د. يوسف نور عوض ما زلت أذكر أيام الطفولة في السودان حيث كان في تلك المرحلة اسم فلسطين يتردد كثيرا، لاسيما أن عددا كبيرا من المتطوعين السودانيين كانوا قد ذهبوا من أجل القتال في الجبهة المصرية ضد القوات الصهيونية التي استهدفت السيطرة على أرض فلسطين وطرد شعبها منها، وقد أصبحت فلسطين في تلك المرحلة جزءا من الثقافة الشعبية عند المواطنين السودانيين، خاصة في مناسبات الأعراس حيث كان من عادات السودانيين قبل إتمام مراسم الزواج تدريب العرائس على الرقص، وكانت الأغنية المفضلة في ذلك الوقت تقول كلماتها ‘يا فلسطين حربك متين’ ولم يكن يساور السودانيين أدنى شك في تلك المرحلة أن الشعب الفلسطيني سينتصر وأنه سيتمكن من السيطرة على كل أراضيه التي أصبحت مطمعا للصهاينة وبعض القوى الغربية التي تؤيدهم، لكن المأساة وقعت، وهكذا بعد أربعة وستين عاما مازال الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، تتوقف كل عام من أجل أن تتأمل تلك المأساة، وعلى الرغم من أن معظم المهتمين بالشأن الفلسطيني يركزون في الوقت الحاضر على الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون من جانب القوى الصهيونية التي تسيطر على بلادهم فإن القلة هم الذين يقفون ليتساءلوا عن الأسباب التي جعلت القضية الفلسطينية تصل إلى هذا المستوى دون أن يلوح في الأفق حل يعيد الحقوق إلى أهلها الشرعيين، وذلك ما يجعلني أتوقف لأقدم قراءة شاملة للمأساة الفلسطينية مركزا على أهمية الدور العربي في إحداث تغيير شامل في هذه القضية.
وكما هو معلوم فإن فلسطين كانت حتى عام 1914 ضمن حدود الدولة العثمانية، ونظرا لأن تلك الدولة وقفت إلى جانب ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، فقد خسرت سائر الأراضي التي كانت تابعة لنفوذها لصالح كل من بريطانيا وفرنسا، لكن تسليم أراضي فلسطين لقوى أجنبية لم يحل المشكلة القائمة بين اليهود والعرب، وذلك ما جعل الجمعية العامة للأمم المتحدة توافق في عام 1947 على قرار تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى دولتين عربية وإسرائيلية، وكانت تلك قسمة غير عادلة لأن الجمعية العامة قررت أن يكون ستة وخمسون في المئة من أراضي فلسطين التاريخية في يد اليهود بينما منح العرب ثلاثة وأربعين في المئة، وتركت منطقة القدس التي تمثل واحدا في المئة تحت التدويل والانتداب بإشراف الأم المتحدة.
ويلاحظ منذ البداية انحياز الموقف الدولي لصالح اليهود ذلك أن معظم الدول العربية كانت في حقيقتها خاضعة للاستعمار الغربي ولا تملك نفوذا قويا على المستوى الدولي، كما أن الغرب كان يتخذ موقفا متحيزا ضد الإسلام الذي هو العقيدة التي تدين بها الشعوب العربية.
ولا شك أن قرار التقسيم أثار كثيرا من الامتعاض بين الفلسطينيين، وبدأت منذ ذلك الوقت الاشتباكات المسلحة بين اليهود وبينهم خاصة بعد أن تشكل جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي وقد استخدمت العصابات الصهيونية العربات المفخخة ضد الفلسطينيين، وذلك ما أدى بالفلسطينيين إلى تفجير مقر الوكالة اليهودية في القدس، وتصاعد الموقف حتى توصلت الجامعة العربية في أبريل عام 1948 إلى إرسال جيوش عربية من أجل تحرير فلسطين على أن تدخل هذه الجيوش بعد انسحاب بريطانيا من الأراضي الفلسطينية في الخامس عشر من مايو في العام نفسه، وعند ذلك بدأ بن غوريون في الاستعداد للحرب، وحول بالتالي قوى الهاغاناة مما اعتبره مواقف دفاعية إلى مواقف هجومية.
وعندما أعلنت بريطانيا الانسحاب من إسرائيل في منتصف الليل بين الرابع عشر والخامس عشر من مايو بادر المجلس اليهودي الصهيوني إلى القول بأن قيام دولة لإسرائيل سيبدأ في منتصف تلك الليلة، ولم يأخذ الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت هاري ترومان زمنا طويلا لإعلان اعتراف بلاده بالدولة اليهودية دون اعتبار للمأساة التي خلفها إعلان تلك الدولة، ولم يقتصر الأمر على الولايات المتحدة إذ لم تمض ثلاثة أيام حتى كان الاتحاد السوفييتي قد اعترف بتلك الدولة أيضا.
ولا شك أن هذا الوضع المستفز كان السبب المباشر في إعلان حرب عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين وهي الحرب التي شاركت فيها مصر بخمسة ألوية عسكرية ضمت عشرة الاف جندي بينما أرسلت الأردن نحو أربعة ألاف وخمسمئة جندي، كما أرسل العراق نحو ألفين وخمسمئة جندي وسورية نحو ألفي جندي إلى جانب قوات من لبنان والسعودية و جيش الإنقاذ الفلسطيني، وإذا قيس عدد الجنود الذين أرسلتهم الدول العربية في تلك المرحلة بدا العدد متواضعا بالمقارنة مع الجيوش الإسرائيلية التي تجاوز عددها مئة ألف مقاتل. ودون الدخول في تفاصيل المعارك فقد انتهى القتال في يناير عام ألف وتسعمئة وتسعة وأربعين بعد أن سيطر الجيش الإسرائيلي على معظم منطقة النقب، كما حاصر القوات المصرية في منطقة الفالوجة، وبعد نهاية العمليات القتالية جرت مباحثات في جزيرة رودس اليونانية وبوساطة من الأمم المتحدة وانتهت هذه المباحثات بتوقيع اتفاقية الهدنة في العشرين من يوليو عام ألف وتسعمئة وتسعة وأربعين، وبعد ذلك قبلت إسرائيل دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ما زالت أبعادها تتردد حتى هذه المرحلة.
ودون الدخول في تفاصيل الصراع بعد ذلك، فمن المؤكد أن الموقف الدولي من الدول العربية لعب دورا كبيرا في معاناة الفلسطينيين، وكان السؤال دائما هو لماذا يناصر الغرب القوى الصهيونية على هذا النحو، والإجابة كانت تأتي من نواح عدة، إذ يرى البعض أن اللوبيات الصهيونية تلعب في العالم الغربي دورا مهما في دفع الدول الغربية لمساندة المواقف الإسرائيلية، ويرى البعض أن الغرب لديه إحساس بالإثم لما وقع لليهود في ألمانيا، وهناك رأي يقول إن الغرب لا يهتم بقضايا اليهود وهو يدرك أن الصراع العربي الإسرائيلي لن ينتهي لصالح اليهود وبالتالي فإن جعل العرب يقومون بهذه المهمة أفضل للغرب من القيام بها.
ومهما يكن من أمر فلاشك أن الاحتلال الكامل لأرض فلسطين وعدم قبول حلول التقسيم الذي تقبل بها معظم الدول العربية في الوقت الحاضر هو الذي سيعرض الكيان الصهيوني لنهايته المرة خاصة بعد ثورات الربيع العربي وظهور ثقافات جديدة في العالم العربي، ذلك أن إسرائيل لا تستطيع بأي حال من الأحوال أن تتجاهل الوجود الفلسطيني، خاصة بعد أن وصلت أعداد الفلسطينيين في بلاد الشتات إلى الملايين ولابد أن يجد هؤلاء حلا ناجعا لمشكلتهم، ولا يمكن لإسرائيل أن تعتمد على الانقسامات في صفوف الفلسطينيين لأن الشعب الفلسطيني لن يعيش بعيدا عن أرضه كما أن القوة لن تكون وحدها هي العامل المؤثر في الإبقاء على الوضع الحالي، ذلك أن تزايد الشعب الفلسطيني قد لا يترك للفلسطينيين في المستقبل خيارا غير الزحف في مسيرة تعيد الحقوق الضائعة من شعب فلسطين.
وهنا لا بد أن تعيد الدول العربية استراتيجيتها بشأن الحقوق الفلسطينية لأن هذه المشكلة لن تنتهي دون حل ويجب ألا تتظاهر الدول العربية بأنها تناصر القضية الفلسطينية بينما هي لا تملك رؤية واضحة الحل هذه المشكلة كما قال الرئيس جمال عبد الناصر ذات يوم.’ كاتب من السودان