عندما يتصرف الجنود كبشر وليس كآلات للقتل

حجم الخط
0

مازن كم الماز

كان إعلان الإمبراطورية المجرية النمساوية الحرب على صربيا في 28 تموز/يوليو 1914 والذي تلاه إعلان قيصر ألمانيا الحرب على قيصر أوروبا الآخر الروسي في الأول من آب/أغسطس إشارة البدء للحرب العالمية الأولى أو الحرب العظمى كما سميت يومها. مع نهاية معركة مارن الأولى في أوائل ايلول/سبتمبر 1914 انتقلت الحرب عمليا إلى حرب خنادق وحرب استنزاف طويلة بين الجيوش المتحاربة. مع اقتراب عيد الميلاد الأول من تلك الحرب دعت الدول المحايدة وبابا الفاتيكان الجديد إلى هدنة بين الطرفين لإظهار أقل قدر من الاحترام للمسيحية، دين الأطراف المتحاربة جميعها (ما عدا الدولة العثمانية). في ليلة عيد الميلاد نفسها بدأ الجنود في الخنادق المتواجهة بالغناء بصوت عال ثم بدأوا في عدد من الأماكن بالغناء سوية، ثم غادر الجنود الألمان والانكليز (والفرنسيون أيضا في بعض الأحيان) خنادقهم باتجاه الأرض المحايدة بين تلك الخنادق وتصافحوا، غنوا معا، وتبادلوا الطعام والشراب والتبغ. في بعض الخنادق قام الجنود بدفن جثث زملائهم القتلى التي كانت محتجزة تحت نيران ‘العدو’ وقاموا أحيانا بطقوس دفن مشتركة لهم. حصل الجندي البريطاني بروس برينزفاذر على زرين من بدلة ضابط ألماني وبادلهما بزرين من بزته العسكرية. عندما علم الجنرالات والقادة بالأمر استشاطوا غضبا بالطبع وأمروا بمنع أي اتصال ودي بجنود ‘العدو’. لكن هذه المشاهد ستتكرر في عيد فصح 1915 وعيد الميلاد 1916، حتى أن الجنود الانكليز والألمان سيخوضون ‘مباراة في كرة القدم’ هذه المرة. القادة الغاضبون أمروا بزيادة القصف المدفعي في هذه المناسبات لمنع القوات من مغادرة خنادقها باتجاه الطرف الآخر، وأخضع البعض للمحاكمات. سواء في السلم أم في الحرب، يطلب من الجنود الاكتفاء بتنفيذ الأوامر، من يصدر الأوامر بالهجوم أو الدفاع، بقتل العدو أو بالتوقف عن قتل العدو، هم القادة، من يعقد اتفاقيات السلام أو من يعلن الحرب هي الحكومات، في هذه الحالة تصرف الجنود بأنفسهم، عقدوا اتفاقهم مباشرة فيما بينهم، كبشر، مسالمين، وبكل تأكيد على الضد من رغبة الحكومات ومن أوامر جنرالاتهم. لكي تقتل عليك أن تتخلى عن جزء من إنسانيتك، إنك لا تنكر على خصمك إنسانيته فقط، بل إن خصمك المقتول يسلبك إنسانيتك أيضا، لكن في هذه المرة، وسط الدم والجثث وزئير القذائف، تصرف الجنود كبشر، وهذا شيء يرقى إلى مستوى الجريمة في أوقات الحرب، ألا تقتل في الحروب يعني أنك ترتكب جريمة قد تستحق عليها الموت. دعوات البابا والحكومات المحايدة لهدنة في عيد الميلاد حافظا على حد أدنى من المسيحية تحولت إلى استعادة هؤلاء الناس لشيء من إنسانيتهم وسط جهنم الحرب اللا إنسانية. على الطرف الفرنسي كان مليون جندي قد لقوا مصرعهم حتى أوائل 1917، مع ذلك قرر القائد الفرنسي العام الجنرال روبرت نيفيل في نيسان/أبريل 1917 شن هجوم كبير على الجبهة الغربية ضد الألمان. كان التكتيك الذي سيتبعه خطرا جدا، حيث ستقوم المدفعية الفرنسية بقصف خنادق العدو فقط على بعد أمتار من المشاة ‘الصديقة’ المتقدمة بحيث تجري مفاجئة العدو قبل أن يخرج من خنادقه، بالتأكيد كانت خسائر الفرنسيين هائلة، هذه المرة بقذائف مدفعيتهم نفسها. نتيجة لهذه الخسائر وذاك التكتيك، بدأ الجنود الفرنسيون يفرون من مواقعهم منذ نيسان/ابريل ويتراجعون باتجاه المؤخرة، حسب الأرشيف الفرنسي، من أصل 113 وحدة مشاة كانت تشكل قوام الجيش الفرنسي يومها، تأثر 49 منها بهذه التمردات. ردت القيادة الفرنسية العليا باعتقالات ومحاكمات جماعية للمتمردين، كانت هناك 3427 محكمة عرفية، حكمت على 23385 جندي بتهمة التمرد، وعلى 554 بالإعدام، لكن يعتقد أن 49 منهم فقط قد أعدموا بالفعل. في أيار/مايو استبدل القائد الأعلى الفرنسي بالجنرال بيتان، الذي اضطر يومها إلى التوقف عن أية عمليات هجومية في الوقت الراهن. على نفس الأرض الفرنسية، في بلدة إيتابلسâtaples ، في ايلول/سبتمبر 1917 بعد اعتقال الشرطة العسكرية لجندي نيوزيلندي اندفع زملاؤه الغاضبون باتجاه المعسكر، وزاد غضبهم عندما أطلقت الشرطة العسكرية النار وقتلت أحدهم. اضطر رجال القبعات الحمر للهرب أمام الجنود الغاضبين. استدعت القيادة البريطانية على عجل قوة دعم من 400 ضابط من وحدة مدفعية مدعومة بفرقة من وحدة المدافع الرشاشة، واعتقلت العديد من المتمردين. حكم على العريف جيسي روبرت شورت بالموت، وعلى 3 جنود آخرين بالسجن 10 سنوات و33 آخرين بالسجن من 7 إلى 90 يوما وغرم آخرون أو خفضت رتبهم. لكن الكثير ما زال ينتظر الجنود، في 22 نيسان/ابريل 1915 استخدم الألمان غاز الكلورين لأول مرة ضد القوات الجزائرية التي كانت تخدم في الجيش الفرنسي. وفي الأول من يوليو تموز 1916 خسر البريطانيون أكثر من 57 ألف ضحية في أول ايام معركة السوم، كانت هذه هي البداية فقط، في معركة السوم سيخسر البريطانيون نصف مليون جندي، نصف مليون حياة، لكن المزيد مازال بانتظار الجنود، كان من بين الجنود المتعصبين قوميا الذين رفضوا ‘تصرف زملائهم غير الوطني وغير المسؤول’ في تآخيهم أثناء هدنة عيد الميلاد مع جنود ‘العدو’ عريف اسمه أدولف هتلر.’ كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية