يوسف مكي مضى على تأسيس مجلس التعاون الخليجي أكثر من ثلاثة عقود، وهي فترة زمنية لست قصيرة، نشأ خلالها جيل كامل كان من المفترض أن يجني ثمار هذا التعاون، لكنه لم يجنِ سوى الخيبة ووقع طنطنة مؤتمرات القمة السنوية وغير السنوية التي تُركن قراراتها في الأدراج قبل أن يجف حبرها. إلا أن هذا الجيل الذي نشأ في ظل هذا المجلس وصل إلى خيبة أمل في هذا المجلس بالنظر إلى ضآلة الانجازات والنتائج التي وصل إليها بعد ثلاثة عقود من إنشائه.
واليوم وبعد هذا الوقت الضائع، وخيبات الأمل، وغياب الانجازات، تطرح مسألة الوحدة أو الاتحاد من جديد بين دوله الست أو بعضها، وكأنها قفزة في الهواء، أو هروب إلى الأمام بسبب عدم وجود القاعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتكاملة، والتي كان من المفترض أن يتم انجازها في غضون العقود الثلاثة الماضية.
فعلى امتداد الفترة الماضية لم يستطع هذا المجلس أن يبني مؤسسة تعاونية واحدة بين دوله الست اللهم إلا في الجوانب الأمنية وهي جوانب ليست في صالح الشعوب، إنما لصلح الأنظمة. وحتى التعاون العسكري فيما بينها اثبت عدم جدواه في رد غزو العراق للكويت، وقام بالمهمة عنها الراعي الأمريكي في عاصفة الصحراء. ومع ذلك اثبت هذا التعاون جدواه في البحرين، في قمع الحركة الاحتجاجية السلمية، فقط لأنها لا تملك رصاصة واحدة، او نجاح في الوقوف ضد تطلعات الشعوب.
فترة زمنية طويلة نسبيا لم تستطع هذه الدول مجتمعة أن تصل إلى درجة معقولة من خطوات التعاون المؤدي الى الوحدة، فكيف تقفز إلى الوحدة، في حين لم تنجز مقومات التعاون، ولا حتى التنسيق، أو هي معدومة.
الشيء الأهم أن البنية الاقتصادية الداعمة للوحدة غير قائمة. أما البنية السياسية فهي ابعد ما تكون عن الوحدة، وهي بنية سياسية قبلية متخلفة غير قادرة على بناء فكرة الوحدة عمليا، يضاف إلى ذلك أن البعد الشعبي في الوحدة غائب تماما في هذه الدول. لا شك أن وحدة شعب الخليج والجزيرة العربية يمثل حلما ومطلبا قديما قديما تأخر بسبب طبيعة الأنظمة القبلية، ففي حين تتحدث هذه الدول عن الوحدة فهي لا تعني وحدة الشعوب ومصالحها، إنما تعني وحدة القبائل، وهذه لا تستطيع أن تبني دولة فكيف تستطيع أن تبني وحدة حقيقية بين مجموعة دول متناقضة معنى ومبنى. لذلك فإن ما يطرح اليوم من وحدة بين دول مجلس التعاون أو بعضها إنما يمثل رغبة في الهروب إلى الأمام وذلك تحت ضغط اللحظة التي تعيشها هذه الأنظمة، وليس بفعل حاجة شعبية، فالشعوب في هذه الدول غائبة ومغيبة من المشاركة في القرار الوطني، وبالتالي هي مغيبة من أجندات الوحدة، ولم يؤخذ رأيها فيها.
إن ما يطرح على صعيد الوحدة أنما يمثل رغبة دفينة لدى هذه الأنظمة في الهروب من مشكلاتها الوطنية الحقيقية والاستحقاقات الداخلية كما هي الأمور في البحرين والسعودية بإشغال الناس في مواضيع ليست حقيقية، لأنها بعيدة عنها.
وفي ضوء ما سبق فإن الوحدة المطروحة بين البحرين والسعودية إنما تأتي في هذا السياق من المشكلات السياسية المزمنة، وليس في سياق وحدوي يأخذ مصالح شعوب دول الخليج بعين الاعتبار. بالتأكيد لسنا ضد الوحدة، وإذا ما أُريد لهذه الوحدة أن تكون وحدة معبرة عن إرادة الشعوب لا بد من اشراكها في قرار الوحدة لكي تكون نابعة من ارادة الشعوب وليس من نزوات الحكام وامزجتتهم، ولا بد من مقومات موضوعية وذاتية لمثل هذه الوحدة، وهي مقومات غير موجودة، ويكفي التدليل على ذلك أن هذه الدول ظلت مختلفة بشكل عميق فيما بينها حتى ضمن إطار مجلس التعاون، حتى لو بدت موحدة في الشكل، هذا ناهيك عن الحساسيات التي بينها، وخوفها الغريزي من الهيمنة السعودية، وهي لم تتفق في يوم ما على قضية محلية أو إقليمية أو دولية. فكيف بالاتفاق على الوحدة، فالقبائل لا تتوحد.
دعوة للوحدة للهروب من استحقاقات وطنية ملحة، كما هو واضح في الاحتجاجات الشعبية في البحرين والسعودية. إنها وحدة هروبية، ابعد ما تكون عن الوحدة النابعة من المصالح والهموم الشعبية، فكان على هذه الدول قبل الوحدة تلبية حقوق الشعوب في الحرية والديمقراطية والكرامة، وهي امور كفيلة بتحقيق الوحدة النابعة من الشعوب نفسها. إنها وحدة الحكام، وحدة لا يمكن ان تقوم في ظل انظمة لا تؤمن بالوحدة اصلا، هي وحدة محكوم عليها بالفشل.’ باحث بحراني في علم الاجتماع