القاهرة – رويترز: مع اقتراب اول انتخابات رئاسية في مصر منذ سقوط الرئيس السابق حسني مبارك يأمل المصريون في أن يعيد الرئيس المنتخب تنشيط اقتصاد البلاد المتعثر. وسقط الاقتصاد المصري في أزمة حين أطاحت انتفاضة بمبارك في شباط/فبراير من العام الماضي إذ أغلقت البنوك لأكثر من شهر وأدى الانفلات الأمني إلى تعكير صفو مناخ الاستثمار ونظم العاملون إضرابات للمطالبة بتحسين الأجور. ولم يتعاف الاقتصاد تماما منذ ذلك الحين مع ابتعاد السياح والمستثمرين بسبب الخوف من الغموض السياسي والاضطرابات الناجمة عن الاطاحة بمبارك. وارتفع معدل البطالة الرسمي إلى 12.4 في المئة في الربع الرابع من عام 2011 ارتفاعا من 8.9 في المئة قبل عام. لكن بعض مجالات الاقتصاد ما زالت صامدة على نحو جيد. فقد عوضت عائدات قناة السويس القوية وصادرات النفط والغاز وتحويلات المصريين العاملين في الخارج جزئيا الانخفاض في عائدات السياحة واستثمارات الشركات الأجنبية. ويقول أصحاب الأعمال إن الأسوأ من ذلك هو الإخفاقات المتتالية للحكومة التي عينها المجلس العسكري الحاكم منذ ذلك الحين والتي فشلت في الحصول على مساعدة طارئة من مانحين دوليين وفي احتواء أعمال العنف في الشوارع أو إطلاق استثمارات كبيرة جديدة لتنشيط النمو. وأدت هذه الأوضاع إلى تعاظم الآمال المعلقة على الرئيس الجديد الذي ستبدأ مصر عملية انتخابه في 23 ايار/مايو حيث يستعد قادة المجلس العسكري لتسليم السلطة للمدنيين. ويتنافس المرشحون على أصوات الناخبين من خلال وعود بمكافحة الفساد وتوفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة في البلد الذي ينتشر فيه الفقر. لكن في ظل اقتراض الحكومة بفوائد شديدة الارتفاع واشتراط المقرضين الأجانب خفض العجز قبل تقديم القروض لن يتمكن الرئيس المصري الجديد من اكتساب الشعبية عن طريق توفير مزيد من الوظائف الحكومية أو زيادة الدعم على السلع الأساسية. ولن يكون أمام الرئيس الجديد خيارات كثيرة سوى العمل على تحقيق المطالبات باقتصاد أكثر عدالة وكفاءة. وهذا يعني قطع الصلة بميراث مبارك حيث كانت الدولة تضع عراقيل أمام الأعمال لا تستطيع تجاوزها إلا الشركات الكبيرة التي لها صلات وثيقة بالنخبة السياسية. ويتبنى المرشحون الرئيسيون سياسات شتى إذ يتبنى محمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين نظام السوق الحرة، بينما يتبنى حمدين صباحي المرشح اليساري نظاما يتسم بتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية. فهو يرى أن تكون الدولة قائدة في ‘الصناعات الاستراتيجية’ مثل الصلب والأسمنت والنسيج والأسمدة ومجموعة من المشروعات الضخمة. ويتطلع مرشحان رئيسيان آخران هما عمرو موسى وزير الخارجية السابق في عهد مبارك والإسلامي عبد المنعم أبو الفتوح إلى أن يلعب القطاع الخاص دورا قياديا. وخلال حكم مبارك حدث تحرير جزئي للتجارة والاستثمار عزز النمو إلى أكثر من سبعة بالمئة في السنة المالية 2007-2008 قبل أن يتباطأ إلى خمسة بالمئة بعد الأزمة المالية العالمية. ووعد جميع المرشحين البارزين بتنشيط الاقتصاد من خلال استثمارات كبيرة في صناعات استراتيجية مثل الطاقة والزراعة وتنفيذ مشروعات صناععلى امتداد قناة السويس وفي سيناء وجنوب البلاد. ووعد مرسي برفع النمو الاقتصادي إلى سبعة بالمئة خلال خمسة أعوام وخفض التضخم الذي يبلغ حاليا نحو 8.8 بالمئة بأكثر من النصف. وقد انكمش الاقتصاد المصري في 2011 وفقا لمعظم الحسابات بسبب الاضطرابات السياسية في البلاد. وتظهر استطلاعات الرأي حاليا تقدم موسى وأبو الفتوح على سائر المنافسين. وقد أعلن كلاهما بالإضافة إلى مرسى أنهم سيخفضون دعم الطاقة لجميع المواطنين إلا الفقراء. ويشكل هذا الدعم حاليا 20 بالمئة من إجمالي الإنفاق الحكومي وقد يكون خفضه هو أقل السبل وطأة لخفض عجز الميزانية. وتتوقع ميزانية الحكومة المؤقتة بالفعل انخفاض العجز في العام المقبل إلى 140 مليار جنيه مصري (23.2 مليار دولار) من 144 مليار دولار في السنة الحالية التي تنتهي في حزيران/يونيو. ولا تقدم الانتخابات إلا حلا جزئيا لمستقبل مصر. فالناخبون سيذهبون للادلاء بأصواتهم وهم لا يعلمون سلطات رئيسهم الجديد بسبب تأخر صياغة الدستور الجديد. غير أن انتخاب رئيس جديد قد يساعد على إنهاء الخصومة بين الحكومة والبرلمان الذي يهيمن عليه الإسلاميون التي أثنت صندوق النقد الدولي عن إبرام اتفاق قرض طارئ بقيمة 3.2 مليار دولار من شأنه دعم موارد الدولة والمساعدة على استعادة ثقة المستثمرين. وقد يظل المستثمرون الأجانب الذين خرجوا من مصر بعد الانتفاضة غائبين لمدة شهور بل وأعوام بعد أن يتسلم السلطة رئيس جديد إذ سينتظرون ليروا إن كان سيحظى بالتأييد السياسي والصلاحيات الدستورية ليحول الأقوال إلى أفعال. وقد تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 440 مليون دولار في الفترة بين يوليو تموز وسبتمبر أيلول من العام الماضي بحسب أحدث البيانات المتاحة من 1.60 مليار دولار قبل عام مما جعل ميزان المدفوعات يسجل عجزا قدره 2.36 مليار دولار مقارنة مع فائض قدره 14.7 مليون دولار قبل عام. وقد تجنبت الحكومة التي عينها المجلس العسكري وهي تحاول المحافظة على الاستقرار اتخاذ إجراءات ربما اعتبرها البعض لا تحظى بشعبية خلال الفترة الانتقالية لكن كان من شأنها وقف التدهور في مالية البلاد. وبسبب ارتفاع الاقتراض الحكومي ارتفعت فوائد الاقتراض المحلي إلى مستويات تاريخية فوق 15 بالمئة منذ انتفاضة العام الماضي. وهذا ساهم بدوره في تفاقم عجز الميزانية وحرمان الشركات من فرص الحصول على تمويل في سوق الائتمان. ومع تراجع الاستثمار الأجنبي في 2011 وانخفاض إيرادات السياحة بنسبة 30 بالمئة وهما مصدران مهمان للعملة الأجنبية في مصر تراجع الطلب على الجنيه المصري. وحصرت الحكومة انخفاض الجنيه منذ الانتفاضة في نحو أربعة بالمئة عن طريق سحب أكثر من 20 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي التي تراجعت إلى نحو 15 مليار دولار أي ما يغطي الواردات لأقل من ثلاثةأشهر. ويقول بعض الاقتصاديين المقيمين في مصر إن هناك علامات على أن الحكومة تتعمد حاليا إعاقة واردات السلع غير الأساسية لإبطاء وتيرة تحويلات العملة الأجنبية إلى الخارج. ووعد جميع المرشحين بتحقيق العدالة الاجتماعية ومكافحة الاحتكارات والفساد المتفشي. لكن الرئيس القادم قد يواجه صعوبة في إحداث التأثير الذي يتمناه في أول 100 يوم له في المنصب وهي الفترة التي تتزامن مع فصل الصيف حين يأخذ العديد من الموظفين الحكوميين عطلات طويلة ومع حلول شهر رمضان.