حسين سليمان
شاعرتان كرديتان تكتبان مجموعة شعرية من زاخو ومن القامشلي بالعربية باكورة أعمال. مقيمتان في امريكا وكندا وتعاملهما مع العربية تعاملا مدرسيا- لكن لهجة سورية القامشلي ولهجة عراق زاخو على اللسان مضبوطتان سادة من دون لحن.
عنوان الكتاب هو سوزان جميل وايفين ابراهيم. توزيع دار العارف اصدار مؤسسة المثقف العربي في لبنان. اه حين تقلب صفحات الكتاب من أجل القراءة لا تأتي القراءة بل يأتي شيء آخر بديل. وهو ما لم نتعلمه.. وقد يكون هوائيا لا يُحس إلا في ظلمات الليالي عند الحلم طاقة كامنة تميل عن خط غير مدبر له ويذهب غير معرّف يسلك من دون دراية طرقا متربة متصحرة تحمل المرأة في العادة فيها سلة ماء من أجل أن تذهب الصحراء الى الجحيم ويطفو بدلا عنها القلب المكسور والذي جرحه الزمن وأدماه. ومن هنا فإن قراءة مثل هذه الأعمال هي قراءة مفتوحة للنقاش والجدال والنظر كيف يتمظهر المشهد المخفي وكيف يتم التعامل مع صورته وكلمته.
بالمقلوب أي أن لا تقرأ بل تشعر. وهذه بالحق حداثة، ربما تكون في أدنى درجاتها استهلاكا وابتذالا وقناعا يخفي وراءه قلة موهبة وعصابا انثويا نجده يتكاثر بقوة في الساحة الأدبية مدفوعا بتحريض مبتذل يفعله الرجال المتأدبون من أجل الأنثى وليس الأدب. وهنا احتمالات مفتوحة للكاتبة العربية كي تظهر وتكتب في جو ذكوري يشجع الغريبة ويقتل القريبة. حين القراءة ـ أيها المهدور في دمي / لك ندم الموج وجمرة النجاة. ‘افين ابراهيم’ بالمناسبة، لي كلمة هنا عن سليم بركات، في أجواء طاحنة لا يكتب إلا معنى الكلمة ويبحث عن العمق الباطني للحرف وموسيقى الماضي المدفونة في كتب أدب لم يعد لها رواج بين شباب اليوم. هو أيضا مادة مماثلة لكنها مادة تغترف من عالم الماضي وتحاول تجديد الدماء في بنائه والذي لم يعد يشغل حيزا في نبض الأدب المعاصر. ولقراءة سليم بركات يجب قراءة الأدب العربي القديم ثم التعلم على تجاوزه في زمن مضى ولا يتجه ذلك الزمن نحو مستقبلنا الحاضر بل ينحرف إلى مستقبل وهمي غير موجود. وهذا شبه مصيبة- فهو على حد علمي يضرب برمل لم يعد رملا بل حجر.
علي التسليم أن النقد هو موهبة وحساسية رؤيا توضح كيف تتكون ذائقة الجيل المقبل. وهو الرأي الذي يدفعني إلى القول ان العرب هم شعراء قبل أن يكونوا حكائين، فالشعر هو غربة قلب لا صبر له متأجج لا يؤمن بأن الغد قادم وبالتالي فإن النهاية ليست في المستقبل بل هي في الحاضر والذي سيهفو عما قليل نحو المسقبل والذي هو في المخيلة الفنية عود ابدي وطقس حنين إلى الماضي. وهذا هو الفرق بين سليم بركات وإن كنا نقارن فسوف نورد فروخ فرخزاد التي تعلمت كيف تنسى ماضي سليم بركات وتنسج كون المستقبل وكواكب حبه وإيراد فروخ كصوت يتمازج مع صوت الكرد باعتبار أن عملها أقرب الى الكرد من عمل أي شاعر عربي آخر، والفكرة التي أريدها هنا هي أن أبناء المنطقة تلك الجبلية الوسطى، كونت مخيلة واحدة متقاربة، وهذا ما يسمح لي أن أقارن فروخ بسليم مع الأخذ بالاعتبار الاختلاف الكبير بين الاسلوبين الشعريين لكن هذا لا يهمني كثيرا بمقدار ما يهمني التركيب العام للمخيلة وسمت الرؤية ومخاض تكوينها.
ايفين ابراهيم وسوزان جميل تكتبان من دون زمن؛ الزمن الشعري المتعارف عليه هو زمن تيار الوعي (اللاشعور القريب) وبما أنهما تغرفان من عمق غير معرف في عالم الأدب بعد – إلا بتعريف سريالي الأدب الأتوماتيكي فالزمن لديهما زمن شربه المكان، مطمور في المكان – شعاع وحيد يحمل تضاعفات الأبعاد: مشاعر ووجدان وأزمنة. هل فعل المضارع سيكون حاضرا / مستقبلا أم فعل حركة أبدي لا يعين ماضيا أو مستقبلا؟! ونرى هذه الطريقة عند شاعرات عربيات أخريات إلا أن اللهجة الفنية عند الأثنتين المقروءات هنا أكثر عمقا وتبلبلا وغرابة.
البلبلة والعمق والغرابة، الخلو من القص والانسيابية القص على طريقة محمود درويش / سعدي يوسف ومعظم الشعراء المكرسين في الحاضر العربي هما أجواء القصيدة حيث القراءة المعتادة تفشل في تكوين الصورة التي تكونت في مخيلة الشاعرتين، وهو في الحديث النقدي نقص وعسر وعدم قدرة على ضبط أداوت اللغة لأن هذه الأدوات هي ما تساعد على الإيصال مع أن ‘ كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة’ هي رؤيا الشذرات التي تقف بين الشعر والتنجيم الديني. حيث لا تنجيم عند شعراء العربية ولا استشراف واضح وكلام النفري هنا لا رابط بينه وبين البلبلة، المراد ليس البلبلة وليس الضياع، إذن نحن في عوالم أخرى لم يختبرها النفري. عوالم النفس المظلمة التي سلبتها الحياة الذات والحرية.
هناك ردود فعل في القصيدة خالية من القوى المباشرة موجهة على شكل نواح إلى جهة غير الجهة المشار إليها- أن تبكي في مكان آخر مهجور قصي لا يسمع البكاء ولا ينصت للنواح وبالتالي فإن الطلب الوحيد هو استراحة قلب مبرح. وليس الظلم هنا هو ظلم حياة بل ربما هو ولادة مضطربة لحياة جنين مازال مترددا في أن يخرج إلى الملأ أو يبقى مكبوتا.