عبد الكريم كاظم’آه لقد صار صاحبي الذي أحببت تراباً ملحمة جلجامش’ما الذي بوسع الشاعر أن يفعله في كرة أرضية يحتلها الزيف؟
هل كان على يوسف الصائغ أن يقول شعراً لم يقله من قبل، عندما أحس أنه سيغادر الحياة والشعر والقول إلى الأبد؟ هل كان عليه أن يضيف جديداً إلى ما دوّنه من أشعار وأفكار وأقوال في كتاباته العديدة؟ أكاد أجزم أنه كان، في السنوات الأخيرة من حياته، التي أمتنع فيها عن الكتابة وأكثر فيها من القراءات والمتابعات والتأمل، يهيّىء لشيء جديد أو نص مغاير لم يكن قد نضج عنده. ولكنه كان يريد لهذا الجديد الشعري أن يُخرجه من حال الإحباط والتململ والقنوط إلى نوع من الأمل في الفكر والحياة والشعر والجمال، يعيد الاعتبار إلى عملية التجديد الشعري. دليلي على ذلك ما اكتشفته من معان جديدة في نصوصه الاخيرة، من سعي عميق عنده، لم يفصح هو عنه، سعي وراء أجوبة عن أسئلة مكتملة وغير مكتملة تطرحها الحياة في هذا الزمن الصعب، وهو سعي لم يكن يريد إجهاضه بالتسّرع في الاستنتاجات الفكرية أو الموقف، ولم يكن يريد ان يكشف عنه في السّتر قبل الأوان، وقد بدا لي ذلك حتى في مقالاته، أفكار بصوت عال، الأقرب إلى التأمل منه إلى أي شيء آخر.
على أمتداد أكثر من ثلاثة عقود شكل الشاعر يوسف الصائغ جزءاً مهماً في خارطة الشعر العراقي الحديث وكان هذا الشاعر حتى ساعة موته في العاصمة السورية دمشق/الاثنين 12/12/2005 لحظة هاربة لا تتحقق بسهولة في الراهن الشعري، لكنها تنزلق دائماً من بين أصابعه لتذهب بعيداً في غور القصيدة أو تتقدم نحو مستقبل الشعر قبل مرورها بالكثير من الاشكاليات التي مـر بها عبر هذا التاريخ الشخصي الحافل بنتاجاته الابداعية ليس في ميدان الشعر وحسب بل تجاوزه إلى القصة والرواية والمسرح والنقد والرسم.
عذرية المفردة الشعرية عند يوسف الصائغ يقابلها عند الرمزيين نقاء اللفظة وفي ذلك يقول الفرنسي ملارميه: (إن البيت الشِعْري هو الذي يؤمّن استقلال المفردة) بمعنى ان المفردة هي التي تخلق القصيدة بغض النظر عن زمانها ومكانها ومع هذا لم تكن حياته الشعرية تشير إلى مكان/زمان ما بل كانت تنقلنا دائماً إلى فراديس ضائعة، ففي أكثر حالاته الشعرية يتحول المكان أو الزمان لديه إلى ساحة مفتوحة للمخيلة وفي خضم التداخل الإنساني والفكري والجمالي الذي يدور في مخيلة الشاعر تخرج القصيدة بمنتهى العذوبة والغموض، هذه هي اللحظة الشعرية التي املت على الشاعر اجتراح العذرية التي تمتلك مفتاح التحولات الساحرة للشعر.
يوسف الصائغ من الشعراء الذين يتوحدون مع رموزهم كما فعل في أعترافات مالك بن الريب فقد مضى خلف اعترافاته مثلما يمضي شاعر خلف سديم من حزن ضبابي آملاً في الوصول إلى بوابة الحقيقة، ثمة لغز محير يتملك الشاعر ويجعله يحيل كل ما يلمسه إلى شعر فكأن هذا الشاعر حين يلامس اللغة يصفيها من الزوائد و ينقلها إلى خانة السحر، فالمفردة التي يدونها تخرج من ملكوته الخاص لتستقر في ملكوت القارئ، كما تدفعنا مفرداته أيضاً نحو تخومها القصوى أو مطلقها الخالص الذي يخفي وراءه روحاً نقية هي الأخرى تحتضن الشاعر والقارئ في ذات الوقت ولعلنا نصغي إلى صوت الشاعر الذي يحاول أن يستدركنا من عناء تلك اللحظة السحرية مأخوذاً بمناطق مأهولة بالأقمار والغابات البكر حيث لا يستدير سوى كوكب الشعر ومفرداته المتلألئة فمع قصائده نتحول جميعنا إلى اطفال نعدو في الطرقات المحفوفة بالصراخ والضحك والبراءة فأن الطفولة في شعره هي الزمن الحقيقي الوحيد الذي يبقى في رحلة العمر الموجعة وكأن عبارة الفرنسي جان كوكتو (الشعر هو الطفولة المستعادة قصداً) شاخصة ابداً، من هنا نستطيع أن نفسر رغبة الشاعر في الاقامة داخل طفولة الوطن أو براءة المكان أليس هو القائل: (أنا لا أنظر من ثقب الباب إلى وطني لكني أنظر من قلب مثقوب وأميز بين الوطن الغالب والوطن المغلوب) فالقطب المواجه للحياة في شعره هو الموت، أنه الوجه الآخر للحيوية الشعرية المتدفقة التي ترمز اليها قصائده ومع هذا لم يكن الموت لديه خراباً للعالم ولا كابوساً بل هو انتقال إلى مرتبة أسمى من مراتب الوجود للوصول إلى البياض، من هنا كان البياض لديه عنواناً للنقاء، هذه هي الثنائية المتكاملة مابين الحياة/الموت، الطفولة/الشعر وهكذا وقف بحيادية القصيدة أمام الموت، وحياده هذا يحمل في طياته انحيازاً إلى الوطن المغلوب وانحيازاً إلى نوع من الوئام الروحي في هذا الزمن السائل الذي يفلت دائماً من بين أصابع الشاعر كلما حاول الامساك به، لهذا نرى الموت حاضراً باستمرار في شعر الصائغ ولا وجود إلا للماضي فالحاضر ليس موجوداً، أيضاً، إلا في الذاكرة أو الحلم، وأعني في تذكر الماضي الذي حاول من خلاله النظر إلى المستقبل الذي قد لا يأتي، من هنا قوله في هذا المقطع من قصيدة المعلم: (من أين تأتي القصيدة والوزن مختلف والزمان قديم) بحيث نرى أن حالة الموت هي التي تكرر نفسها باستمرار وحين يحاول الشاعر ان يتحدث عن ذلك فلا يشير إلى الموت بقدر ما يتحدى الحياة بطريقة شعرية وكأنه ينتقل من الملموس إلى المحسوس ليؤكد حضوره الرمزي في القصيدة ليدفع بحياته إلى نهاياتها القصوى في مواجهة الموت وها هو يردد في قصيدة يرثي بها زوجته (جولي) من مجموعته الشعرية المهمة والمعنونة/سيدة التفاحات الأربع: (حين صبوا على القبر ماء الوداع الأخير، فكــرت: لعبة الموت مضحكة، وراحت تقارن بين تابوتها والسرير) اذا كان الموت هو الفجوة الكبيرة التي يكتنفها السكون فلا بد من مواجهته بكثافة الشعر وجماليته وقوة حضوره في المعنى عبر الفراغات الممكنة للحياة وهنا يدخل الشاعر القصيدة وهو أكثر اضطراماً حتى وأن أرهقه الانتظار لذلك نرى الشاعر يضع علامة استفهام كبيرة أمام هذا الموضوع حين يوجز ذلك في هذه القصيدة بلمحة نادرة:(لماذا أيها الانتظار المرائي اذا كنت حقاً صديقي كن إلى جانبي في طريقي، انما أيها الانتظار المرائي لماذا تسير ورائي؟)في هذا الكون (اليوسفي) يبقى الشاعر وقصيدته يلوذان بشجرة الحياة، لهذا السبب استطاع أن يجعل من قصيدته ملاذاً لكل الذين أدمنوا الانتظار فكل شاعر، هنا أو هناك، وجد في قصيدته جزءاً من عراقه المرتقب أو وطنه البديل وهذا ما نلمسه في هذه القصيدة:(إفتح لي بابك أو أغلقه دوني يارب لا تتركه في منتصف العمر موارب). حين يتوسد الشاعر متاعبه يحاول في ذات الوقت أستدراج الموت إلى فخاخ القصيدة ويجرجرنا معه لرؤية الملامح القاسية لموضوعة الموت الذي يشكل نوعاً من الرفض المقارب للمحنة ويجعلنا نعيد صياغة السؤال الوجودي المتعلق بالموت، إن قراءة معمقة في الدلالات الرمزية لمسألة الموت يمكن أن تكشف لنا هذا السلوك (اليوسفي) وهو ينبعث حياً بعد كل حالة موت بمعنى آخر ان كل هذه الميتات تجعل الشاعر متعلقاً بالقصيدة وهذا الأمر برمته يتعلق بوهم قدرة الموت على دحر القصيدة التي تستطيع أن تحدث أصواتاً مثل كل الأحياء وأن التعامل معها مهنة معقدة لا تؤديها سوى المواهب الكبيرة المتمردة وقد رأينا ذلك في هذه القصيدة التي تحمل كلمة (التمرد) عنواناً لها: (الشهيد المرقم الفاً وواحد يرفض الدفن إلا اذا دفنوا معه عشرة من الشعراء وما كتبوا من قصائد). في اوقات المواجهة قد يختار الشاعر طريقة موته، خليل حاوي وابراهيم زاير نموذجان، أما في حالة الصائغ فقد سعى إلى موته بحيث آثر أن لا ينتظر قدومه، فغادر بغداد إلى دمشق وكانت فكرة المغادرة هذه، بغض النظر عن مبرراتها، هي نوع من الانتحار الذي يدخل ضمن فكرة أخرى نستطيع ان نطلق عليها أسم الموت الإختياري أو البحث اللامجدي عن الحياة كما فعل جلجامش، هذا إذا أعتبرنا رحلته من وجهتها الأخرى نصاً شعرياً كتبه صائغ الكلمات بطريقة موته أضافة إلى يقينه بأن العراق أصبح مكانا لا يصلح للعيش، لكنني أجد أن الصائغ لم يُحسن اختيار الوقت مثلما لم يُحسن الحب، لنقرأ هذه القصيدة: (قصير النظر كلما سنحت فرصة للعناق أخطأ الشفتين فهو لا يحسن الحب إلا بنظارتين) وهكذا غادرنا الشاعر، ومات غريباً لكنه بقي رغم هذا الزمن المغلق لا يكف عن مطالبة وطنه أن يمنحه مباركته وغفرانه مردداً بصوتٍ عالٍ كما عودنا على ذلك منذ زمن ابتعد عنه لحظة كتابته، مقدمة لقصيدة حب فاشلة، حتى ساعة موته: (ما هذا زمن الشعر هذا زمن مسدود يخرج منه الدود صار الشعراء قروداً فيه والعشاق يهود باركني بيديك الحانيتين وأمنحني غفرانك يا وطني). هوامش:1ـ يوسف الصائغ: المجموعة الشعرية الكاملة دار الشؤون الثقافية العامة 19922ـ يوسف الصائغ: الشعر الحر في العراق/اطروحة ماجستير 19763ـ ملحمة جلجامش/ترجمة طه باقر/ص 79مدينة شتوتغارت الالمانية