الرسامون العرب يسقون جنات متخيلة بدموع الحقيقة

حجم الخط
0

كما لو أن الرسم اختراع عربيفاروق يوسفغالبا ما أشعر بالحيرة، حين أرى اعمال رسامين عرب يقيمون منذ عقود في الغرب، بل قل انهم قضوا حياتهم كلها وهم يتنقلون بين فضاءات ذلك الغرب وبين أنفاقه التحت أرضية. ما يدفعني إلى الحيرة، سلوك تفصح عنه تلك الاعمال، ربما يشير إلى نوع من الانفصام المرضي المعقد. يتضح ذلك السلوك من خلال اصرار اولئك الرسامين على عدم الاندماج بالحاضر الفني الاوربي وتمتين أواصر الصلة بين رسومهم وبين ما انتجه الرسامون العرب الرواد ومن لحق بهم في أوقات سابقة. ولو أننا تأملنا دوافع ذلك السلوك لاتسعت حيرتنا، ولأنفتحت أمامنا ابواب تفضي إلى عالم يغص بالتناقضات الإشكالية. يزعم البعض انه لا يرغب في أن يخضع لإملاءات الفن الغربي الذي يعيش من وجهة نظر ذلك البعض حالة من الفوضى الرخيصة، بل ان هذا البعض لا يذكر الفن الغربي المعاصر إلا بلغة غاضبة ومستاءة، بل ومزدرية. وهناك البعض الآخر الذي يرى في تماهيه مع تجارب الفنانين العرب السابقة نوعا من الوفاء لوعي جمالي قومي أو محلي، وهو عن طريق ذلك الوفاء انما يجسر الفجوة التي وقعت بينه وبين ثقافته الأصلية بسبب الغربة. وفي كل الأحوال فإن ذلك العناد غير المكترث بالحقائق التي تحيط به وتلك المحاولة للعودة إلى الجذور، وهي جذور خاوية كما سنوضح في ما بعد، انما يعبران عن سوء فهم لعلاقة الفنان بمحيطه الفني بكل ما ينطوي عليه ذلك المحيط من امكانيات ثورية أولا، وثانيا عن رغبة مؤكدة في عدم مواجهة الحاضر ومن ثم الهروب إلى الماضي، الشخصي والعمومي على حد سواء. ولو تفحصنا ماضي التجربة التشكيلية في الوطن العربي لاكتشفنا بيسر أن التجارب الحداثوية الأولى وما تلاها من التجارب الإساسية انما هي تجسيد لانعكاس مرآتي لتحولات الرسم في الغرب. لقد وجد رسامون عرب، درسوا الرسم في الغرب ان من شأن تبني طريقة الرسم في الغرب المعاصر أن يساهم في تغيير الواقع الذي تعيشه بلدانهم والارتقاء بمستوى الإنسان. صحيح أن العديد من رسامينا الرواد كانوا اسيري المتاحف، ولم تحرك التحولات العظيمة التي شهدتها الثقافة الغربية في ثلاثينات القرن العشرين وأربعيناته ساكنا فيهم، غير أنه صحيح أيضا أن هناك رسامين قد وجدوا في تجارب رسامين غربيين مثل بيكاسو وأندريه ماسون وماتيس وبول كليه نوعا من الحل الذي يدفع بهم إلى قلب التفكير بطريقة شرقية في الرسم، لكن من غير أن يغادروا شروط صناعة اللوحة الغربية. لا يمكننا والحالة هذه ان نقول ان عقدا أو عقدين أو حتى ثلاثة من الزمن كانت كفيلة بخلق فن، ذي ملامح وصفات تميزه عن فنون الامم الأخرى وتقطع صلته بالفن الغربي. بهذا المعنى فقد بقيت التجربة الفنية التي خاض غمارها فنانون شباب في مختلف البلدان العربية ملحقة بالتجربة الفنية الغربية، بل ظلا ثانويا من ظلال تلك التجربة الغنية بتحولاتها. ألأننا لا نملك تاريخا في الرسم، كما هو حال ثقافات أخرى في آسيا، مثل ثقافات اليابان والصين وحتى ايران، حدث ذلك الالحاق الذي لا يزال يسم حداثتنا بالنقص؟ كان رسامونا كبارا بالمعنى الذي تتحقق من خلاله شروط الصورة الغربية في رسومهم. أما عبارة (الفن العربي) فقد جرى استعمالها وتعميمها عشوائيا، وبالطريقة الانفعالية التي لم يستفد منها أحد في صياغة مصطلح فني محدد. لقد قيل في ما بعد وبما يشبه الاعتذار ان المقصود بتلك العبارة فن يصنعه فنانون من اصول عربية. وهو اعتذار لا يخفي عجزه عن فهم الطريقة التي تتجذر من خلالها الفنون وتمارس تأثيرها وتتغير وتحتل مكانها في تاريخ الشعوب. وكما أرى فإن الرسامين العرب ممن يقيمون في الغرب ويرفضون النظر إلى الحاضر الفني الغربي باحترام انما يشتبكون بذلك الاعتذار عن طريق خطأ التأويل. فـ(الفن العربي) كما جرى تداوله (يجري الآن) ما هو إلا محاولة للتماهي مع طريقة غربية في النظر إلى الرسم، لكن بصيغتها التي كانت متحققة في الماضي. ولا أعتقد أن موهبة عبقرية مثل تلك الموهبة التي كان العراقي جواد سليم يتمتع بها، ستسمح لحاملها أن يرسم بالطريقة نفسها التي استهوته في خمسينات القرن الماضي لو أتيحت له فرصة العيش الآن في الغرب المعاصر.

وفق هذه المعادلة فان رسامينا وقد غرروا بمواهبهم، انما يرفضون حاضر الغرب من أجل أن يتعبدوا وسط شموع ماضيه. ما من شيء حقيقي في محاولاتهم يمت إلى فكرة العودة إلى الجذور بصلة. فتلك الجذور لم تكن إلا وهما. وعلينا هنا أن نفرق بين الاهمية الاستثنائية التي تنطوي عليها تجارب فنانين كبار مثل جواد سليم وأحمد الشرقاوي وصليبا الدويهي وفاتح المدرس وبين طريقة النظر التقديسية إلى تلك التجارب. تقنيا وشكليا وحتى على مستوى المضامين يمكننا النظر إلى تجارب أولئك الفنانين ومعها تجارب كل الفنانين الذين ظهروا في مراحل زمنية لاحقة باعتبارها تجليات لعدد منتقى من تجارب الفن الغربي. ولم يكن ذلك خطأً في مرحلة التأسيس وحتى في المراحل اللاحقة بها، غير أن الخطأ يكمن في اعتبار ما نتج عن تلك المراحل أصلا فنيا، مفارقا لأصوله الغربية. هنا يبدأ سوء الفهم، حيث تمتزج أصوليات ريفيرا المكسيكية ذات الايقاع الواقعي الاشتراكي بمعجمية شاكر حسن آل سعيد الصوفية التي لم تفك ارتباطها بتجارب الاسباني تابيس. ليت ما نفعله كان خلاصة لما أعجبنا به لنستريح. ولكن كل شيء مضى في الطريق الخطأ.

لم يكف الرسامون العرب عن استغفال أنفسهم. كان الواقع المحيط بهم أقوى من أن يحاولوا استغفاله. لذلك انصبت محاولاتهم على أن يجدوا لهم مكانا في السوق الفنية العربية. وهي سوق لا يسأل فيها أحد عن أحد بسبب الموهبة، بل بسبب الشائعة العمياء. صحيح أن بضاعة تلك السوق تعنى بالبصريات غير أنها تولي السمع كل اهتمامها. وكما أعرف فإن رسامي الغرب من العرب لم يجدوا دائما أذنا صاغية لهم في الغرب المعاصر لذلك توجهوا بكل قوتهم إلى الأذن العربية.’عدنا فاتحين’لكن ما هذه الرسوم التي تذكر بالواقعية الاشتراكية؟ ألا يزال الفن الغربي يدور في فلك الحلول التعبيرية والسريالية، بل أن هناك انطباعية عربية تسرف في الاحتفاء بطبيعة ملفقة. سيكون علينا إن رغبنا في الحكم على الفن الغربي المعاصر من خلال ما ينتجه أبناؤنا المقيمون هناك أن نعلن الحداد. فما من فن. الغرب وفق هذه النظرة يكرر ما عرفناه منه في أوقات سابقة. ولكن الحقيقة ليست كذلك. هؤلاء السادة ما هم في حقيقتهم إلا خدم لفكرة قديمة. فكرة طرحها الغرب ونساها. رسوم رسامينا تعيدنا إلى ماضي الغرب الفني. فهل كان ذلك الماضي من اختراعنا لكي نفخر بانتسابنا إليه؟ نرتقي سلم سوء الفهم معا.

بالنسبة لنا فإن الرسم كان ولا يزال صناعة غربية.

كل ما فعله رسامونا الكبار انما يدخل في محاولة التمكن من تلك الصناعة واضفاء شيء من الانفعال الشخصي عليها. وعلينا أن نتذكر أن أولئك الرسامين الكبار كانوا أبناء عصرهم.

لا معنى إذاً للتذكير بهم، انطلاقا من التعريف بأثرهم المبالغ فيه. ذلك الأثر لن يكون له أي معنى. ما دام الأصل، وهو النتاج الفني الاوربي قد غادر المنطقة التي كان مهموما بترميمها. الفن الغربي يقيم في المستقبل فيما يقيم رسامونا المغتربون في ماضيه. في أوقات سابقة لم نكن خدما لذلك الماضي. بل كنا نرى فيه ندا. أما اليوم فان خدمته صارت جزءا من خيلائنا. لذلك لن يكون النتاج الفني الرث الذي صار عدد كبير من الرسامين العرب المقيمين في الغرب يقدمونه إلا تعبيرا عن ماضوية أولئك الرسامين وانقطاعهم عن العصر الذي يستهلكون لذائذه الجمالية اليومية من غير أن يسمحوا لهواء تلك اللذائذ بالمرور إلى أرواحهم. ‘ شاعر وناقد من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية