د. مبروك عبد النبي بدأت معالم الحراك السياسي في تونس تظهر وتتوضح تقاسيمه شيئا فشئيا على الساحة السياسية. وبدأ التدافع المجتمعي يعطي ثماره، حيث أن التهافت بين لاعبي السياسة في تونس كشف أخيرا عديد الحقائق وسقطت من خلاله أقنعة من تستروا والى حين بحجاب الثورية، والركوب على نسائم حرية ما حصل في تونس منذ 14 كانون الثاني/يناير. وما نراه اليوم في الساحة السياسية من تشبث بعض الوجوه المعروفة والاحزاب المحسوبة على الحداثة والتي تسمي نفسها بالوسطية، بآخر رمق لاخماد التحول الاستراتيجي الذي تشهده افريقية الواحد والعشرين، خير دليل على مساعي جهات مختلفة داخلية وخارجية لعرقلة مسيرة بلاد الياسمين في مصار عودتها الى مجدها التليد والضائع، والذي عرفته خلال حقبات تاريخية متعاقبة، سواء في عهد حنبعل الذي قاد قرطاج الى الشموخ والسؤدد، او ابراهيم بن الاغلب الذي جمح بها الى الرقي والتقدم، او المعز لدين الله الفاطمي رغم ما يقال على طبيعة نظامه، والذي فاق صيتها واشعاعها الحد في عصره، واخيرا وليس آخرا حمودة باشا باي الذي جعلها ولو في فترة قصيرة نسبيا في افضل حال واوسع مجال.
وكان القاسم المشترك لهذه الحقبات التاريخية هو الاعتماد على مقومات النجاح لهذه البلاد والتي نختزلها في ثلاثة عناصر، أولها المجال الفلاحي فتونس الخضراء بزراعتها لا يمكن لها التقدم والنجاح الا بفلاحة قوامها التنوع في الانتاج والجودة في المحصول. وثانيها ثقافة أصيلة تنبع من مخزون هذه البلاد التراثي العريض في مجال العلم والمعرفة ومن هويتها المتجذرة في تاريخها الطويل الامازيغي والقرطاجي، رسخ مقوماتها عقبة بن نافع لتكون والى الابد عربية مسلمة. وثالث هذه القواسم المشتركة مؤسسة عسكرية قوية باعتمادها لصناعة متخصصة قادرة على التعامل مع المجتمع من خلال استيعاب عدد كبير من طالبي الشغل وقادرة على التصدير في مجالات يعرفها أهل الاختصاص. كل هذه العناصر مجتمعة كانت وستظل هي العمود الفقري لسؤدد تونس وتقدمها ماضيا وحاضرا ومستقبلا. وعلى الحكومة الشرعية الحالية التي جاءت بها صناديق الاقتراع أن تأخذ بعين الاعتبار لهذه المرتكزات الثلاثة التي عرفت بها تونس شموخها ورقيها.
ويعتبر14 كانون الثاني تاريخا مفصليا لتونس اليوم وايذانا بعودتها الى ذاتها التي علقت، وهويتها التي طمست. وجاءت انتخابات المجلس التاسيسي لتدعم هذا التوجه نحو تحول استراتيجي كبير. غير ان الفشل الذريع الذي منيت به بعض الاحزاب والوجوه المعروفة، والشخصيات التي كانت فاعلة في نظامي بورقيبة وبن علي والتي تريد المحافظة على مصالحها وعلى اديولوجيات رفضها الشارع التونسي، جعلها تبحث في الاطلال وتبكي على ليلاها، كاليائس الذي يبحث عن أمل يطفئ نار خيبته. ولعل الافرازات الحزبية الجديدة والسعي الى التجمع والتحالف ولو بطريقة قيصرية، ولهف البعض في ايجاد تحالفات خرقاء وغير متجانسة، وآخر هذه التركيبة ما عرف بتجمع المنستير الذي سعى لبث الروح في جسم متهالك والبكاء على البورقيبية التي قبرت وانتهت والى الابد، كلها تصب في مصلحة ذاتية وضيقة لم تفد البلاد والعباد لا سابقا ولا مستقبلا، بل تجعل عديد الملاحظين مؤمنين بفشل هذه الزيجات التي تشبه زواج المتعة لقصر المدة وضعف الشروط. فبورقيبة لمن نسيه، وعهده ليس بالبعيد والذي وجد من يتباكى عليه اليوم، قد نشله من السلطة من ينبش على رفاته من دعاة للوسطية وحداثيين فاشلين في عهد بن علي. فبورقيبة همش هوية تونس وقضى على أسس مقومات شخصيتها وهو الذي ضلل الكثير بانه خلقها من عدم، رغم تاريخها الناصع الزاهر بين الامم. وهو الذي افشى فيها الجوع بعد تهميش زراعتها التي كانت بها مطمورة أعظم امبراطرية. وجعلها هزيلة بإضعاف مؤسستها العسكرية التي كانت عبر التاريخ مضربا للامثال في الحرفية الحربية والصناعية. لقد كان بورقيبة وذاكرة التونسي شاهدة على ذلك، قد استأثر بكل شيء. فهو بطل الأمة دون بطولة، والمجاهد الأكبر دون معارك ولا سلاح. فكان الأوحد وليس الأول. وهو تونس وتونس له وحده. فقد صفى معارضيه ومهد الطريق ليكون صاحب السلطان ومدى الحياة. ولا ينسى التاريخ احتفالات مولده التي تأخذ حيزا من الوقت والمال دون رادع او محاسب. فبورقيبة هو اب التفرقة الجهوية وهو باني صرح التفاوت بين المناطق. لقد أفلس بورقيبة حتى نشله من كان معه، وجاء من بعده احد تلاميذه فكان أفلس منه. وبورقيبة وبن علي وجهان لعملة فاسدة. وان المنادين به يعرفون جيدا انهم يرفعون قميص عثمان. والبكاء على الاطلال لا يفيد ومعركة وضع المطبات امام الحكومة الحالية لا يضر الا فاعليه. ويبقى التحدي القائم اليوم امام هذه الحكومة الحالية، وهي شرعية بكل المقاييس، ليس في مجابهة الفاشلين في الانتخابات بل في اعتماد الاصلاحات واختيار الاولويات. وها هي تتلمس خطاها بكل ثبات وتقوم بالاصلاحات بتاني وقد تخطئ، وهي تعترف بذلك ومن اعترف فلا ذنب له. وقد تراجعت في عديد المواقف وهو ما يدل على حسن النية. وما نشاهده من احتقان في عديد المؤسسات والجهات هي من قبيل الحالات العرضية تمر بها جميع المجتمعات في مثل هذه الفترات الانتقالية التي فيها كثير من التهميش والمعاناة. لان حمل ماورثته هذه الحكومة ثقيل. كما أن عودة الروح الى جسم منهك لحقبة طويلة مازالت عوارض الامراض بادية عليه ومستشرية في مفاصله، تحتم وقتا طويلا لعلاجه وصبرا كصبر أيوب لاستئصاله وحزما كحزم أولي العزم لمقاومته. ولعل من اهم التحديات التي تعترض هذه الحكومة هي ما آلت اليه البلاد من ترهل اخلاقي، ديست فيه كل القيم وتلاشت معها الاصول وأفرزت نتوءات مرضية، وخلفت بؤرا من الانحلال الاخلاقي لا حل لها الا استئصالها. والامثلة بينة والشواهد عن ذلك معلومة في الاسرة والمؤسسات بانواعها والشارع، وفي كل المحلات الخاصة والعامة. ويبدو ان اهل السياسة غافلون عن هذا الداء. ألهاهم بريق الكراسي وأعمتهم اللعبة السياسية. وأغلب هؤلاء الساسة أو بعضهم يدركون جيدا انما الامم الاخلاق ما بقيت فان ذهبت اخلاقهم ذهبوا. ولقد بعث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ليتمم مكارم الاخلاق ويبني الانسان لان بناءه جهاد أكبر.
والتحدي الثاني امام الحكومة الحديثة ليست في النمطية الاقتصادية فحسب وانما كذلك في توزيع الثروات بالقسطاس، وجعل العدالة الاجتماعية هي ركن الزاوية للنظام السياسي الجديد. ولا تتأتى هذه العدالة الا باختيار الرجل المناسب في المكان المناسب. فالنزاهة أولا والكفاءة ثانيا هما الصفتان الاساسيتان لمن يتولى الوظائف والمهام بمختلف انواعها. وان الحوكمة ومحاربة الفساد لا يمكن تحقيقهما الا بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وان التكالب على السلطة والابقاء على المحسوبية الجهوية او العرقية او الحزبية قد يلطخ المسار ويعطل حركة البناء والتسيير. والتوافق الذي يعنيه الكثيرون بين أحزاب لمحاصصة سياسية، انما هو في ايجاد توافق بين الجدارة المهنية والنزاهة في تسيير الامور، والعدل أساس العمران. وآخرهذه التحديات التي تواجه الحكومة هي الحرية بمفهومها الواسع والتي تمس مجالات الحياة بما فيها حرية التعبير وحرية الصحافة وحرية التظاهر. وحرية المرء تقف عند تماس غيره والإنسان يصبح معطاء وايجابيا عندما يشعر بالحرية ولا حرية دون مسؤولية، وعاش من عرف قدره.’ دبلوماسي تونسي غرونوبل – فرنسا