لندن ـ ‘القدس العربي’ ـ من خالد الشامي: وسط متابعة واهتمام كبيرين في مصر والعالم العربي، جرت مساء امس مناظرة تاريخية هي الاولى تمهيدا لاول انتخابات رئاسية تعددية حقيقية تشهدها مصر، وكان طرفاها عبد المنعم ابو الفتوح وعمرو موسى، اللذين تقول الاستطلاعات انهما يتصدران السباق الرئاسي قبل اسبوعين من الاقتراع المقرر في الثالث والعشرين والرابع والعشرين من الشهر الحالي. وقامت شبكات تلفزيون امريكية ببث اجزاء من المناظرة التي استمرت اكثر من اربع ساعات، على الهواء في اشارة الى الاهتمام العالمي بالانتخابات التي ستأتي باول رئيس لمصر الثورة. وتباينت التقويمات والتعليقات بشأن المناظرة ونتيجتها، وان اشار معظمها الى انها انتهت بالتعادل بعد ان نجح الطرفان في التركيز على نقاط الضعف لدى الاخر، وابتزاز مخاوف الناخبين من العواقب الممكنة لانتخابه. وحذر موسى من انتخاب شخص مازال يحتاج ان يذاكر ليعرف كيف يدير الدولة بينما مصر تواحه مشاكل حادة ووضعا خطيرا يهدد الدولة، كما اتهم منافسه بانه يعتمد خطابا مزدوجا لجذب اصوات الاسلاميين والليبراليين وغيرهم، ونبه الى ان ابو الفتوح ربما اعطى تعهدات للسلفيين المتشددين لم يعلنها لليبراليين، وانه يريد تطبيقا كاملا للشريعة الاسلامية وليس مبادئها فقط حسب الدستور، وانه ايداستخدام العنف ضد الدولة في الماضي وقد يعود لهذه الافكار مجددا، كما انه قيادي سابق في جماعة الاخوان وقد يقرر العودة اليها او يعتبر المرشد مرجعية له، ونفى ابو الفتوح هذه الاتهامات باستثناء انه يريد تطبيق الشريعة، ولكنه اصر على انه يضمن حقوق المواطنة الكاملة للمرأة والاقباط. واتهم بدوره عمرو موسى بانه احد رموز النظام القديم الذي افقر مصر وقتل وعذب الالاف من ابنائها، وانه سكت ولم يقدم استقالته عندما رأى الظلم الذي تعرض له المصريون، واعتبره مسؤولا عن الاداء الهزيل لوزارة الخارجية والجامعة العربية خلال العقدين الماضيين، ما ادى الى تدهور علاقات مصر الافريقية والعربية، الى جانب احتلال العراق ومجازر الناتو في ليبيا وعقد صفقة الغاز مع اسرائيل. وحذر من ان نجاحه سيعني انتصار الثورة المضادة. ونفى موسى الاتهامات مشددا على انه اختلف مع مبارك، ما ادى الى اخراجه من وزارة الخارجية، كما انه ايد ثورة تونس وتوقع في قمة شرم الشيخ التي حضرها مبارك انتقالها الى بلاد اخرى قبل ايام من الثورة المصرية، واشار الى انه اجرى او اتصال بايران في التسعينيات رغم التعليمات، واستشهد بتصريحات للمرشد العام السابق قال فيها ‘ان عمرو موسى يسبح ضد التيار’. وبشكل عام نجح ابو الفتوح في ابقاء منافسه في موقف الدفاع لوقت اطول حتى بدا موسى في الجزء الثاني من المناظرة وقد نال منه الارهاق، اذ بح صوته وغلب الغضب علي ادائه، ما نبه البعض الى قضية فارق السن بينهما حيث ان موسى يبلغ ستة وسبعين عاما مايعني انه سيكون في الثمانين بنهاية الفترة الرئاسية الاولى، التي قال انه سيكتفي بها، واكد انه في صحة جيدة وتمنى لو ان الطاولة التي امامه كانت خشبا ليمسكه. ولكن ابو الفتوح ( 60 عاما( اتهمه باخفاء حالته الصحية وذمته المالية ما ادى الى تلاسن بين الرجلين. ومن جهته قال ابو الفتوح ان صحته جيدة جدا باستثناء ارتفاع طفيف في السطر والضغط، اما حالته المالية فقال انه يملك بيتا في ضاحية التجمع الخامس ( مجمعات سكنية فخمة شرق القاهرة (وان دخله مع زوجته واولاده يبلغ عشرة الاف جنيه شهريا ( نحو 1660 دولارا). ام موسى فقال انه من عائلة ميسورة وفي حدود المعقول، وانه يملك بيتا ايضا في التجمع الخامس، الى ‘جانب عدد من الفدادين’ في قريته وشقة ينوي التقاعد فيها (لكن ليس الان)، وانه قدم عناصر ذمته المالية الى اللجنة الانتخابية متعهدا بالكشف عنها في حال انتخابه. وتعهد الرجلان بالاستمرار في الاقامة بمنزلهما في حال انتخابهما مع تحويل القصور الرئاسية الى مزارات عامة، ونفيا توقع اي راتب او مخصصات رئاسية، وان كان موسى اشار الى ان القانون يحدد راتب الرئيس، وانه شخصيا سيتبرع به الى منظمات المجتمع المدني المصرية. وبالنسبة لتمويل الحملات الرئاسية، قال موسى انه انفق نحو ثلاثة ملايين جنيه حتى الان وان مصدره الوحيد هو من جيبه الخاص واموال عائلته، وشكا من ارتفاه اسعار الدعاية، لكنه ناقض نفسه عندما شكا ايضا من وضع حد اقصى للانفاق على الدعاية الانتخابية قيمته عشرة ملايين جنيه. اما ابو الفتوح فقال انه دفع مليون جنيه كمقدم لعقود الدعاية التي تبلغ قيمتها سبعة ملايين جنيه، بانتظار تبرعات انصاره في الحساب المصرفي المخصص لذلك. وطالب بمواجهة المال السياسي سواء للمرشحين من الخارج او المخصص لشراء الاصوات في الداخل، واتهم خصمه بشراء توكيلات المؤيدين له، وهو مانفاه موسى ورد عليه باتهام مماثل. وعلى الصعيد الداخلي كان ابوالفتوح مستعدا بشكل افضل، واحتكم الى ارقام تخص الدعم والضرائب، وان اخذ عليه البعض تعهده بزيادة كبيرة في الضرائب على السكائر مايعني انه (ربما خسر اصوات المدخنين وهم نصف الشعب المصري) حسب احد التعليقات، كما انتقد اخرون تشديد ابو الفتوح على تطبيق الشريعة، ما اعطى انطباعا بحكم ديني، وهي فرصة سرعان ما حاول موسى اقتناصها والتحذير من العواقب على وحدة المصريين. وشبه احد التعليقات موسى ب’التلميذ الذي دخل الامتحان دون مذاكرة فقرر ان يكتب اي شئ حتى لايترك ورقة الاجابة خالية’. وقال اخر ‘اذا فاز ابو الفتوح سنكون في المعارضة، ولكن اذا فاز موسى سنكون في السجن’ ، ولكن اخرين اعتبروا ان موسى كان اقرب الى رجل الدولة من خصمه. وبرز خلاف واضح بينهما في الموقف من اسرائيل التي اكد ابو الفتوح انها عدو، بينما اكتفى موسى باعتبار ‘انها تعتمد سياسات عدائية’ واقر بأن الشعب المصري يراها عدوة. واتفقا على انه يجب اعادة النظر في اتفاق كامب ديفيد، وخاصة الملاحق الامنية حسب موسى بالنظر الى الوضع في سيناء. وهكذا بدا موقف ابو الفتوح الاكثر صرامة تجاه اسرائيل في حين يلتزم اغلب المرشحين بما فيهم مرشح ‘الاخوان’ محمد مرسي خطابا اكثر تحفظا في محاولة واضحة لتطمين الولايات المتحدة واسرائيل. وكان التوتر الشخصي خيم على المناظرة بين المتنافسين اللذين لم يتصافحا في نهايتها، وهي احد السلبيات التي شابت تنظيمها. وتبادل الرجلان اتهامات حادة، فقال موسى ان ابو الفتوح ‘مش فاهم ولايريد ان يصدق ما يسمع، وانه اقتبس كلمات من برنامجه مثل الجمهورية الثانية والمائة يوم الاولى, وانه ساهم في تأسي الجماعة الاسلامية التي قتلت اكثر من الف مصري، وانه يغير خطابه حسب نوع الجمهور الذي يسمعه، وانه قضى فترة اعتقاله في مستشفى القصر العينني نتيجة للكوسة ( المحسوبية( ‘، وهو ما اعترض عليه ابو الفتوح، وقال ان موسى مازال يعمل بعقلية النظام القديم التي تجرم الرأي المخالف حتى ان كان يمثل اغلبية الشعب، وانه كان ينتمي الى الجوقة القريبة من مبارك، في وقت كان كافة الوزراء مجرد سكرتارية عند الرئيس، وانه مجرد موظف عام، وليس سياسيا. وهو ما نفاه موسى. وفي النهاية يبدو ان المرشحين بقيا في الصدارة، وان كان من الواضح ان المصريين غير المعتادين على هذه المناظرات كانوا المستفيد الاكبر، من حيث التعرف على رئيسهم المقبل كما لم يتسن لهم ابدا من قبل.