ابراهيم درويش
كنت اؤمل نفسي ليلة السبت بمشاهدة كيف سيتحدث شكسبير باللهجة الفلسطينية (حسب البرنامج بالعربية الفلسطينية!). ليس لأني من دعاة استخدام اللهجات المحلية ولكن لانها على الاقل ستذكر من يعيشون هنا واختفت لهجتهم بفعل العيش الطويل في الخارج، المناسبة هي مهرجان شكسبير العالمي الذي دعا فرقا من كل انحاء العالم لتقديم مسرحيات للكاتب الانكليزي وبلغات بلادهم الوطنية، وبالنسبة للعرب فقد حظوا بثلاث فرق، فلسطينية وعراقية وتونسية، وقد بدأت الفلسطينية موسم العرب في المهرجان حيث قدمت فرقة عشتار مسرحية ‘مأساة الملك ريتشارد الثاني’ على مسرح شكسبير، غلوب، اكتشفنا لاحقا ولحسن حظ الجمهور او لسوء حظه ان اللغة العربية المعاصرة ـ الفصحى هي الوسيط الذي استخدم لنقل عالم شكسبير في القرن الرابع عشر حيث حكم ريتشارد الثاني منذ عام 1377 بعد وفاة والده ادوارد الثالث الذي حكم خمسين عاما، كما اكتشفنا ان المسرح خال من الديكور وان الممثلين يرتدون ملابس حديثة، بدلات، وبدلات عسكرية وكرافتات، وعباءات عربية (ربما لضيق الوقت او اسباب تقنية خاصة ان برنامج المسرحية كانت عربيته مخربشة)، ولم تكن هنا حاجة لاضاءة الا الاضاءة التي كانت تشع من الشاشات المخصصة لترجمة النص العربي لاصله الانكليزي، كان الجو باردا جدا، والحقيقة انني كنت افكر بالممثلين الذين كانوا يرتدون البسة خفيفة، وربما نسوا البرد وهم يؤدون ادوارهم. ولعل صوت العود اعطى دفئا على المسرح وخلق جوا شرقيا له مذاق خاص. وقد قدم الفريق الفلسطيني عرضا مثيرا وجديرا بالاحتفاء، واتسم النص الذي اعده الشاعر غسان زقطان الذي حرره من ترجمة المصري محمد عناني بالشعرية والنقاء اللغوي على الرغم بعض الهنات لكن هذا لا ينتقص من قيمة النص ولا الاداء الذي استحق تصفيق الحضور. بعد ان قدم الملك والدوقات والملكة والحرس والفاسدون الذين كانوا يحيطون بالملك قصتهم، خاصة الملك الذي احاط نفسه بزمرة من الفاسدين الذي كانوا يزينون له لدرجة تحول فيها الى ظالم انهك شعبه بالضرائب وصادر املاك عمه دوق لانكستر، الدوق العجوز الذي يحاول طوال المسرحية نصح الملك ريتشارد، الملك النزق المترف الذي اصبح اسير شهواته ونزاوته، والقاتل في الان نفسه فإن لم يكن قد قتل عمه دوق غلوسترـ حيث تبدأ احداث المسرحية بعد مقتله فإنه ربما اوعز بقتله، حيث هناك اشارات في المسرحية تشير الى هذا، وبتخلصه من دوق غلوستر فقد الملك ناصحه الامين، وتحول لمستبد لا يسمع لاحد. والحقيقة ان اعمام الملك، دوق لانكستر ودوق يورك، الهادىء والمتردد والذي يعطيه شكسبير دورا في المسرحية على الرغم من انه كان ‘نكرة’ في التاريخ ظلوا ينصحون الولد النزق الذي لم يكن يستمع لاحد سوى اقران السوء. ما يهم في مسرحية مأساة الملك ريتشارد الثاني انها تصور الصراعات داخل العائلة المالكة وملكا فقد موقعه الاخلاقي حيث تلوثت يداه بالدم. فالمسرحية تركز على الصراع بين هنري بولينبرك وموبراي (دوق نوفورلك) وهو النزاع الذي ادى الى سقوط الملك، وفي الحقيقة فالمسرحية تركز على العامين الاخيرين من حياة الملك والتي ادت الى خلعه عن العرش، وسجنه ثم مقتله على يد الملك هنري الذي ربما اوعز بطريقة غير مباشرة بقتله وهو ما يتبناه الملك عندما قام احد رجاله بقتل الملك. ويبدو ان شكسبير تجاوز الاعوام الاولى لحكم ريتشارد الذي استطاع وهو في سن الخامسة عشرة التصدي لثورة الفلاحين (1381) وادخال عدد من الاصلاحات. كما شهد عهده صعود العامل الديني في الحياة السياسية وبتأثير من جون ويكليف مترجم الكتاب المقدس والذي توفي عام 1384. ويبدو الملك ريتشارد في المسرحية رجلا يحب الحركات المسرحية خاصة عندما احضر غريميه هنري وموبراي للمحاكمة وطلبا المبارزة لاثبات براءتهما من دم دوق غلوستر وكان بامكان الملك ان يتخلص منهما في تلك المحاكمة لكنه ولانه يحب الحركات المسرحية وهو ما تركز عليه المسرحية قرر تأجيل المبارزة لتسعة اشهر. ويتفق النقاد ان الملك ريتشارد كان يحب الحركات المسرحية ويحب ارتداء الاقنعة، وهي نزعة توحي بحب التمثيل، وفي المسرحية يركز شكسبير على قناعين، قناع الملك الذي يمثله التاج الاجوف وقناع الانسان في حالات ضعفه. فالملك وطوال المسرحية يركز على حقه الديني، وانه ممثل لله على الارض ومن هنا يدعي القداسة، وهذه الفكرة التي حاول الاسقف كالاريل التركيز عليها لان خلع الملك في نهاية المسرحية ليس حقا لمجموعة من الناس تقرره، كما ان الاطار الاخر في المسرحية هي ان الملك خلع او اسقطته خطاياه عن عرشه الاجوف. على العموم فإن الاطار التاريخي وان كان مهما في معرفة جو المسرحية وطبيعة الصراع فإن من لا يعرف تاريخ انكلترا في الايام الاخيرة من عهد ريتشارد او طبيعة الصراع داخل العائلة المالكة، يرى في الاداء المعصرن للعمل فرصة لفهم ان الشباب والفراغ والدعة مفسدة للمرء واية مفسدة فالمشاهد يخرج من الاداء بفهم ان الشر يؤدي الى النزول والقاتل يبحث عن تطهر، وهذا التطهر كان بالنسبة للملك هنري الذهاب للارض المقدسة. في هذا السياق لا يمكننا القول ان فردا واحدا خطف العرض، لكن اداء سامي متواسي لدور الملك ريتشارد كان مميزا وكذا اداء جورج ابراهيم لدور دوق غلوستر ودوق يورك، ودور نورثمبلاند الذي لعبه ادوارد معلم، وحسين نخلة في دور جونت وكالاريل، وبقية الفرقة، بيان شبيب وعامر خليل ونيقولا رزينة وايهاب زاهدة ورائد العيسة وايمان عون واياد حوراني ومحمد عيد وفراس فراج.. والبقية.