القاهرة ‘القدس العربي’ – من كمال القاضي: شغلت موقعة الجمل الشهيرة بميدان التحرير والتي جرت أحداثها إبان قيام ثورة 25 يناير أذهان المبدعين فجعلوا يستلهمونها في أعمالهم الفنية فمنهم من وثقها بالصوت والصورة لحظة وقوعها ومنهم من عبر عنها بالريشة.
وهناك من اختزن تفاصيلها ليضمنها في فيلم سينمائي مثل المخرج الكبير يسري نصر الله الذي قضي عاماً كاملاً يكتب ويصور ويضيف من خياله الإبداعي الخصب الكثير من مكسبات الطعم والمذاق، حتى اكتملت الرؤية النهائية للفيلم فوقع عليه الاختيار ليمثل مصر في مهرجان ‘كان’ بعد غياب استمر ستة عشر عاماً كانت فيها السينما المصرية في حالة تأهب واستعداد تطوف حول العالم للمشاركة في مهرجانات دولية أخرى قبل أن تستجمع قوتها للدخول مجدداً في السباق العالمي.
كانت آخر إنجاز حققه المبدعون المصريون في مهرجان ‘كان’ حصول يوسف شاهين على جائزة السعفة الذهبية عن مجمل أعماله في تسعينيات القرن العشرين، ولم تكن الجائزة تخص شاهين وحده وإنما جاءت تتويجاً لجهود كل من شاركوه صُنع أفلامه من كتاب وفنيين ومساعدين ونجوم، لذا لم يعتبر تكريمه حالة فردية، قاصرة عليه فحسب، وهذا ما أقره هو بنفسه في العديد من المناسبات والمؤتمرات ولم ينكره قط، على ضوء تلك الحقيقة كان لابد ليسري نصر الله كأحد تلاميذ شاهين البارزين أن يحذو حذوه ويقترب من دوائره العالمية، خاصة أنه يشابهه كثيراً في طريقة الأداء والتناول ويعد من أوائل الخريجين الحقيقيين في مدرسته الفنية الفريدة ذات الطابع السياسي التجريبي أحيانا إن جاز لنا أن نطلق مسمى التجريب على السينما وهو الإصطلاح الخاص بالمسرح.
لقد أدى التقارب بين الأستاذ والتلميذ إلى لفت نظر نقاد وكتاب السينما الفرنسية وغيرهم من المحتكين بالمهرجان الأشهر ‘كان’ فانتبهوا الى موهبة نصر الله الكبيرة كمخرج يتمتع بحيثية فنية ولديه وجهة نظر سياسية سبق أن تبلورت في أعمال كثيرة كان على رأسها فيلم ‘باب الشمس’ الذي احتل موقع الصدارة في قائمة الأفلام العالمية المنتجة عام 2005، حيث جاء ترتيبه متقدم جداً بين مائة فيلم اعتبروا وقتها علامات مضيئة في تاريخ السينما، من هنا لم يأتي اختيار فيلم ‘بعد الموقعة’ للمشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان كان مفاجأة، غير أن المثير للاهتمام كان متمثلاً فقط في سرعة تجهيز الترجمة السينمائية لموقعة الجمل كحدث رئيسي في الثورة وهو ما كان متوقعاً حدوثه بعد عدة أعوام لكون الأمور لم تستقر في مصر ولم تتمخض الأحداث والصراعات عن شيء فارق ومحوري، على الأقل في ظل التخبط السياسي وبقاء جميع رموز الحكم السابق رهن التحقيق، ولكن لا شك أن إيقاع السينما كان هو الأسرع فقد سبق هذا الفيلم فيلماً آخر من نفس النوعية دارت أحداثه كلها في الميدان بعنوان ’18 يوما’ عن الثمانية عشر يوماً التي قضاها الثوار في ميدان التحرير الى ان تنحي مبارك وترك منصبه الرئاسي تحت الضغط الجماهيري الكاسح، وربما يبرز الاختلاف النوعي بين الفيلمين في كون الأول فيلماً وثائقياً في حين أن الثاني الذي نحن بصدده روائياً، طويلاً وهذا بالطبع اختلافاً جوهرياً يجدر بأن تكون الفروق بينهما محل اعتبار.
نأتي إلى ضرورة أن يكون هناك تركيز ايجابي على الحدث نفسه وهو الصعود اللي كان في وقت تتصايح فيه دعاوي الرفض من جانب جماعات الإسلام السياسي للسينما والفن قاطبة، الأمر الذي كاد أن يحبط أية محاولات للتقدم في هذا المضمار، بيد أن ما أحرزه يسري نصر الله من نجاح على المستوى الإعلامي قد عدل كفة الميزان وأعاد الثقة في الفن السابع كوسيط عالمي ونشاط ثقافي وسياسي لا يمكن تهييفه وتجاهله، إذ أن الفن والإبداع بإمكانهما تحقيق ما تعجز عن تحقيقه الجهود السياسية والدبلوماسية فصوت الثورة والثوار الذي اجتهدت الحكومات المتعاقبة في نقله الى المحيط الدولي على مدى أكثر من عام بصعوبة نجحت السينما في أن تجعله مسموعاً بوضوح ومصحوباً بصورة تحليلية شارحة لكل كبيرة وصغيرة وقعت على أرض مصر، وهذه ميزة تنفرد بها السينما دون غيرها من أدوات التعبير.
وبرغم الصعوبات التي قد تكون واجهت المخرج أثناء التحضير والتصوير إلا أن الرغبة في إنجاز العمل الفني التاريخي كانت أقوى مما شجع على تجاوز كل المعوقات بدءاً من سوء الأحوال السياسية والأجواء غير الملائمة لنضوج الإبداع ونهاية بالحالة الاقتصادية المتردية، مروراً بالابتعاد الجماهيري عن الإبداع في وقت ينشغل فيه السواد الأعظم من الناس بمتابعة الساخن من الأحداث وانتظار المصير الذي ستئول إليه البلاد في المرحلة المقبلة.’بعد الموقعة’ فيلم يشكل في معناه ومضمونه وتوقيته تحدياً لقوى الظلام الرافضة لدور السينما ويمثل لكمة على وجه الرجعية التي ترى في حرمانية الفن منطقاً للدفاع عن الثوابت الاجتماعية والأخلاقية بافتراض ساذج وقاصر أن في التحريم حصانة للمسلم من فعل الشياطين!!