العرب لا يملكون المواهب…

حجم الخط
0

د. ديما الضامن تزامنت هذا الاسبوع نهائيات ‘بريطانيا تمتلك المواهب’ مع انتهاء التصفيات الأولية للبرنامج المستنسخ بالعربية. ويبدو أن القائمين على البرنامج لم يكتفوا فقط بالإبقاء على اسم البرنامج باللغة الإنجليزية، فأصبح ‘أرابز غوت تالنت’ كما تجده على الصفحة العنكبوتية عند البحث، لكنهم أيضاً حرصوا على أن تكون المواهب في معظمها استنساخاً لمواهب ظهرت في بلاد أخرى، فيصبح البرنامج برمته خالياً من المواهب!

لقد استطاع العرب أن يهضموا الموسم الأول من البرنامج بصعوبة، واستشعر المشاهد اهتمام البرنامج ولجنة التحكيم بالمواهب المستنسخة على كثرتها. ويبدو أن العاملين على البرنامج نسوا أننا قد أصبحنا في عصر اليوتيوب بحيث أمكننا أن نرى المواهب المتميزة في كل البلدان الغربية والشرقية، فتابعنا مقاطع اليوتيوب للمغني الكوري اليتيم، وفرق الشوارع الراقصة في بريطانيا والفائزة في أوكرانيا التي رسمت مناظر بديعة بالرمل على إيقاع الموسيقى، فحكت من خلال رسوماتها آثار الحروب على الشعب الأوكراني. وأذكر هذه على وجه الخصوص لأنها كانت إحدى المواهب المستنسخة في البرنامج في موسمه الأول فظهرت علينا مشتركة ترسم بالرمل بنفس الأسلوب. وكنت قد تمنيت على البرنامج أن يحرص على أقل تقدير أن تكون المواهب المستنسخة قريبة في الأداء والتميز من تلك التي تم تقليدها، لكنها وللأسف كانت جميعها ضعيفة في مستواها وغير صالحة للمقارنة. يستثنى من تلك المعضلة بعض المواهب الحقيقية التي استطاعت أن تفرض نفسها في الموسم الأول، وإن كانت قليلة العدد. فالمبدع نور الدين بن وقاص مثلاً كان بلا شك موهبة تستحق التنويه والاحترام، كما كان الحال لعازفة القانون هناء أبو خريص التي لم تتجاوز العاشرة من العمر. وكنت آمل، كما أمل مشاهدون غيري، أن يحمل الموسم الثاني مشاركات ‘عربية’ متميزة، لكن الرياح لم تأتي بما يشتهي المشاهد العربي. وانهالت على رأس المشاهد ‘الغلبان’ سيول المواهب الغربية ابتداءاً من رقص الهيب هوب، مروراً بالغناء الأوبرالي والأغاني الغربية وانتهاءاً بالراب.

ولم أكن لأصف المشاهد بالغلبان لو كانت هذه المواهب الغربية متميزة حين مقارنتها بنظيراتها في دول المنشأ. وأكاد أجزم أن أكثر من 90 بالمئة من هذه المواهب لم تكن لتستطيع تجاوز التصفيات الأولى لو استعرضت على مسرح ‘غوت تالنت’ في أي من الدول الغربية التي تكثر فيها فرق الرقص والغناء الغربي. لكنها على المسرح العربي قوبلت بالتصفيق الحار، وانهالت تعليقات الحكام العرب عن ‘رقي’ هذه المواهب وإبداعها. فالطفلة الجزائرية التي اعتلت المسرح لتغني بالإنجليزية وتطرق ‘كوردات’ الغيتار اعتبرت طفلة معجزة، ولم أعرف إن كان إعجازها كامنا في ندرة الصوت أم في كونها أتقنت اللهجة الغربية. أما الفنان الذي أطلق عنان صوته للأوبرا الإيطالية فقد امتدح لكونه يقرب ذلك الفن الراقي الذي طالما اقتصر على الطبقات المتميزة -كما أشار أحد أعضاء اللجنة الكريمة- إلى عامة الشعب. ولم أدر حينها أن الطبقات الراقية في مجتمعنا العربي أصبحت تتابع الأوبرا الإيطالية! لعل السنوات القليلة التي قضيتها في بلاد العم كاميرون قد غيرت عاداتنا العربية بسرعة هائلة. كما أثار انتباهي عدد المشاركين الذين لا يتقنون اللغة العربية، ويتفننون بالتعريف بأنفسهم بلغة ضعيفة وأحيانا مكسورة. حتى أن أحد المشاركين استغل نقطة الضعف في البرنامج وقدم نفسه على أنه لا يستطيع الحديث بالعربية في محاولة لإقناع اللجنة بقدراته ‘التمثيلية’. تابعت بصبر خال من الاهتمام حلقات هذا الموسم في انتظار مواهب ‘عربية’، فذهب صبري هباءاً منثوراً. تساءلت ولكل مشاهد الحق في مثل هذا السؤال: هل يخلو الوطن العربي من مواهب أصيلة، أم أن القائمين على البرنامج فضلوا المواهب الغربية ووضعوا لها في الميزان ثقلا خاصاً. انتظرت أن أرى إبداعاً في الرقص النوبي مثلاً أو الرقص بالتنورة من مصر، أو حتى تدريب الصقور من الخليج، وغيرها الكثير من المواهب التقليدية التي لا نعرفها من أقطار الوطن العربي المبعثر. فكرت في ذلك كله وأنا أشاهد نهائيات ‘بريطانيا لديها مواهب’، حين استعرض فريق الغناء بلغة أهل ‘ويلز’ وهي إحدى الدول المشكلة للولايات المتحدة البريطانية، فأنشد الفريق المكون من أكثر من أربعين شاباً ترتيلة تقليدية بتناسق رائع، في حين استطاعت الطفلة التي دربت كلبها على الرقص أن تحصد المركز الأول في برنامج تستطيع أن تعرف ثقافة شعبه من متابعة حلقاته.

يعتقد بعض القراء، وأفهم رأيهم، أن هذه البرامج ليست مهمة في وقت يعاني فيه الوطن العربي في جميع أوصاله من آلام الحرية. لكن السؤال الذي يحاول الجميع أن يطرحه اليوم هو مفهوم الحرية الذي ننشده. فهل الحرية المنشودة هي تلك الشعلة التي يحملها تمثال الحرية الذي تشرق الشمس عليه كل صباح ليطل على منطقة منهاتن بنيويورك، أم أن الحرية التي ننشدها هي تلك التي تغنى بها أحمد شوقي وهو يكفكف الدمع على أطلال دمشق حين قال: ‘وللحرية الحمراء باب، بكل يد مضرجة يدق’. هل ننشد الحرية كما يريدنا الغرب أن نعرفها، فتتوجه أنظارنا إليه كمصدر للإلهام والمشورة، أم أن في عروبتنا حضارة متأصلة لا تحتاج إلى عولمة ورقابة غربية. هل يقتصر مفهوم التحضر والتقدم في بلادنا على إتقان الإنجليزية ورقص الهيب هوب، وهل نسعى لإسقاط النظام واستبداله بنظام يشابه نظام العم سام ويستجدي رضاه. وأعتقد جازمة أن إجابتنا على هذه التساؤلات لن تحسم فقط المواهب التي نرغب في مشاهدتها، ولكن أيضاً توجهاتنا السياسية في ضباب الوضع العربي الراهن.

كاتبة من فلسطين تقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية