقا واسعا في أسبانيا. ودعا البرلمان الأوروبي إلى إعادة تطبيق الرسوم على صادرات الأرجنتين وحذر من أن قضية الشركتين الأرجنتينية والأسبانية قد تنسف المفاوضات حول اتفاقية التجارة والشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومجموعة دول ميركسور وهي تجمع تجاري لدول أمريكا الجنوبية. وقبل قليل من إقرار البرلمان الأرجنتين لقانون تأميم الشركة قال وزير خارجية أسبانيا”خوسيه مانويل جارسيا”مارجالو ‘يجب أن تدفع ثمن الأشياء المملوكة للآخرين’ إذا أردت الحصول عليها. وفي أول أيار/مايو الحالي سارت بوليفيا على خطى الارجنتين وقررت الأولى تأميم شركة”الكهرباء”ترانسبورتادورا (تي.
دي.
إي) . وقال الرئيس البوليفي إيفو موراليس في خطاب بمناسبة يوم العمال العالمي”إن الحكومة سوف تستحوذ على شركة ‘ تي.
دي.
إي’ للكهرباء التي كان قد تمت خصخصتها في 1997. ومنذ عام 2002 تمتلك شركة ‘ريد إلكتريكا دي إسبانيا’ (آر.
إي.
إي) الأسبانية أغلبية أسهمها. وتوفر ‘تي.
دي.
إي’ حوالي 74′ من استهلاك الكهرباء في بوليفيا. واتهم الرئيس البوليفي الشركة الأسبانية بعدم ضخ الاستثمارات الكافية في بوليفيا. وقد سيطر الجنود على مكاتب ومقار شركة ترانسبورتادورا. من ناحيتها قللت حكومة رئيس الوزراء الأسباني ماريانو راخوي من أهمية الخطوة البوليفية. ووفقا لصحيفة (البايس) الأسبانية فإن شركة ‘تي.
دي.
إي’ تقدر بحوالي 6 ملايين يورو فقط ولذلك فهي ليست في أهمية شركة النفط ‘واي.
بي.
إف’ التي تقدر قيمتها بحوالي 8 مليارات يورو. وأشار وزير الخارجية الأسباني إلى أن بوليفيا سارعت بتأكيد التزامها بتعويض شركة ‘آر.
إي.
إي’ الأسبانية عن تأميم شركة الكهرباء. ويقول محللون أسبان إن الخطب الوطنية الحماسية التي يستخدمها المسئولون في الأرجنتين وبوليفيا هي محاولة لإبعاد الاهتمام عن المشكلات الداخلية في البلدين. ولكن بالنسبة لأسبانيا فإن المشكلات مع الأرجنتين وبوليفيا تأتي في أسوأ توقيت. ففي الوقت الذي تشير التوقعات فيه إلى انكماش الاقتصاد الأسباني خلال العام الحالي بنسبة 1.7′ من إجمالي الناتج المحلي وارتفاع معدل البطالة إلى 24′ فإن البلاد في أمس الحاجة إلى أسواقها الخارجية. فالشركات والبنوك الأسبانية الكبرى مثل تيليفونيكا للاتصالات”وبنكي ساتناندر وبي.
بي.
في.
أيه وشركتي الطاقة أيبردرولا وإنديسا تعتمد بدرجة كبيرة على إيراداتها وأرباحها من أمريكا اللاتينية. والمعروف أن أسبانيا هي ثاني أكبر مستثمر في هذه المنطقة بعد الولايات المتحدة. وقد قلل لويس ألمارغو ليميس’وزير خارجية أورغواي من أهمية الأقوال التي تتحدث عن أن تأميم الشركات في الارجنتين وبوليفيا يمكن أن يثير قلق المستثمرين الأجانب. وقال في مقابلة مع صحيفة (البايس) الأسبانية”إن أمريكا اللاتينية مكان ممتاز بالنسبة للاستثمار وأن الشركات الأسبانية تواصل تحقيق نتائج جيدة هناك. ولكن المحللين الأسبان يرون أن تأميم هذه الشركات إشارة إلى تراجع نفوذ أسبانيا في هذه الدول. في الوقت نفسه فإن الأزمة الاقتصادية لأسبانيا شوهت صورتها في أوروبا حيث اعتبر الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي المشكلات المالية الأسبانية مثيرة لقلق فرنسا. في ظل هذه الظروف فإن أسبانيا بات عليها مواجهة حزمة من المشكلات في الداخل والخارج لكي تستعيد مكانتها الاقتصادية والسياسية سواء في أوروبا أو في أمريكا اللاتينية.