المغرب يتحول لبلد إقامة للمهاجرين الأفارقة عوض أن يكون جسر عبور نحو أوروباالرباط ـ ‘القدس العربي’ من الطاهر الطويل: تحولت أرصفة بعض الأحياء الشعبية في العاصمة المغربية الرباط إلى مكان تجمع للعديد من الشباب الأفارقة المهاجرين الذين ينتظرون من يعرض عليهم القيام بعمل ظرفي مقابل أجر تختلف قيمته حسب نوعية الشغل.
ويرى مراقبون أن مجموعة من الأفارقة القادمين من جنوب الصحراء حوّلوا المغرب إلى بلد إقامة، بعدما كانوا يطمحون إلى جعله مجرد جسر عبور نحو أوروبا عبر الهجرة السرية التي تفشل في أحيان كثيرة، فتعلّموا اللهجة العامّية المغربية، وتعايشوا مع أبناء البلد، وأخذوا يبحثون عن قوت يومهم، ولو في حدود دنيا من خلال ممارسة مهن في الأحياء الشعبية، بل وحتى في شوارع بعض المدن الكبرى، حيث يعرضون سلعاً مختلفة: حلي، ساعات يدوية، عطور، ملابس وغيرها.
ويبدو أن السلطات المغربية لم تحسم بعد نهائياً في كيفية التعامل مع موضوع الهجرة غير الشرعية التي يقوم بها عدد من مواطني البلدان الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى إلى المغرب، فما بين ‘غض الطرف’ حيناً والصرامة الأمنية حيناً آخر، يبقى الموضوع إشكالا محرجا يقضّ مضجع الحكومات المتعاقبة، خاصة حينما ينتصب أمامها هاجسان أولهما حقوقي والثاني سياسي. وبحسب بعض المصادر الصحافية، فقد انطلقت من جديد حملة أمنية تستهدف المواطنين الأفارقة المقيمين بطريقة غير شرعية في العديد من المدن المغربية، حيث يتم توقيفهم وترحيلهم نحو بلدانهم، بتنسيق مع سفاراتهم وقنصلياتهم في المغرب. وتجد المقاربة الأمنية مبررها في كون العديد من المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين، الذين يقدر عددهم بأزيد من 30 ألف فرد، يمارسون أنشطة محظورة يعاقب عليها القانون: السرقة، النصب، ترويج المخدرات، تزوير العملات، التسول، الدعارة… الخ؛ كما أن مجموعة منهم حولوا غابة توجد بشمال البلد تحمل اسم ‘بليونش’ أو ‘غوروغو’ إلى معسكر خاص بهم ويحتمون فيه من مداهمات رجال الأمن. غير أن تلك المقاربة الأمنية ليست سوى غطاء لبُعد أكبر، تلعب فيه الحسابات السياسية دورا حاسماً، خاصة حينما يتعلق الأمر بمصالح معينة مع الجيران في الضفة الشمالية، وبالخصوص مع الإسبان. ويشبه بعض الساسة الدور الذي يقوم به المغرب في هذه الحالة بدور الشرطي لفائدة إسبانيا؛ بما أن وجود أولئك المهاجرين الأفارقة في المغرب مجرد محطة لمحاولة التسلل نحو ‘النعيم’ الأوروبي، كما ترسمه المخيّلة الطافحة بالأحلام الوردية. وبذلك، يتخذ التعاون المغربي ـ الإسباني خصوصا، والأوروبي عموما ـ في جانب منه ـ شكل ضغط غير مباشر على المغرب في موضوع محاربة الهجرة غير الشرعية والمخدرات، حيث يُطلَب من الرباط أن تكون سدا منيعا لفائدة أوروبا أمام ذلك ‘الشر المستطير’. ويقول مراقبون محليون انه كثيرا ما ينسى البعض معطيين اثنين، يتمثل أولهما في أن العديد من المواطنين المغاربة عانوا الأمرّين عند هجراتهم غير الشرعية نحو أوروبا، بل إن الكثيرين منهم عانوا حتى من الهجرة الشرعية ومن عقود العمل المجحفة في حقول إسبانيا مثلا وفي معامل وشركات أوروبية مختلفة. أما المعطى الثاني فهو أن المغاربة أنفسهم أفارقة أيضاً؛ ‘فلا يُعقل والحالة هذه، أن نتحدث عن المواطنين الأفارقة المقيمين بين ظهرانينا كما لو أنهم قادمون من قارة أخرى، بل وربما من كوكب آخر.’ كما يعلق أحد المواطنين.
العمق الإفريقي للمغرب يستحضره بعض الساسة المغاربة من موقع ‘براغماتي’ في الغالب؛ ولذلك نجدهم لا يغيّبون قضية الصحراء المغربية في تعاملهم مع موضوع الهجرة غير الشرعية، خاصة وأن أطرافا أخرى تستعمل الورقة ذاتها للضغط على المغرب. وبهذا الصدد، يرى محلل سياسي ـ تحفظ عن ذكر اسمه ـ أنه متى تعامل ذوو الحل والعقد بالحكمة والتروي وبُعد الرؤية مع الموضوع المذكور شديد الحساسية، فإنهم يفوّتون على ‘خصوم’ الوحدة الترابية فرصة ‘التشويش’ على قضية المغاربة في المنتظم الدولي. ويلاحظ المحلل نفسه أن وجود مواطنين من بلدان إفريقية جنوب الصحراء في المغرب، يعدّ مسألة كرامة إنسانية وقضية حق الإنسان في العيش والعمل والاستقرار، ولاسيما حين يفرّ المواطن مُكرَهاً من أوضاع الفقر والبطالة والمجاعة والحرب والقمع والاستبداد. ويختتم تصريحه لـ’القدس العربي’ بالقول: ‘ربما سنجد أنفسنا في السنين المقبلة أمام جيل ثان من المهاجرين الأفارقة، يطالبون بحقوق معينة في المغرب، بعدما أصبحنا نرى مواليد جُدداً من نتاج علاقات جنسية يصعب الإقرار بشرعيتها غالباً.’