حظوظ المالكي في ولاية ثالثة

حجم الخط
3

■ أسفرت نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في العراق يوم الثلاثين من نيسان/ابريل الماضي عن خسارة كبيرة لرئيس مجلس الوزراء نوري المالكي، الذي يتزعم كتلة ائتلاف دولة القانون، لعدم حصوله على أغلبية مقاعد البرلمان البالغة 328 مقعدا، ورغم ان ائتلافه حاز حوالي 92 مقعدا «لم تتم المصادقة على النتائج لحد الآن) ليتصدر بذلك قائمة الكتل الفائزة، إلا أنها كانت بعيــــدة لما خطط له وتمناه من اكتساح المقاعد بأغلبية مريحة تؤهله لولاية ثالــــثة، رغم أنف المعارضين. وخططه وتمنـــياته كانت على أساس انه زعيم حزب الدعوة، وهـــو حزب السلطة الحاكمة وبيده مقاليد الأمور كلها ويهيـــمن بامتياز على وزارتي الدفاع والداخلية والاستخبارات والمخابرات، والبنك المركزي وثلاثة أرباع الإعلام بكافة صنوفه، وعشرات المجاميع الميليشياوية، وفوق ذلك كله سيطرته الكبيرة على مجلس القضاء الأعلى نزولا الى أصغر محكمة. كانت توقعات الناخبين والكتل المشاركة والكثير من المرشحين، بل حتى المتابعين والمحللين ان لا يحصل المالكي وائتلافه على هذا العدد من المقاعد، بسبب السجل الاسود لولايتين دامتا ثماني سنوات عجاف، اتسمت بالفساد ونهب المال العام  وسوء الاحوال الامنية وانعدام الخدمات الاساسية وارتفاع معدلات البطالة والأمية ومئات الالاف من الضحايا، جراء الارهاب والقتل المنظم من قبل المجاميع الطائفية التي ترعاها سلطة المالكي، كما يتهــمه الكثير من ذوي الضحايا، ومئات الالاف من المعتقلين والمعتقلات والمغيبين والمغدورين.
وآخرها الحرب التي فجرها ضد عشائر الأنبار وقصفه العشوائي لمدنهم وقراهم، خاصة الفلوجة والرمادي، وتشريد مئات الآلاف من العوائل بحجة محاربة الإرهاب التي تقوم به داعش. كل ذلك حدث في ظل استقطاب طائفي مقيت وخطير، لعب فيه المالكي دورا محوريا علنيا فاضحا تتوج باطلاق تسمية «فسطاط الحسين» على نفسه وجيشه وميليشياته، ومعارضيه ومعارضي الاحتلال والعملية السياسية برمتها، «فسطاط يزيد».
إلا ان هذه التوقعات كانت تمنيات لكنها تحوي بطياتها مخاوف كبيرة من حدوث التزوير وشراء الذمم والإقصاء والتهميش وسطوة المال العام والقوة المسلحة لردع قطاعات واسعة من الشعب ومدن وقرى ومحافظات بكاملها وحرمانهم من التصويت، حتى وصل الامر الى إغراق القرى ومحاصرة
أخرى بحجة الدواعي الأمنية. وهذا ما حدث فعلا، لكنه لم يستطع التجاوز على حصة حلفائه في التحالف الوطني (الشيعي)  من جمهور الناخبين. فقد حصلت كتلة المواطن بزعامة رجل الدين عمار الحكيم على حوالي29 مقعدا، وكتلة الأحرار بزعامة رجل الدين مقتدى الصدر على حوالي 28 مقعدا، لكن تحالف الإصلاح الوطني بزعامة إبراهيم الجعفري، وهو قيادي سابق في حزب الدعوة ورئيس وزراء سابق، وائتلاف الفضيلة، والنخب المستقلة بزعامة عمار طعمة، لم يحصلا إلا على ستة مقاعد لكل منهما. أما الكتل الأخرى المنافسة، فهي كتل الأكراد التي تشمل التغيير وكتلتي طالباني وبارزاني وكتلة رئيس البرلمان أسامة النجيفي وكتلة الوطنية بزعامة رئيس الوزراء الأسبق اياد علاوي، وكتلة العربية بزعامة نائب رئيس الوزراء صالح المطلك، وكتل اخرى اقل حجما.
بعد ان حسمت العملية السياسية التي يرعاها الغازي والمحتل  الأمريكي الذي سلم أمور المحافظة عليها وديمومتها الى غريمه الودود النظام الإيراني، بان يكون منصب رئيس الوزراء  للمكون الشيعي العربي، ومنصب رئيس البرلمان للمكون السني العربي، ومنصب رئيس الجمهورية من حصة الأكراد، فان سيناريو تشكيل الحكومة المقبلة ورئاستها مكتوب أصلا بخطوطه العامة، وهو ان التحالف الوطني (الشيعي) هو من يسمي رئيس الوزراء، كل ذلك مخالف للدستور الأعرج المشبوه، الذي فرض قسرا على الشعب العراقي، وما هذه الترتيبات والانتخابات المشبوهة إلا بحكم الممارسة التعسفية «الديمقراطية» ومباركة ممثل الامم المتحدة الأمريكي الولاء. المالكي يريد حكومة أغلبية سياسية يكون هو وائتلافه «دولة القانون» المهيمن والآمر الناهي في السنوات الأربع القادمة وبرئاسته طبعا، تلتف حوله الكتل والأفراد الفائزون ذوو المصالح الشخصية البحتة، ليشكل بهم الأغلبية  السياسية المطلوبة، والباقون يصبحون معارضة في البرلمان. وهو في هذا، مدعوم من قبل ايران ولكن بشرط ان يحظى بإجماع التحالف الوطني (الشيعي) الذي ترعاه طهران وتعمل على الحفاظ عليه متماسكا، لكن المرجعية الشيعية في النجف وكربلاء تريد حكومة شراكة وطنية لا تقصي الآخرين ووزراء ذوي نزاهة وكفاءة، وهو ما تريده واشنطن.
إذن للمالكي خياران لا ثالث لهما من اجل الولاية الثالثة وبأي ثمن. الخيار الأول؛ هو ان يسعى لكسب تأييد عمار الحكيم ومقتدى الصدر داخل التحالف الوطني، وهما من معارضي الولاية الثالثة، ولا بأس ان خرج مرشح غير المالكي من ائتلاف دولة القانون كأن يكون حسين الشهرستاني نائب رئيس الوزراء وزعيم تجمع مستقلون، الذي حصل على 33 مقعدا ضمن ائتلاف دولة القانون، بينما حزب الدعوة الذي يرأسه المالكي نفسه حصل فقط على 13 مقعدا، وبالتالي فان حظوظه كبيرة لو ان البوصلة ابتعدت عن نوري المالكي، رغم وجود منافس له هو وزير النقل هادي العامري رئيس منظمة بدر، التي حصلت على 22 مقعدا ضمن ائتلاف المالكي أيضاً. وهذا السيناريو سوف يرفضه المالكي وسوف يصر على ترشيح نفسه، ولكي ينجح عليه ان يقدم تنازلات كبيرة تقلل من صلاحياته كرئيس وزراء لولاية ثالثة، وتزيد من صلاحيات التحالف الوطني كمرجعية سياسية تشاركه بقوة في إدارة السلطة، مع ضغط ايراني كثيف على أطراف التحالف لتقبل بذلك، علما بان الشهرستاني والعامري لن يتجرأ أي منهما على الترشح، لان المالكي لديه ملفات فساد وجرائم يندى لها الجبين ضدهما.
الخيار الثاني؛ هو ان يطلق التحالف الوطني ويسعى لتشكيل أغلبية بسيطة من خارجه ومع الكتل والكيانات الأخرى وفائزون مستقلون هنا وهناك واهم الكتل المرشحة لدعم المالكي هي كتلة العربية بزعامة صالح المطلك نائب رئيس الوزراء وكتلة «اتحاد القوى الوطنية» بزعامة سليم الجبوري رئيس كتلة «ديالى هويتنا» الذي شكل هذا الاتحاد من المنفرطين من الكتل
الأخرى، وهي ثماني كتل ولهم حوالي 31 مقعدا. وهؤلاء شلة من الحزب الإسلامي العراقي والصحوات ووزراء وتجار لا يهمهم غير جيوبهم. عندئذ سينبطح المالكي للأمريكان والإيرانيين لينفذ المشروع المخطط له وهومشروع بايدن لتقسيم العراق. والمالكي حقاً، كما يعتقد الكثير من المهتمين بالشأن العراقي، هو افضل الجميع لتنفيذ هذا المشروع. 
ففي حالة عودة المالكي لولاية ثالثة رغما عن أنف الداعين الى التغيير فسوف يستمر الوضع الأمني بالتدهور وسوف تلتحق مدن أخرى بالانتفاضة الجارية في اﻻنبار وأخواتها، وستعم الفوضى عموم العراق، خاصة في الوسط (الشيعي) وما على اللاعبين الكبار واشنطن وطهران وكذلك المرجعية الشيعية إلا تغيير قواعد اللعبة الديمقراطية، وتعديل بسيط للدستور وإلغاء بعض القرارات المجحفة لكسب الوقت وتهدئة النفوس وإحلال السلم الأهلي، نوعا ما، لحين حسم الأمور في ملفات أخرى في الدول المجاورة، أو إضافة الزيت على النار من اجل تأجيج حرب أهلية مفتعلة لغرض الذهاب الى التقسيم، لا سمح الله، هناك الكثير من الشعب العراقي الأبي يراهنون على صحوة عربية قوية في المراجع الدينية في النجف لكسب الحرب ضد مرجعية قم وولاية الفقــــيه في ايران التي تريد جر العراق وشعبه الى شباك الهيمنة الفارسية الاستعمارية، وجعل الشيعة وقــــودا لها بعد إذلالهم كما هو الحال مع شيعة الأحواز العربية، وهذه الصحوة سوف تحرر عشائر العراق في الجنوب والفرات الأوسط من الفكر الطائفي الصفوي، لتعلن رفضها وثورتها ضد الظلم الذي لحق بها وبمدنها وعموم العراق وشعبه، وتلتحق بأبناء عمومتها في اﻻنبار والموصل وديالى وصلاح الدين وكركوك وبغداد، وهذا ما يعزز ويدعم نضال قوى المقاومة الوطنية بكافة فصائلها ليكون للشعب العراقي دور حقيقي وفعال في تقرير مصيره والحفاظ على وحدته وكامل تراب وطنه.

٭ أكاديمي وناشط سياسي عراقي

صباح الخزاعي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية