تقديم وترجمة:
محمد الفحايمرحل الكاتب الإيطالي الكبير أنطونيو تابوكي في البرتغال عن سن الثامنة والستين يوم الخامس والعشرين من شهر آذار (مارس ) من العام 2012 . نشر روايته الأولى ‘ساحة إيطاليا’ عام 1975، فتتالت بعدها أعماله الروائية حتى بلغت الثلاثين، شكلت إيطاليا الينبوع الذي كان ينهل منه مادة كتابته. لما قرأ فرناندو بيسوا وقع في أسر البرتغال، فشغف بلغته وبأدبه، تعلم البرتغالية وأضحى اسمه مرتبطا بهذا الكاتب الإستثنائي فرناندو بيسوا الذي نقل أعماله إلى الإيطالية وساهم في التعريف به في إيطاليا، فقدم محاضرات وأنجز دراسات عن حياة الرجل وأعماله جمعها في كتاب سمّاه ‘حقيبة ملأى بالشخوص’. تزوج من برتغالية وعين مديرا للمركز الثقافي الإيطالي بلشبونة أواخر الثمانينيات، ومنذ ذلك الحين توزعت حياته بين وطنه الأم إيطاليا ووطنه بالتبني البرتغال، حتى إنه كتب رواية عام 1992 باللغة البرتغالية بعنوان Requiem، وبعدها بعامين ألف روايته الكبرى عن البرتغال ‘بيريرا يدّعي’ . تقوم كتابته الروائية على مجموعة من السمات نجملها في اختياره لسرد يمتاز بالتشظية وتفكيك أوصال الحكاية وهيمنة النبرة الغنائية النابعة من شغفه بالشعر قراءة وترجمة، والميل إلى العجائبي والحلمي. ويمكن اعتبار تحفته الروائية ‘تريستانو يحتضر’ تجسيدا رائعا لهذه الخصائص الحديثة.. اختطّ تابوكي لنفسه نهجا متميزا مكنه من احتلال مكانة متفردة في الأدب الإيطالي المعاصر، بفضل دأبه واشتغاله المتواصل في ابتكار أسلوبية جديدة، ومواقفه السياسية المضادة التي جعلت منه مثقفا عضويا يرفع عقيرته منتقدا ومعارضا ومحتجا.. يعتبر تابوكي من ألذع نقاد بيرلسكوني وأشدهم بأسا على نهجه السياسي الذي اتبعه بعد أن انتخب رئيسا للحكومة الإيطالية عام 1994. طوال مسيره ظل كاتبا ملتزما ومثقفا مسؤولا وعاشقا كبيرا للبرتغال، غادر دنيا الأدب تاركا أعمالا كبيرة ستخلد اسمه في الأدب الإيطالي المعاصر إلى جنب مشاهير سبقوه كدينو بوزاتي وإيتالو كالفينو.. قالت مجلة ‘الإكسبرس’ في الملف الذي خصصته له بمناسبة تأبينه: ‘يرصد الشرط الإنساني بدءا من عتماته، كيما يكشف عن آلياته الموغلة في الخفاء، يجلو هشاشة أقدارنا في أعمال يلعب فيها الزمن أيضا دورا محوريا، هذا الزمن الهارب الذي يمحو آثارنا وذكرياتنا المخطوطة على رمال الماضي المتحركة’. نص الحوار: *بغض النظر عن كونه تأملا في الزمن، ألا يعدّ كتابكم الأخير* وسيلة لترويض الشيخوخة أي الموت؟*لماذا نكتب؟ هذا سؤال أبدي، في اعتقادي إن جميع الكتب التي نكتب، تطمح، بالفعل، وبصورة ما، إلى ترويض الموت. ربما يكتب المرء لأنه يهاب الموت، لكن يمكننا القول كذلك بأننا نكتب لأننا نهاب الحياة، فهذا أمر معقول أيضا. إن الخوف شأن يطغى على الكتابة، إنه الوقود الذي يجعل محرك الكتابة يشتغل.
من يدري كم من الوقت يمكن لعمل ما أن يبقى؟ أما أنا فلا أعقد آمالا على الخلود. حاصل القول ـ لكي أعود إلى الحديث عن كتابي ـ إن الخلود والدوام والعلاقة بكرونوس أي بالزمان هي الشخصية الرئيسة لهذا الكتاب، إنها الشخصية الناظمة التي تتحكم في باقي الشخوص. فكما في كتابي: ‘سوء فهم بلا قيمة’، يوجد شخص مستعار أكبر من الشخوص الأخرى هو ‘المفارقة’. أفضل، بالأحرى، أن أنظر إلى كتابي كما لو أنه لوحة للرسام أركيمبولدو*، تتكون من عناصر متباينة، إذا ما نظرنا إليها من مسافة معينة، فإنها تشكل صورة تؤطر كل الشخوص، هذه الصورة هي الزمن بحق، زمن الحداثة الذي يعنيني أكثر فأكثر. كتبت كتابا بعنوان Il se fait tard ,de plus en plus tard، أبحث فيه عن اصطناع طريقة معينة لقياس الزمن في حداثنا.
بعد رواية ‘تريستانو يحتضر’ حيث ثمة جدلية بين زمن التاريخ وزمن حياة الشخصية دفعني الشوق إلى أن أنكب على هذه الطريقة التي نحيا بها الزمن، والتي لا تنتمي إلا لحداثتنا. وفي الواقع حصل عندي انطباع مفاده أن إحساسنا بالزمن يختلف كثيرا عن الإحساس الذي كان عند البشر في حقب أخرى. أعتقد الآن، في ما بعد حداثتنا، أن ثمة تفاوتا صارخا بين زمن الوعي أي زمن حياتنا، زمن الدوام كما يقول بيرجسون، وبين الزمن الخارجي، ذلك الذي تجري فيه كل الأشياء التي نسميها التاريخ أو الحدث بالأحرى. وعندي إن ثمة تفاوتا كبيرا جدا بين الحدث والوعي، ولربما هذا هو ما يجعل التدافع الاجتماعي وحتى الاقتصادي يضطرب.*لماذا اخترتم شكل مجموعة قصصية؟*لقد كتب ميلان كونديرا نصوصا رائعة حول ما نسميه بالرواية الحديثة. يقول من ضمن أشياء أخرى، بأن الشعور بالزمن الذي كان يسم الرواية التقليدية مختلف كل الإختلاف عن ذلك الذي يسم الرواية الحديثة. يمكن للرواية الحديثة أن تتشكل من شذرات ونتف، وإني لأوثر كثيرا حجم المحكي الوجيز وشكل القصة القصيرة. فهما قياسان مغايران بصفة كاملة للرواية، وبحسب قول خوليو كورثار: ‘فإن كاتب القصة القصيرة يعلم أن الزمن ليس صديقه’. تشبه كتابة قصة قصيرة كتابة قصيدة فروسية أو كتابة سونيتة في الشعر، إذ تعدّ السونيتة شكلا مغلقا، ولذا فهي تحدّ أكبر لمن يروم كتابتها، والشيء نفسه يقال عن القصة، بحيث يمكننا اصطناعها في فضاء زمني محدد جدا، لكن لا يمكننا هجرها أثناء الكتابة. فإذا ما تركتم قصة قصيرة غير مكتملة وحاولتم استئناف كتابتها بعد مضي ستة أشهر، ستدركون أن هذا السعي غير ممكن. أما الرواية فإنها تنتظركم، لأنها تمتاز برحابة الصدر، يمكنكم أن تتركوها، فتزوروا أقصى بقاع العالم ثم تعودوا بعد انصرام حول، لتلفونها تنتظركم بصبر. إنها مثواكم وقطعة منكم. أما القصة القصيرة فهي شقة مأجورة، لو غادرتموها من دون إخطار، فإن المالك سيقول لكم خلال عودتكم: ‘آسف، إن شخصا آخر يقيم بها’.*تعترفون طواعية بأنكم مفتونون بقراءة قصيدة ‘دكان التبغ’ * لفرناندو بيسوا’ *طبعا، كنت مفتونا بسبب استعماله الشكل الروائي في الشعر، كان يحصل أن يجعل من شعره روايات ومسرحيات، وهو أمر صعب.
إن اكتشاف حداثة مسرحية ظاهرة للعيان في قصيدة كتبت في الثلاثينيات، ليبعث على الإفتنان. لقد صاغ بيسوا ‘الكوميديا الإنسانية’ شعرا: فكرة البناء والمعمار نابعة من الرواية.* أما يزال تأثير بيسوا فيكم كبيرا؟*كل شيء يؤثر فيّ، يتملكني العجب حين أسمع بعض الكتاب يقولون: ‘أنا لم أتأثر بأحد، أنا أصيل كل الأصالة’، أشاطر رأي فيليب روث حين يقول: ‘إن الكاتب الجيد يسرق، أما الكاتب الرديء فيقلد’، كل كاتب ـ في العمق ـ سارق. إنه يسرق الواقع، وحكايات الآخرين، إنه متلصص ومتنصت.. يسرق فيهضم ثم يحوّل. إنه شره.*لكن، هل قراءة قصيدة بيسوا هي التي ألهمتك موهبة الكتابة؟*لا، لقد أصبحت كاتبا فيما بعد بقليل، نشرت روايتي الأولى في سن الثانية والثلاثين، وفي الواقع فإني صرت كاتبا بالمصادفة وبسبب الشعور بالضجر. كتبت روايتي الأولى لأني كنت أشعر بالسأم. والحاصل أنا كنا في المدينة، وكان الوقت صيفا، ولم يكن بمقدورنا الحركة بسبب انتظارنا لمولودنا الأول. كنت أعمل باحثا في المدرسة العليا للأساتذة الكائنة بـ Pise ، فلكي أزجي الوقت وألهو شرعت في الكتابة، أقول ألهو لأن الكتابة لعبة أيضا، بيد أنها لعبة غاية في الجدية. نجني من الكتابة ألوانا من المعاناة، لكن نجني منها لذائذ كبيرة كذلك. حين فرغت من الكتاب تركته، هنا، في منزلي، إذ لم أكن أتوقع أن أنشر بخاصة، كنت مدرسا وباحثا وفقيه لغات، كنت مشغولا بمخطوطات باروكية اسبانية وبرتغالية أساسا. لقد كانت هذه مهنتي، زد على ذلك أني واصلت تدريس فقه اللغات طوال حياتي.
مرت سنتان، فحضر صديق للعشاء في منزلي، هو إنريكو فيلبيني الذي كان يدير دار النشر Bompiani، رأى المخطوط فحمله ثم قرأه وقرر نشره. إنها المصادفة إذا، لكن كما كان فيكتور هوغو يقول: ‘إذا ما وجدت المصادفة فستكون بارعة جدا’.*تعلمتم البرتغالية، بل كتبتم بها رواية ‘صلاة لراحة الموتى’ …*حين عدت إلى إيطاليا شابا، وقد قرأت للمرة الأولى بيسوا، اكتشفت أن اللغة البرتغالية تدرّس في شعبتي بالجامعة، فقلت: يا لها من فرصة طيبة أتعلم فيها لغة هذا الشاعر العظيم. إذا، تعلمتها وأنا راشد. وإذا ما كنت اليوم مزدوج اللسان، فإن ازدواجيتي اللغوية ليست طبيعية لكوني أتحدث اللغة بطريقة مخالفة لمحيطها، فليست البرتغالية، عندي، في مستوى اللغة الإيطالية. لنقل إني اعتنقت دينا آخر وأنا راشد. فأنا لست الشخص ذاته لمّا أكتب بالإيطالية أو بالبرتغالية. ولمعرفة سبب كتابتي لـ Requiem بالبرتغالية، فالأمر شديد البساطة: في باريس، استيقظت ذات يوم وأيقنت أني كنت قضيت الليالي الأخيرة، وأنا أحلم بالبرتغالية. والحال أني أعتقد بأن المرء إذا ما كان يحلم في لغة ما، فإن هذه اللغة تنتمي إليه انتماء عميقا، إنها جزء من روحه، فهي لم تعد وسيلة للتواصل فقط. عندئذ دوّنت باليرتغالية المحادثات التي ترصّع هذا الحلم، ثم واصلت تأليف الكتاب في هذه اللغة نفسها، وكان هذا الأمر يبدو لي طبيعيا. *لست الشخص نفسه في الإيطالية وفي البرتغالية؟ *لا، إن لغة ما هي صورة أيضا للكينونة، إنها سياق مغاير، عالم ثقافي، حكاية مختلفة. ذلك الذي يكتب بالبرتغالية هو، إذا، ذاتي الأخرى، هو أنا، لكنه شخص آخر. نواجه حقيقة الغيرية وتعددية الذات حين نكتب في لغة أخرى.*لقد ترجمتم قصائد عديدة من لغات مختلفة، هل تنسى الكاتب الذي هو أنت حين تترجم؟*نعم، ترجمت بيسوا، وترجمت أيضا إميلي ديكنسون، وبعضا من قصائد رامبو، لم أنشرها بعد، وأحتفظ بها في درج. أنا قارئ كبير للشعر، بيد أن لغتي لا تنتسب لعالم الشعر، وقريحتي لا تسعفني على كتابته. أحاول إنجاز ترجمات أعتبرها ‘ترجمات خدمة’، أهب نفسي فيها لخدمة الشاعر، وعندي إن ترجمة الشعر تمرين ينتسب إلى المحاكاة أكثر من انتسابه إلى إعادة الإبداع، فأن يقدم المرء ترجمات لبعض الشعراء يعني أن يخوض تجارب حب لا تتعلق، البتة، بعمل دبلجة أو بإيجاد مقابلات للكلمات ذاتها، ولكن بعمل ذي طابع خاص ونبرة شخصية.*نشعر في كتبكم أن شخصياتكم كائنات تسعى دائما للبحث عن ذاتها بواسطة الآخرين وبواسطة الحياة…*ربما تعتبر حياتنا، في العمق، بحثا عن ذواتنا، وحتى أبسط واقعة تتعلق بسرد حياتنا أو سرد ما وقع في يومنا هي وسيلة لفهم من نحن وما نسعى إليه، فالحياة لا منطقية وغير مفهومة بحيث إننا نستشعر الحاجة إلى منحها شكلا سرديا منطقيا قادرا على ربط الأحداث فيما بينها، إنها الرغبة، إذا، لإعطاء معنى لحياتنا، أي لذواتنا.*لقد قلتم يوما: ‘الخيال والأدب شكلان للمعرفة’ ، نفهم قصدكم بالنسبة للأدب، أما بالنسبة للخيال فكيف يمكن اعتباره شكلا للمعرفة؟ *بدون خيال فالتقدم غير ممكن حتى في البحث العلمي، إذ ينبغي صوغ فرضيات وهو ما يعني أن نتخيل، كما ينبغي التزود بالحدس، لأن الحدس شكل من أشكال المعرفة أيضا، شكل منطقي، لكنه شكل للذكاء، وطبعا ثمة بون شاسع بين الخيال والعجائبي.*أيعد الأدب في نظركم مهنة أم ضرورة أم شغفا؟
كلها معا. أحيانا أشعر بالحاجة إلى الكتابة، ليست حاجة فيزيولوجية كالأكل أو الشرب، بل هي رغبة من القوة بحيث لا تقاوم. ليست الكتابة مهنة إنما هي حرفة بالمعنى الأكثر حرفية للكلمة، فثمة كتاب ذوو شأن يؤسطرون الموهبة والإلهام. وفي الحق، إن كلا من الرغبة والخيال لأشياء مهمة جدا، غير أن الحقيقة تعني كذلك أن يجلس المرء لوقت طويل، فيكتب ويشتغل ويكون مثل الساعاتي الذي يدخل قطعته الدقيقة في آلة ساعته التي يصنع. من دون العمل يصبح الأدب صمتا وفرقعة أصابع.
حين يطلب مني كتاب شباب بعض النصائح أمتنع عن إسدائها لهم، أو بالأحرى لا أعطيهم سوى واحدة: ‘إذا ما كان ثمة نجار في حيكم، فزوروه مساء قبل أن يوصد محله، ثم أنظروا ما على الأرض’ …*حين تشرعون في تأليف كتاب، ألديكم تصميم مسبق؟ هل أعد كل شيء في ذهنكم؟*في الواقع، لكل كتاب متطلباته الخاصة. عادة ما تكون لدي فكرة غائمة عن الحكاية، لكنها تسلك طرقا غير متوقعة، أحيانا تصير الشخوص مستقلة بدرجة كبيرة حتى إنها تحتاج إلى إثبات فرديتها.
الكتابة حيوان متوحش لا يمكن للمرء أن يدّعي ترويضه ترويضا كاملا، ثمة شخصية تعتقدون أنها ستصبح الشخصية الرئيسة، وبعد حين تغادر المشهد، وتحتل شخصية أخرى مكانها. طبعا نعدّ تصميما لكنه لا يشبه التصميم في السينما بحيث كل شيء فيه متوقع. هنا، يخوض المرء غمار مغامرة، يقوم برحلة.*دار سجال بينكم وبين أمبرتو إيكو حول دور المثقف..*ليس سجالا. في بداية فترة بيرلسكوني، ولمّا أثير كثير من اللغط، وطفق ناس كثر يتكلمون، كتب أمبرتو إيكو بأن المثقف ينبغي له أن يصمت، وأردف بأن المثقفين يظهرون غطرسة حين يطالبون بالحق في المزيد من الوضوح، واستخدم هذه الإستعارة: إن المثقف مواطن كباقي المواطنين، وإذا ما احترقت شقته، فإن واجبه يكمن في المناداة على رجال الإطفاء مثل باقي المواطنين الآخرين.
أما أنا فأجبت بإيجاز: إذا ما كانت شقتي تحترق، فإني سأنادي، بالطبع، على رجال الإطفاء، لكني أرغب في أن أعرف، زيادة، إذا ما كان الحريق ناجما عن تمّاس كهربائي أو عن قنبلة مولوتوف. وأعتقد أن دور المثقف يكمن هنا، أن يسعى إلى أن يستزيد فيعرف أكثر مما تقدمه لنا السلطات.*بما أننا نتحدث عن دور المثقف، ألا ينتابكم، أحيانا، الإحساس بأنكم تقرأون من منظور سياسي جدا؟ *لقد حصل هذا، خصوصا، مع رواية ‘بيريرا يدّعي’. لقد طغت القراءة السياسية على قراءة أخرى تعدّ، في اعتقادي، أهم بكثير، عنيت القراءة الوجودية، لأن هذه الرواية رواية تستبطن حياة ووعيا.
الظروف التاريخية هي التي تحدد قراءة بعض الكتب، فرواية ‘بيريرا يدّعي’ تتحدث عن فاشية سالزار، وإذا ما كنت اخترت كتابة هذه الرواية، فلأني، لا شعوريا، كنت أحس بهبوب رياح رديئة تذكرني بسنوات الثلاثينيات التي شهدت بروز قوميّة ما، ونزعة كره للأجانب. في غضون ذلك و لو أن هذا لا علاقة له بكتابي وصل بيرلسكوني إلى الحكم، فطلع أول نقد لكتابي من إحدى صحفه يحمل عنوان: ‘رواية بريجنيفية’ *، إذا، هم الذين عثروا على أنفسهم في روايتي، وهم الذين وجهوا إيطاليا كلها لتقرأ هذا الكتاب بوصفه رواية مضادة لبرلسكوني. وهذا مثال رائع لقراءة تحددها الظروف التاريخية.
ها كم مثال ‘دون كيخوته’ ، فحين كتبه ثربانتس، قرئ باعتباره حملة على رواية المغامرات، وجاء عصر الأنوار فقرأه من منظور مختلف، ثم من بعد جاء الرومنسيون والتحليل النفسي… وفي كل مرة تنشأ قراءة أخرى.*في رواياتكم، لا تعدّ الشخوص الرئيسة ‘أبطالا’ أبدا، بالمعنى البارز للكلمة…*من دون شك، لأن الشخصيات البطولية بالمعنى الرومنسي التقليدي للكلمة، تجعلني أحس بعض الخوف. لكي تكون بطلا حقيقيا ينبغي ألاّ تشعر، وينبغي، بخاصة، أن لا ينتابك الخوف، أمّا أنا فأخاف من الأشخاص الذين لا يشعرون بالخوف، أفضل الأشخاص الذين يخافون، فالخوف نوع من الحكمة، الخوف إنساني. *غالبا ما تحكون في كتبكم حكايات الشخوص… في الحق، لا أحكي قصصهم، إنما أعطي بعض الإشارات والتوجهات، لأنني، أنا أيضا، أرغب في معرفة من أين يأتون، وكيف يجيئون. إن الأمر في غاية الغرابة، لماذا وكيف ينبجس كائن، مخلوق طيف في وعيكم، ويكتسب، شيئا فشيئا، سلوكا ووجها وصوتا ويبدأ في استرعاء انتباهكم.
في الواقع، يشعر المرء دائما بأنه مذنب بعض الشيء في حق شخوصه، إذ يهبها الحياة فتخرج من الظلمات إلى النور، فتعيش ثم نسجنها في قفص ونلزمها بالعيش، إلى الأبد، داخل الحكاية التي أبدعناها. أن نحكي للقارئ كيف خلقت شخصية مّا، هو بمعنى ما أن نهبه هدية، أن نقول له: إني وهبتكم هذه الشخصية فاجعلوا منها ما تريدون، بمقدوركم أن تتخيلوا لها حكاية أخرى.* كاتب ومترجم من المغرب المصدر: صدر الحوار في المجلة الأدبية الفرنسية المعروفة ( Le magazine li’raire )-2009-، وأعادت نشره بمناسبة رحيل الكاتب في موقعها الإلكتروني بتاريخ 22 / 03 / 2012 . هوامش من وضع المترجم:* يتعلق الأمر بكتابه الأخير: ‘الزمن يشيخ بسرعة’ ، ترجمه إلى الفرنسية Bernard Comment، ونشرته دار غاليمار بتاريخ 15 / 05 / 2009 . والكتاب مجموعة قصصية.
قصيدة ‘دكان التبغ’: كتبت عام 1928 بتوقيع أحد البدلاء الذين ابتكرهم الشاعر فرناندو بيسوا، هو ألبارو دي كامبوس، قصيدة شعرية باذخة تشي بمعاني السأم والمرارة واستشعار الهشاشة والصمت وانعدام المعنى… تبدأ القصيدة بالأبيات التالية: أنا بلا قيمة أبدا، لن تكون لي قيمةليس بمقدوري أن أكون ذا قيمة…* أركيمبولدو: رسام إيطالي ( 1527 1593)* بريجنيفية: نسبة إلى الحاكم الشيوعي في الإتحاد السوفييتي، ليونيد إليتش بريجنيف ( 1906 ـ 1982(.