محمّد محمّد الخطّابي فى الخامس عشر من ايار (مايو) الجاري تكون قد مرّت أربعة وستون حولا على ‘نكبة فلسطين’، أمّ الكوارث، وأمّ الهموم التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني الصامد، وعانى وقاسى منها الكثير، منذ ‘وعد بلفور’ المشؤوم 1917، إلى التقسيم اللعين 1947، إلى قيام ما يسمّى ب:
دولة إسرائيل 1948، وصولا إلى ‘النكسة’ 1967. التحدّي والإصرار إنّها أحداث تاريخية مؤلمة، ومفاجآت غيرسارة خبّأها القدر لأبناء فلسطين الذين رمت بهم الأقدار خارج وطنهم، وبعيدا عن أرضهم قهرا وقسرا، فانتشر منهم الكثير فى بلاد الله الواسعة فى المهاجر، من أقصى أصقاع العالم إلى أقصاه، ولكنّهم ظلّوا مشدودين إلى أرضهم، متشبّثين بحقوقهم المشروعة، ذلك أنّ ‘النواة’ أو’المادة الخام’ التي صيغ منها هذا الشعب العظيم، هي مادّة من نوع خاص، فقد ألهمه وأعطاه الله طاقة لا نظير لها من الصّبر، والجلد، والتحمّل، والتمرّس، والمواجهة، والمقاومة والتحدّى، والإصرار، ما لم يعط لأيّ شعب آخر. وعملت الصهيونية العالمية منذ ذلك الإبّان بدون هوادة من أجل القضاء ليس فقط على هذا الشعب وإستئصاله من جذوره، وطمس هويّته، ومحو كل أثر له، بل إنّهم حاولوا محو حتى جغرافيته وتاريخه في حملات مسعورة بإستعمال مختلف ضروب الحيل والأكاذيب، والدسائس والخسائس، والمكروالمكائد لتحقيق هذه الغاية الدنيئة. وإنطلقت الثروات والإنتفاضات المباركة الواحدة تلو الأخرى، ومن ثمّ طفق الشعب الفلسطيني كتابة صفحات جديدة من تاريخه البطولي الناصع، حاملا رمز كفاحه وثورته الكوفية الفلسطينية المرقّطة، أوالمنديل الفلسطيني وغصن الزيتون وإرادة لا تقهر فأذهل العالم، وأعاد هذا الشعب إحياء هويّته وجذوره، وإحياء ذاكرته التاريخية والثقافية والتراثية الجماعية من تحت الأنقاض، الأبطال الفلسطينيون الشهداء ما زالوا يروون ثرى الأرض الطاهرة، وما فتئت الآلة الحربية الإسرائيلية المتوحّشة تقتّل وتنكّل بهذا الشعب بدون رحمة، وتزجّ بأبنائه وبأحفاده في غياهب جحيم السجون الإسرائيلية، ليحرموا ليس فقط نعمة صلة الرّحم مع ذويهم وأهاليهم وخلاّنهم، والهواء الطلق، والنسيم العليل، وزرقة السماء، ونور الضياء، بل ليحرموا كذلك القوت اليومي لسدّ الرمق. وما انفكّت لأنفس تتنفّس الصعداء، وتعدّ العدّة للمراحل القادمة الحاسمة من كفاح هذا الشعب، وما إنفكّت ألسنة اللّهب تتصاعد، وأعمدة الدخان تتعالى فى كل مكان. إنّهم يستشهدون من أجل بلادهم لانّهم صادقون في حبّهم لها.
المصالحة والمصافحة الأشقّاء لم يقتنعوا بعد، بأن المسألة، مسألة بقاء أو لا بقاء ليس إلاّ، إنهم فقط يذرفون الدموع حرّى ساخنة، وينزوون بأنفسهم ‘الشاعرة’ لينظموا لنا كلمات مسجوعة مشحونة بالغضب والإنتقام.. وتمرّ الأيام وتنقضي الليالى، وفي رحمها وخضمّها تتولّد و تستجدّ الأحداث، وننسى أو نتناسى ما فات، المآسي ما زالت تترى أمام أعيننا وعلى مرأى ومسمع منّا، فيشاطرنا العالم طورا أحزاننا، وأحيانا يجافينا… ونكتفي بالتفرّج والتصفيق والتهليل، والتحسّر بلغة مؤثّرة باكية شاكية كئيبة حزينة مذلّة. أمّا الآخرون فإنّهم يتعنّتون ويتمنّعون ويتمسّكون بكل ‘شبر’ غنموه، وبكلّ ‘مدينة طاهرة’علقوا بها، يبسطون نفوذهم وتأثيرهم ليس على الأرض وحدها بل على العقول، والألسن، والقلوب، ، وهم ماضون في غطرستهم وتبجّحهم وكبريائهم… ما أكثر لوحات الشرف التي نزهوا بها، وتمتلئ بها دورنا، وتعلو جدران قصورنا وبيوتاتنا، وما أكثر النياشين والأوسمة التي تنمّق صدورنا، وما أكثرما نعود الى التاريخ نستلهم منه الدروس والعبر، ونستشفّ منه معنويات جديدة لإستئناف مسيرتنا.
إننا قوم رحماء بغيرنا، ، مشهود لنا ومشهورون بالصفح والتسامح، ، رحماء بالصغار والكبار، معروفون بهذه الثنائية المركبّة التى تجمع بين القوّة واللين، والبأس والشدّة، والصلابة والطراوة. أمّا هم فلقد اقتدّت الرحمة من قلوبهم، وكأنها قلوب صيغت من فولاذ، لا يفرقون بين الصغير والكبير، إنّهم ينكّلون بدون تمييز، وعزاؤنا الوحيد أن التاريخ يسجّل لهم هذه ‘المجازر’ ويدوّن لنا ‘المفاخر’ ويصوّر أيديهم الملطخة بدماء الأبرياء. أربعة وستّون حولا، وما زلنا نستذرّ عطف العالم ونستجدي رحمته، ونصف له الأهوال والفظائع التي ترتكب في حقّنا، إنّنا حالمون، إ نّنا ما برحنا منشغلين بأمورنا، منبهرين مشدوهين بالأوار المستعر وسط ساحاتنا و داخل بيوتاتنا وأحيائنا وأفئدتنا. أمّا هم فمنذ أن دنست أقدامهم أرض السلام، ما فتئوا يفتكون بنا وينكّلون بأبنائنا.
ما زال الأمل معقودا على المصالحة والمصافحة، والتقارب والتصافي، وإقصاء التجافي، والتداني والتفاهم وإلتئام كل الفصائل، تسخير وإستغلال كل الطاقات والخبرات، ، النبش في الثرى و التراب والتراث.
السموأل القديم والسموأل الجديد كل منّا مرسوم على محيّاه الجانب المقطّب من وجه موناليزا، فلا هو بالحزين ولا بالجذل، ولا بالباسم ولا الباكي، صيفنا قائظ مستعر، وخريفنا شاحب مكفهرّ، وشتاؤنا صقيع منهمر، وربيعنا مزهر مزدهر. كل يحمل همومه وقلقه وهواجسه وأوهامه فوق ظهره ويمضي، ولا أحد يبالي بآلامه ومعاناته، ولا أحد يكترث بأحزانه وعذاباته.’السموأل’ الجديد لم يعد يبالي مثل جدّه ‘السموؤل’ القديم، البعيد في الزمن والمكان والمسافات بأن يدنّس عرضه بشتّى ضروب اللؤم، أصبح لا يهمّه أن تهان كرامته بارتداء الرثّ من الثياب، والأسمال والخرق غير الجميلة.. لنا تاريخ حافل، وماض تليد، وتراث زاخر،… ولكن أعوادنا هشّة واهية، إنطلقنا نتوق نحو بطولات فردية دونكيخوتية وتمرّدية وهمية. دخلنا حروبا، فكشفنا عن مدى ضعفنا، ووهننا، وخذلاننا، وخيبتنا، ولزمت الكآبة محيّانا، وسكنت الحسرة قلوبنا.
، الحرب سجال، والأيّام دول. فى ظل ما تشهده الاوضاع العربية الراهنة من نزاعات مذهبية، ومواجهات أيديولوجية، وحروب دينية، وصراعات طائفية، وخلافات سياسية، كلّ هذا المخاض العسير، وهذا الأوارالمشتعل، الله وحده يعرف ما هي عاقبته وما هومنتهاه.’ كاتب مغربي مقيم في اسبانيا