لا بريطانيا ولا امريكا تريد وجع الرأس ومحاكمة جديدة وماذا عن الصلة اللبنانية والفلسطينية؟
لندن ـ ‘القدس العربي’: مات عبد الباسط المقرحي، اخيرا، بعد عامين وتسعة اشهر من الافراج عنه من سجن اسكتلندي آب (اغسطس) 2009 باعتباره المتهم الوحيد في تفجير الطائرة الامريكية (بانام -103) فوق بلدة لوكربي عام 1988. عاش المقرحي الذي كان يعاني من مرض سرطان البروتستات اكثر مما توقعه الاطباء. ومنذ الافراج المثير للجدل عنه من سجن ‘غرينوك’ الاسكتلندي لم يتوقف الحديث عن ما اسماه الاعلام ‘الفصل المخجل’ وان جاء الافراج عنه بناء على ظروف انسانية وللسماح له بالموت بين عائلته.
ولم تتوقف التقارير التي ترى في اطلاق سراحه جزءا من صفقة بين النظام الليبي السابق، وحكومة العمال من اجل الحصول على عقود النفط في ليبيا. لم يعجب القرار في حينه الحكومة الحالية التي كانت في المعارضة واعتبرته تصرفا غير صحيح، فيما عارضته عائلات الضحايا الامريكيين المدعومة من الكونغرس وظلت تطالب بتسليمه خاصة بعد رحيل نظام معمر القذافي.
وفي الجانب البريطاني ظلت عائلات الضحايا تطالب بأجوبة حقيقية حول الفاعل الحقيقي اذ ان بعضها تعتقد ببراءة المقرحي وبعضها تراه مجرما، لكن جيم سواير الذي قتلت ابنته الشابة فلورا في العملية هو من الذين لا يزالون يؤمنون ببراءة المقرحي، وكتب في ‘تايمز’ مقالا عن صداقته مع عبد الباسط والعلاقة التي اقامها مع عائلته وعبر فيه عن ايمانه ببراءة عبد الباسط ‘باسط’ كما كان يناديه. ومع استبعاد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون فتح تحقيق في الحادث، الا ان الوزير الاول لاسكتلندا اليكس سالموند قال ان الباب مفتوح لتقديم طلب الاستئناف على الحكم الصادر عليه، خاصة ان المقرحي قرر التخلي وفي اللحظة الاخيرة عن استئنافه الثاني على الحكم الصادر عليه، على الرغم من الادلة القوية التي ظهرت وكان يمكن ان تحدث تغييرا. ويظل الامر الآن بيد عائلته ان شاءت مواصلة تبرئة ابنها ام لا، خاصة ان عبد الباسط مات وهو يتمسك ببراءته من التفجير وهو ما اخبر به كاتب سيرته جون اشتون في كتاب صدر بداية العام الحالي بعنوان’انتم المحلفون’، وفيه عبر المقرحي عن ان فريق المحامين الذي وكله للدفاع عنه ورطه، كما كشف التحقيق في الادلة التي استخدمت ضده من ان هناك ثغرات فيها، وشكك التحقيق في شهادة توني غوتشي وهو الشاهد الوحيد الذي قال انه تعرف عليه عندما اشترى المقرحي ملابس من محله في العاصمة المالطية، فاليتا، حيث عثر على قطع قماش في حطام الطائرة. الاسئلة والاجوبةولكن وفاة المقرحي لن تقفل الملف وتظل الاسئلة الكثيرة حول الفاعل الحقيقي ان لم يكن المقرحي، والجهة التي نفذت العملية، جماعة فلسطينية نفذتها نيابة عن ايران انتقاما من استهداف البحرية الامريكية في الخليج لطائرة ركاب تابعة للخطوط الجوية الايرانية مما ادى الى تحطمها ومقتل كل ركابها في تموز (يوليو) 1988. ومن هنا تفاوتت التعليقات حول الارث الذي تركه وراءه المقرحي، اسئلة بدون اجابات، اسرار اخذها معه الى قبره، وهو ما عبر عنه كاريكاتير في صحيفة ‘تايمز’ عن طائرة لوكربي وهي مغطاة بكفن ابيض، وركزت التعليقات في معظمها على خطأ الافراج عن المقرحي وانتقاد لقرار وزير العدل في حكومة اسكتلندا كيني ماككسل على قراره، حيث قالت ان المقرحي مات في بيته في طرابلس محاطا بعائلته وهو ما حرم المقرحي ضحايا منه. واكدت انه كان يجب بقاؤه في السجن حتى تأخذ العدالة مجراها خاصة ان لوكربي تعتبر اكبر تفجير ارهابي تشهده الجزر البريطانية في تاريخها الحديث. وتأمل الصحيفة ان نــهــاية فصل في تفجير المقرحي ستؤدي الى بحث جديد من الحكومة الليبية التي سيتم تشكيلها بعد انتخابات حزيران (يونيو) القادمة في ملفات القضية.
لن نقترب من الحقيقة وذهبت صحيفة ‘اندبندنت’ الى ان موت المقرحي لن يقربنا من معرفة الحقيقة، كما انها لا تمنح اي عزاء لعائلات الضحايا. وركزت على الاحراج السياسي لبريطانيا والذي سببه اطلاق سراحه، والموقف الامريكي المعادي للقرار، وتقول ان الحرج السياسي قد انتهى بوفاته كما يجب ان لا يكون رحيله سببا في التوقف عن البحث عن الحقيقة مشيرة الى ان هناك عملا لم يتم، خاصة ان المقرحي تخلى عن الاستئناف الذي كان يحضره مع فريق من المحامين قبل الافراج عنه وكان سيقدمه الى اللجنة الاسكتلندية لمراجعة القضايا الجنائية. وترى الصحيفة ان هناك ضرورة لفتح تحقيق عام يرضي عائلات الضحايا التي ترى انه بريء وان هناك خطأ في تحقيق العدالة. العودة الظافرةولوحظ في كل الصحف وفي افتتاحياتها خاصة انها ركزت على عودته على طائرة خاصة مع سيف الاسلام، نجل العقيد القذافي والشخصية المؤثرة التي اسهمت في المفاوضات لاطلاق سراحه والاستقبال ‘الظافر’ الذي اعد له، مما اغضب عائلات الضحايا وجرح مشاعرها، لكن اوليفر مايلز، سفير بريطانيا السابق في ليبيا قال ان الاستقبال كان متوقعا لان عبد الباسط من ابناء قبيلة المقارحة وهي قبيلة كثيرة العدد ومؤثرة في ليبيا. ومثل بقية الصحف ترى صحيفة ‘الغارديان’ ان وفاته لن تغير من الواقع شيئا حيث تحدثت عن انقسام عائلات الضحايا حول براءة او ذنب المقرحي، فرئيس جمعية عائلات ضحايا ‘بانام ـ 103’ فرانك داغان يرى في موت المقرحي نهاية ‘قاتل استحق العقاب وانه سيرى العدالة – في جهنم – حسبما يقترح. اما جيم سواير فهو من فريق المؤمنين ببراءة المقرحي ويقول ان هناك ادلة يجب الكشف عنها حتى تؤكد ذنبه. شاهد الزورومن هنا ترى ‘الغارديان’ ان المحكمة الخاصة التي انعقدت خصيصا في كامب زيست في هولندا لمحاكمة المتهمين المقرحي والامين فهيمة الذي لم تثبت ادانته، عانت من ثغرات، منها تعارض في الادلة حول جهاز التوقيت الذي وجد في الطائرة اضافة لتغيير الشاهد الوحيد غوتشي الذي اعطته الولايات المتحدة مكافأة قيمتها مليونا دولار ـ والذي غير شهادته اكثر من مرة مما يطرح اسئلة حول مصداقيتها. وايا كان الحال، فالصحيفة تقول ان الليببين الذين تلقوا وفاة المقرحي بنوع من الارتياح وليس الحزن لا يهمهم الآن ملف لوكربي فهم يتطلعون للانتخابات القادمة وانهم ان نظروا للوراء فانهم سيتذكرون مذبحة سجن ابو سليم التي راح فيها 1600 سجين او اكثر. ومع ان بريطانيا وامريكا لا رغبة لديهما في فتح تحقيق في الحادث مرة اخرى، الا ان الصحيفة ترى انه من الافضل ترك التحقيق يتواصل على امل الكشف عن ادلة تدين مسؤولين امنيين في النظام السابق. وتقول ان هناك عدة اسباب لتأخير تحقيق جنائي مستقل ليس اهمها من امكانية محاكمة جديدة. خاصة ان ادانة المقرحي كانت سهلة، كما ان اي محاكمة ستكشف عن الادلة مما سيؤدي الى نشر تقرير لجنة المراجعة الاسكتلندية. وتختم بالقول ان المقرحي عاش سبعة اشهر بعد مقتل قائده – القذافي لكن الحقيقة انهما اخذا اسرارهما الى القبر معهما. تورط براونفي مجال آخر من معالجة آثار وفاة المقرحي، ركزت ‘ديلي تلغراف’ على تورط حكومة غوردون براون في عملية الافراج التي اثرت على العلاقات البريطانية ـ الامريكية، واشارت الى الواقعية السياسية التي ادت للصفقة بين ليبيا التي خرجت من عزلتها وبريطانيا، فقد خافت الاخيرة ان تتأثر مصالحها النفطية هناك وان يتعرض ابناؤها لمشاكسات النظام وان يتأثر التعاون الامني بين البلدين. كما اضافت ان حكومة العمال كانت تريد التخلص من المقرحي، ومن هنا لجأت الى حكومة اسكتلندا لتضع القرار في يدها واتخاذه كمبرر وهو ما تراه الصحيفة كلاما فارغا خاصة ان وثائق ‘ويكيليكس’ اظهرت انه عندما تم تشيخصه بمرض السرطان وجد براون وحكومته الفرصة في التخلص منه. وبدلا من الدعوة لتحقيق ذكرت الصحيفة كاميرون بالوفاء بوعده قبل الانتخابات والافراج عن كل الوثائق المتعلقة بعملية الافراج لكي نعرف حجم تورط براون وحكومته.
ستظل سراومع كل المطالبات هناك شعور عام ان لوكربي ستظل سرا. وفي هذا السياق علق روبرت فيسك في ‘اندبندنت’ ان المقرحي مات ملوثة يداه ليس لانه المذنب لكن لانه كان من مخابرات النظام السابق وخدم القذافي واي واحد خدمه فيداه ليستا نظيفتين لان جهاز المخابرات هو اكبر جهاز قدم خدماته للزعيم السابق. وقال انه ان لم يكن المذنب، فماذا كان يفعل اذا في جهاز المخابرات، ويشير الى الكليشيه: مات واسراره معه. وعاد الى محاكمة المقرحي مشيرا الى ان الادانة قامت بناء على صورة، ويثير الشكوك حولها ما كشف عن قيام سي اي ايه بدفع اموال الى الشاهد الرئيسي. وتحدث فيسك عن النظرية التي آمن بها الالمان وهي ان الحقيبة زرعت في مطار فرانكفورت وان اللبناني الذي كان من بين الضحايا اوصله الى المطار ناشط لبناني اخر ـ ربما كان المتورط، مضيفا انه درس الوثائق المتعلقة بالقضية وتوصل الى ان هناك صلة لبنانية او فلسطينية، مشيرا الى نفي احمد جبريل ـ الجبهة الشعبية القيادة العامة مسؤوليته عن التفجير ‘بدون ان يوجه له اتهام’. ويختم بالقول ان الامريكيين الذين غضبوا على القرار الاسكتلندي لم يكونوا ليغضبوا لو قام محامو المقراحي بتفتيت كل اوراق القضية. وفي النهاية اشار اوليفر مايلز في ‘الغارديان’ ان موت المقراحي كان متوقعا وان الاهتمام الاعلامي لا يعني ان اي حكومة قامت باخراج ملفاتها من اجل العودة للتحقيق.