دبي ‘القدس العربي’ من فاطمة عطفة: شهدت دبي في نهاية الأسبوع الماضي وعلى مدى يومين حافلين منتدى الإعلام العربي في دورته الحادية عشرة التي نظمها نادي دبي للصحافة. جرت أعمال المنتدى في فندق ‘جراند حياة’، وشارك فيه عشرات من كبار الكتاب والإعلاميين ولأكاديميين العرب، إضافة إلى كوكبة من نجوم الفضائيات العربية، ومدرائها ورؤساء التحرير فيها، وكذلك بعض ممثلي القنوات الأجنبية الناطقة بالعربية والوكالات والشركات الإعلامية والمواقع الإلكترونية، ومنها: الجزيرة، العربية، إيلاف، روسيا اليوم، بي بي سي العربية، وكالة الصحافة الفرنسية، غوغل، إلى جانب كبار الأعلام والأكاديميين، ومنهم: العالم المصري فاروق الباز مدير مركز أبحاث الفضاء في جامعة بوسطن، المطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس في القدس- فلسطين، المفكر الإسلامي الأستاذ حسن حنفي- مصر، المفكر الأستاذ عبد الإله بلقزيز- المغرب، الباحث الأستاذ الطاهر لبيب- تونس، والناقد الأستاذ عبد الله الغذامي- السعودية، سعد العجمي وزير الإعلام الأسبق- الكويت، مهدي مبروك وزير الثقافة التونسي، عثمان العمير، موقع إيلاف، براد ستابلز- رئيس شركة أبكو، كما شارك مسؤولون إعلاميون من بريطانيا وأمريكا يعملون في مكاتب التواصل الإقليمي بدبي. جرى الافتتاح الرسمي تحت رعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الذي شهد حفل الختام وقام بتكريم شخصية العام الإعلامية الإعلامي الكويتي محمد السنعوسي، والإعلامي اللبناني الشاعر رفيق خوري الذي كرم تكريما خاصا تقديرا لجهوده البناءة في مجال الإعلام العربي. كما كرم الإعلامية السعودية الدكتورة بدرية البشر الحائزة على جائزة العمود الصحافي وكذلك الإعلامية المصرية ليلى رستم. وقد ألقت كلمة الافتتاح مريم بن فهد، المديرة التنفيذية لنادي دبي لصحافة، فرحبت بالإعلاميين العرب وأكدت على أن أعمال المنتدى ستبث عبر مواقع التواصل الاجتماعي مباشرة لكي يصل إلى الغالبية العظمى من الشباب العربي. كانت ورش أعمال المنتدى وجلساته حافلة بالموضوعات والآراء والمداولات، وإذا كان المجال هنا لا يتسع للإحاطة بما جرى فيه، على أهميته، فسوف أحاول أن أركز بإيجاز على أبرز المتحدثين ولمحات من الأفكار والرؤى والتطلعات التي قيلت في الجلسات.
في الجلسة الافتتاحية الأولى تحدث الدكتور فاروق الباز فأكد على أهمية التعليم في الوطن العربي مركزا على أهمية الاعتماد على عنصر الشباب المبدع لإحداث التغيير المنشود، وخاصة في مجالات التعليم والقيادة والتنمية الاقتصادية. واعتبر أن نموذج القيادي المتميز يتجسد فى شخصية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي قاد مسيرة التنمية في بلاده بجدارة عالية ورؤية ثاقبة وإدارة محكمة وإرادة لا تلين.
وتناول الدكتور الباز موضوع التعليم في الوطن العربي وما يعانيه من سلبيات وحرمان لكثير من أفراد التجمعات السكنية الفقيرة، مشيرا إلى أن 120 مليون عربي ما زالوا محرومين من القراءة. كما تناول بالنقد دور الإعلام الذي يركز في غالبيته على تمجيد الحاكم ويتجاهل الطبقات المحرومة التي تحتاج لمن يسلط عليها الضوء لا سيما في موضوع التنمية وتوفير التعليم والعيش الكريم لملايين البشر.
تضمن برنامج المنتدى ثماني جلسات وأربع ورش عمل تحدث فيها ما يقارب من 70 مشاركا من الأوساط الأكاديمية والإعلامية والبحثية في المنطقة العربية فطرحوا بصدق وشفافية ومكاشفة وجهات نظرهم ورؤاهم واقتراحاتهم. إن مسؤولية الكلمة والصورة في قوة تأثيرهما ترقى إلى أسمى المراتب في عصرنا، ثم جاء الحراك الشبابي المندفع في الشارع العربي ليجعل من الإعلام سلطة جديدة لا تقل قوة واتساعا وتأثيرا عن السلطات التقليدية الثلاث، بل لعلها سبقت تلك السلطات وتفوقت عليها بفضل انتفاضات الشباب وتضحياتهم.
ثمرات هذا المنتدى الإعلامي كانت وفيرة ولا يمكن حصرها في كلمات، ومنها دراسة بحثية مشتركة صدرت عن وحدة أبحاث الرأي العام العالمي التابعة لشركة أبكو العالمية ونادي دبي للصحافة لرصد دور وتأثير الناطقين الرسميين باسم الحكومات الأجنبية.
وشملت الدراسة استطلاع آراء نخبة من قادة الرأي من جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط لقياس أداء الناطقين الرسميين ومدى تقبل الجمهور لبياناتهم باعتبارها ذات مصداقية.
وحول الدراسة قال براد ستابلز إنها استطلعت آراء قادة الرأي، أي مجموعات الأفراد الذين يشكلون آراء ومفاهيم الأفراد والذين هم على وعي بآليات وتوجهات اتخاذ القرارات في بلدانهم.
أقيم المنتدى تحت عنوان عريض هو ‘الإعلام العربي: الانكشاف والتحول’، وإذا كانت كلمة (الانكشاف) ملتبسة وتحمل بعض الغموض، فربما كانت نظيرتها الإنجليزية ( Exposure) أوضح في دلالتها، ولعل جوهر المقصود هنا أن مبادرات الشباب عبر منابر التواصل الاجتماعي في المواقع الإلكترونية، خلال السنة الماضية وحتى اليوم، قد كشفت الإعلام العربي الرسمي ومفاهيمه وأدواته التقليدية وتركتها عارية أمام بصر العالم وسمعه وبصيرته. بارك الله بالشباب وطموحاتهم: شباب قنع لا خير فيه/ وبورك بالشباب الطامحينا. كان أساتذتنا يتغنون بهذا البيت، وقد ذكرني به حضور شعراء كبار في المنتدى مثل زميلنا في ‘القدس العربي’ خيري منصور، ومن جيل الشباب تميم البرغوثي.. وآخرين. يكفي في البداية أن أستعرض عناوين مواضيع الجلسات الثماني التي عقدت، وكذلك ورشات العمل. تناولت الجلسات: 1- ‘الإعلام العربي وصدمة التغيير’، 2- ‘الثورات تعيد رسم خارطة النخب’، 3- ‘الناطق الرسمي الأجنبي: دور متزايد.. وتأثير ملتبس’، 4- ‘قنوات يوتيوب.. منابر فردية تنافس الفضائيات’، 5- ‘القنوات الإخبارية والثورات العربية: أسئلة حول التغطية والأداء’، 6- ‘الإنتاج التلفزيوني: أين الابتكار؟!’، 7- ‘الخطاب الإعلامي الديني العربي: الدور المنتظر!
، 8- ‘إعلام حر.. ومصارعة حرة!’أما ورش العمل الثلاث فقد تناولت الموضوعات الآتية: 1- ‘نجوم تويتر.. وصدى التغريدات!’، 2- ‘الشباب العربي.. أما آن أوان ربيعهم الإعلامي؟’، 3- ‘جيل الإعلام الإلكتروني: صحافيون بالفطرة’. وكلمة الفطرة توحي بالطفرة، إذا أخذتنا لعبة تقليب الحروف، دون أن يكون لهذا الإيحاء أي دلالة سلبية. وقد تركت علامات التعجب والاستفهام والتعجب كما وردت في كتيب التعريف (البروشور) المتضمن ‘جدول فعاليات المنتدى’. طرحت محاور ورش العمل ومداولات الجلسات كثيرا من الأفكار المعمقة والجديرة بالتأمل والعمل بمضمونها، كما تضمنت كثيرا من الأسئلة والاقتراحات والتساؤلات حول وسائل الإعلام وتوجهاتها ومضمون رسائلها وآثارها السلبية والإيجابية، وخاصة في ضوء التغييرات الكبرى التي تواجهها، وهل نجحت في مواكبتها بكفاءة وموضوعية، وخاصة أن بعض هذه التغيرات شكل صدمة صارخة. ومن أهم النقاط كانت الإشارة الناقدة إلى صوت الإعلام الرسمي الموجه والمستقل، الإعلام الموزع بين المديح الذي يصل أعلى درجات التبجيل الممل وفي المقابل يهبط إلى أحط درك الهجاء. أكد المؤتمر أننا أمام انعطافة كبرى وعصر جديد من التحول الإعلامي الذي ينحاز إلى المشاهد وتطلعاته. وربما كان من أبرز السلبيات التي طرحها المنتدى يتمثل في تخلف التشريعات المتعلقة بالإعلام العربي.
وتجنبا للإطالة، وإنصافا للزملاء والأساتذة الذين تحدثوا في محاور الجلسات وورش العمل، ورغبة في مزيد من الفائدة، سأورد لمحات موجزة من بعض ما قيل في هذا المهرجان العالمي الكبير الخاص بالإعلام العربي وضرورة تطويره:
ـ مهدي مبروك: ‘هناك حالة فريدة من نوعها يمارسها الإعلام العمومي في تونس الآن فقد أصبح الإعلام العمومي مستقلا تماما عن الحكومة لدرجة أنه لم يعد ينصفها’. وأشار مبروك إلى أن الانتقال الديمقراطي في الدول العربية التي شهدت تحولات سياسية لا بد أن يترك أثره على الإعلام الذي لا بد أن يمر بمرحلة من التقلبات والصراعات قد تستغرق عدة سنوات حتى يصل إلى مرحلة الاستقرار. كما أكد على المسؤولية المشتركة بين كافة أطراف المجتمع للنهوض بالإعلام وعلى المهنيين أن يقوموا بالدور الأساسي في هذا الشأن، كما أن على الحكومة أن تتوقف عن استخدام الأساليب القديمة، وينبغي أن تقوم المؤسسات الأكاديمية بدور رئيسي في عملية التعليم والإعداد. عبد اللطيف المناوي: هناك حاجة لتحديد مفهوم مسؤولية الإعلام.. ويجب أن يكون للمجتمع وسيلة ما للتداخل مع هذا الإعلام، وهو ما يستدعي تفعيل مفهوم ميثاق الشرف الإعلامي والمواثيق الإعلامية في التعامل مع الأخبار’. وأكد المناوي أنه ينبغي أن يشعر الإعلاميون بمسؤولية تجاه المجتمع وهو الأمر الذي يتطلب مستوى مهني متقدم تفتقده الساحة الإعلامية بشكل عام. موسى برهومة: ‘مسؤولية ضبط الإيقاع الإعلامي مسؤولية المجتمع بكل قواه الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها حيث يمر المجتمع حاليا بمرحلة المخاض للوصول إلى مرحلة المفاهيم التي قد تستغرق بعض الوقت’. وأشار برهومة إلى أن المجتمعات العربية تمر حاليا بمرحلة إعادة البناء، ليس فقط للنظام السياسي، ولكن أيضا للبنية التحتية للمواطن العربي.. ودعا إلى منح الإعلام الجديد وقتا كافيا حتى يحقق النمو والنجاح المطلوب. كما نبه برهومة إلى أن الإعلام الإلكتروني ما زال في حاجة لضوابط تعمل على توجيهه، كما أن هناك معرفة جديدة بعد عقود طويلة من الاستبداد السياسي وهذه التحولات الإعلامية لابد أن تستغرق وقتاً حتى يتم الوصول إلى ضوابط نابعة من احتياجات المجتمع بمنأى عن العقل الأبوي المسيطر. رندا حبيب: ‘هناك كم كبير من المعلومات والوسائل المتعددة مما خلق حالة من القلق من تسييس الإعلام حيث ينبغي أن يكون الإعلام أداة لنقل الخبر وليس صنعه’. وأكدت حبيب أنه لا يمكن للإعلام أن يتواءم مع التشريعات الحالية، وخاصة أن هناك حالة من الانفتاح جاءت من دون تحضير، وفي هذه الأوضاع لا ينبغي أن يعمل الإعلام تحت تأثير ما يطلبه الواقع، فالأوضاع تتطلب الجرأة في طرح الحقيقة والمنطق وليس مجرد ما يتناسب مع أمزجة الجمهور.
ـ فرح إبراهيم: الإعلام الجديد يتميز بحرية الاستخدام والمشاركة غير المحدودة، فالإعلام التقليدي محكوم بجهة واحدة ويعكس أفكارا معينة للمؤسسة الإعلامية المسؤولة أو الحكومة، إلا أن الإعلام الجديد غطى ثورات الربيع العربي وعكس الأحداث للجمهور.. وآمل أن نشهد مستقبلا علاقة تكاملية بين الإعلام التقليدي والإعلام الجديد بما يساهم في توفير المزيد من المصداقية والثقة في تقديم الأخبار. مهرة الجنيبي: الإعلام التقليدي يتبع حكومات ومؤسسات خاصة معينة، فالإعلام الجديد يكتسب مصداقية أكبر حيث تتوافر طرق للتأكد من الأخبار الموجودة في مواقع التواصل الاجتماعي، أما الإعلام التقليدي فإنه يحتكر الخبر.. فلا يكون هناك مجال لنقاشه. حصة الشويهي: أعتقد أن هناك صعوبة في تحري مصداقية الأخبار في الإعلام الجديد.. ولكن الشاب العربي أصبح في مستوى من الوعي يمكنه من تمييز الخبر الصحيح.. وإذ لم تكن مواقع التواصل الاجتماعي موجودة فسيجد الشباب العربي طرقا أخرى للتعبير عن آرائهم. عبيدة تكريتي: لقد تغيرت العلاقة مع الإعلام التقليدي بعد الربيع العربي مما أدى إلى اتجاه الجمهور إلى الإعلام الجديد، خاصة أن الربيع العربي أعطى وعيا أكبر للشباب وفرصة لإيصال آرائهم. دانا أبو لبن: يستعين الإعلام التقليدي والقنوات التلفزيونية بالشباب والإعلام الجديد، ولذلك لابد أن يعمل كلاهما معا، فالإعلام الجديد يحتوي على آراء مختلفة ومحتوى أكبر.. نحن لا ننكر أن الإعلام التقليدي هو حجر الأساس الذي نتعلم منه، ولكن أصبحت وسائل الإعلام الجديد تدرس في الجامعات والمعاهد الإعلامية وذلك لأهميتها في الوصول وتوصيل الخبر.
الخطاب الدينيهذا المهرجان الإعلامي الكبير الذي تقيمه دبي كل عام يجعل هذه المدينة المسكونة بالحداثة والاحتفاء بكل جديد عاصمة الإعلام في آسيا، إن لم نقل في العالم أجمع. ويعتبر نادي دبي للصحافة منظم الحدث من السباقين إلى استخدام أحدث التقنيات المتطورة لضمان نشر وتوزيع نتائج ومخرجات المنتدى على أوسع نطاق حيث اعتمد هذا العام منصة رقمية لنشر مجريات الجلسات الحوارية على مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مباشر من موقع الحدث.
وقد ورد خلال النقاش أكثر من إشارة إلى أهمية السبق الصحفي الذي حققه الإعلام الإلكتروني، كما أن الانطلاقة التي حققتها الصحافة الإلكترونية ترجع إلى الكم الهائل من الأخبار التي قد تعجز الصحافة التقليدية عن مواكبتها، وهذه الحالة أنتجت ظاهرة الجماعية في إنتاج الأخبار والتخلص من الهرمية.
كنت أتمنى لو اتسع المجال وسمح لي بتغطية الجلسة السابعة التي تناولت الخطاب الإعلامي الديني، انطلاقا من أهمية هذا الخطاب ومكانته في الحياة والمعاملة. وقد أكد الأستاذ حسن حنفي على أن الخطاب الديني يعتبر أهم الخطابات حيث تتجاوز أهميته الخطابين السياسي والثقافي، وذلك نظرا لقدرته على التأثير في الناس.. وأشار إلى أن الجماعات الدينية بدأت بعد الثورات العربية الأخيرة تشجيع الثورات وتنتقد النظم السابقة، متسائلا: ‘أين كانت هذه الجماعات في الأعوام السابقة؟’. وقال المطران عطا الله حنا: ‘إن علاقة المسلمين والمسيحيين في الوطن العربي ليست علاقة حوار وتلاق فحسب، إنما هي قومية وحضارية واحدة.. وأشار إلى أن الخطاب الديني المتطرف الذي لا يقبل ولا يحترم الآخر يصب في مصلحة الاستعمار القديم والجديد، وخاصة في فلسطين’. وأوضح عبدالإله بلقزيز أن الدين دخل في علاقة غير طبيعية مع السياسة منذ أواخر عشرينيات القرن العشرين، وأن هذه العلاقة وصلت ذروتها في العقود الثلاثة الأخيرة، وذلك بعد أن تحولت إلى تجارة مربحة من أجل استقدام أشخاص معينين إلى السلطة ووضعهم في موقع تصدّر الفتاوى وهم ليسوا أهلاً لها.
وقام أحد المتداخلين من الجمهور بطرح أفكار مناقضة ومتطرفة بعيدا عن جو المنتدى، مما دعا الأستاذ حنفي للرد عليه، كما دعا المطران عطا الله حنا إلى التأكيد على منهج التسامح والحوار والاحترام المتبادل. وجاء الرد الحازم من المفكر المغربي بلقزيز الذي قال: النص الديني مقدس، لكن رجل الدين غير مقدس.. وأكد على أن من لا يقتنعون بالحسنى ولا يلتزمون بالكلمة الطيبة فهذا شأنهم وحدهم.. وختم كلمته بالآية الكريمة ‘لكم دينكم ولي دين’.