قرأت في بعض المواقع الإلكترونية خبرا مفاده إقدام محهولين بمنطقة ماجل بلعباس من ولاية القصرين على إحراق شجرة تسمى البطوم يعود تاريخها إلى 1800 سنة خلت قد يبدو هذا الخبر عاديا بالنسبة للكثير من الذين لا هم لهم في هذه البلاد سوى الوقوف على أرصفة السياسة الجوفاء لتصيد أخطاء الحكومة وتشرذم المعارضة دون إبداء أي إهتمام لهذا الوطن العزيز على قلوبنا.
عملية الحرق هذه حسب رأيي المتواضع تعتبر من بين أفظع الحوادث التي شهدتها تونس عقب الثورة خصوصا بالنسبة للذين يكنون حبا دفينا لها ولتاريخها الضارب في القدم فكيف سولت أنفس خبيثة لبعــــض الجهلة حتى يقوموا بمثل هذه الفعلة النكراء وماذا إســـــتفادوا من ذلك ولعلي أتساءل أيضا كيف سيواجهون أنفسهم وهم قاموا بإغتيال أهم ما بقي لنا من تاريخنا القديم فهذه الشجرة وإن كانت مثلها مثل باقي الشجر إلا أن لها رمزية تجعل منها كتابا مزروعا في هذه الأرض يختزل تونس حتى قبل ان تسمى بهذا الإسم وهي شاهدة على عديد الحضارات التي تعاقبت على هذه البلاد فبحق الذي لا إلاه إلا هو أتوجه لكم بهذا السؤال لماذا أحرقتم البطوم؟
صدقوني حين أقول لكم أعزائي القراء أنه حين قرأت هذا الخبر خالجتني مشاعر حزن ممزوجة بالأسى على هذه الحالة المرضية التي وصل إليها البعض منا فهذه الشجرة التي مرت عليها حضارات متعاقبة وكانت البعض منها عنيفة أو قامت بعمليات تخريب وحرق إلا أن هذه الشجرة بقيت صامدة في وجه التاريخ الأسود لبعض من حاول تركيع تونس وللجغرافيا القاسية التي شهدتها بعض السنين الخوالي.
فالرومان قاموا برش الملح على الأراضي التونسية ثم أحرقوها حين أرادوا تركيعها وقائدها حنبعل والكاهنة فعلت نفس الشيء في حربها مع الفاتحين كذلك أبى جرجير الملك ان يسلم هذه الأرض إلا محروقة لأصحابها الجدد ووعد من يقتل قائدهم عبد الله بأن يزوجه إبنته ويشاطره ملكه كما أن الفاطميين بعد خروجهم من تونس سلطوا عليها قبائل بنو هلال وبنو سليم فأحرقوا الأخضر واليابس وعاثوا في الأرض فسادا إضافة إلى كل ذلك ما أرتكبه الإستعمار الفرنسي في حق هذه الأرض الطاهرة حيث قام بالعديد من الإنتهاكات لأكثر من سبعين سنة ولا ننسى طبعا حقبة الديكتاتورية في فصليها البورقيبي والنوفمبري وما فعلته بهذه البلاد.
لكن رغم كل هذه المحن وغيرها التي مرت لم يجرأ أي من هؤلاء على الإقتراب من البطوم أو إيذائها فقد ظلت شامخة غير عابئة بكل هؤلاء الجبابرة الطغاة فجميعهم مر من هنا وذهب وأنقضى وبقيت البطوم كما هي واقفة شاهدة على كل تلك الأحداث التي شهدتها تونس منذ ما قبل الميلاد إلى الأن إلى أن جاءت الثورة التي من المؤكد أنها أفرحت البطوم التي سرها ان ترى تونس حرة طليقة لكن لم يذهب في ظنها ان نهايتها للأسف الشديد ستكون على يد بعض الجهلة الذين عايشوا الثورة ولم يستوعبوها ولم تحرك فيهم شيئا من الإحساس بالرجولة والنخوة والإنتماء لهذا الوطن فالأكيد أن شجرة البطوم قد نظرت بشموخ إلى هؤلاء الجهلة وهي تحترق وتقول في نفسها لم يجرأ الملوك والأسياد على حرقي وتجرأتم أنتم أيها الـ… فوداعا تونس فقد إطمئننت عليك في نهاية هذه الرحلة الطويلة من العمر ونحن نقول لها وداعا أيتها البطوم وعذرا إن كنا قد عجزنا عن حمايتك فليتك تخبرينا عن قاتلك.
الناصر الرقيق[email protected]