■ إن كانت التراجيديا وهي شكل من أشكال العمل الفنّي تتعلّق باستعراض أحداث من الحزن والمعاناة، ونتيجة مؤسفة من الألم، فإن الواقع السوري بجوانبه الإنسانية والأخلاقية قد غدا مسرحاً تراجيدياً بامتياز، تقف على خشبته شخوص من القتلة والسماسرة والمأجورين، يؤدون أدوارهم بلا نصوص محدّدة ولا إخراج واضح، فالمطلوب فقط هو القتل والتدمير لديمومة القائد الأوحد، وإذا كانت الكوميديا نوعا من أنواع التمثيل تهدف لإحداث التسلية والسعادة والانبهار، فإن تناول ومعالجة المجتمع الدولي للملف السوري لا يوصف بأكثر من ذلك، ففي كل يومٍ تتجدّد المأساة وتتكرر المُصيبة، وفي كل بقعة من أرض سوريا تتراقص أشباح الموت وعفاريت الدم، وفي كل شارع منكوب نجد إمكانية إزالة الدمار قد أصبحت خيالاً فكيف باحتمالية إعادة البناء يوماً أن تتحقق، بينما العالم كله يتحاور ويتجادل ويندّد ويستنكر، كأنه يعيش واقعاً افتراضيا وهزلياً، أو نوماً عميقاً ليست له نهاية أو نتيجة.
تقف الأزمة السورية الآن على مشارف مرحلة جديدة وغريبة، غرابتها لا تكمن بحدوثها، لكنها تتجسّد في معانيها وظلالها، فالقيادة السورية تحقق فوزا كاسحا في الانتخابات الرئاسية للفوز بفترة رئاسية ثالثة من سبعة أعوام على الأقل، انتخابات وصفها أزلام النظام بأنها شفافة ونزيهة, وأنها قد عززت مصداقية الأسد كونها قد كللته بالأغلبية المطلقة, وانتخابات وصفها المجتمع الدولي بأنها تترنح بوصفها بين مصطلح العار وكنية المهزلة، انتخابات ستقتل الجهود المفترضة لإيجاد تسوية لهذا الصراع المروع، لقد جرت هذه الانتخابات بينما قوات النظام وشبيحته ومرتزقته من الداخل والخارج تجرّح وتشرّح الجسد السوري دون أن تتوقف، وجرى هذا العرس الديمقراطي بينما عشرات الآلاف من المتطرفين والقتلة الذين سمّموا ولطخوا ثورة السوريين وحقهم الطبيعي بحرّيتهم وقرارهم، بينما هؤلاء يحاربون النظام ويحاربون المجتمع ويحاربون الأديان، أو أنهم باختصار يحاربون الآخر، وأغلقت صناديق الاقتراع لتعلن أن الفائز الأوفر حظاً هو القائد الهُمام والبطل المُلهم، وظهرت النتائج المحسومة لتلعن الواقع المرير والمستقبل الأسود في بلاد كان أملها معلقا بقسط من الراحة ورشفة من الحرية بعد قتل أكثر من مائة وستين ألفا من السوريين وتشريد الملايين في داخل وخارج التراب السوري المحروق ولتتميز هذه الانتخابات بظهور مجموعة من الدمى السياسية المغلوب على أمرها معلنة ترشحها ومنافستها الديمقراطية خصماً أمام الرئيس السوري، ومن ثم قبولها بالنتيجة وتهنئتها لمن أفرزته صناديق الاقتراع.
لقد جرت هذه الانتخابات والنظام السوري يحاول صناعة شرعية زائفة وأحقيّة مموّهة، والعالم لا يملك إلا أن يراقب وينتقد خطى النظام السوري الذي أصبح يسبق معارضيه دائما ولو بخطوة واحدة. قد يفهم انخراط جموع من السوريين في هذه الانتخابات الكرتونية كونهم محاصرين بين عصى النظام الغليظة وبين سكاكين وخناجر المتشددين الحادة وكون بعضهم يريد اتقاء كابوس الذبح بفكرة الظلم وتفادي تقسيم سوريا بلجم وحدتها برباط القهر والتعسف لكن هذا لن يحسّن الواقع أو يغير الحقيقة.
من المتوقع أن تطول الأزمة السورية، وأن تزداد شراسة إفرازاتها وسخونة وسائلها، وكان من المتوقع أن يتصدّر ويفوز الرئيس الذي أمسك وعائلته بمقاليد سوريا منذ ما يقارب الخمسة والأربعين عاماً، ومن المتوقع أن يبقى العالم صامتاُ ولكنه ليس أعمى عمّا يجري، لكن كل ذلك لن يغير حقيقة أن سوريا تستحق الخير والهدوء والسلام، وان أغلبية الأحياء وعموم الأموات لم يملكوا قرارهم في بقائهم أو رحيلهم!!.
زيد عيسى العتوم