وحدة الربيع العربي

حجم الخط
0

باسل أبو حمدة الربيع العربي عبارة باتت تتردد صباح مساء على كل لسان، فيما لا تجد انعكاساً ملموساً لها على أرض الواقع، وفي ميادين التحرير وساحات التغيير في البلدان العربية الصانعة لهذا الربيع، والتي دفعت ثوراتها بهذه المقولة إلى الظهور، وإلى أن تدخل القاموس السياسي الانساني من أوسع أبوابه، لكن هذه المقولة لا توحي بما تعنيه الكلمات المركبة منها، والتي يُفترض أنها تشير إلى وحدة حال الثورات المندلعة في المنطقة، بقدر ما تشكل توصيفاً جغرافياً صرفا لهذه الحركات الثورية، في حين تنأى بنفسها، هي ومن يطلقها أو هكذا يراد لها، عن الأبعاد الوحدوية للتجربة الثورية، وآفاقها الجيوسياسية. بغض النظر عن الآراء المتباينة والمعروفة حول قضية الوحدة العربية، وعن الحالة القطرية التي شتت ديمغرافية المنطقة، وأعطتها أسماء جديدة وغريبة، منذ اخترعها اتفاق سايكس بيكو بين فرنسا وبريطانيا عام 1917، إلا أن التذكير بهذا الجانب في هذا الظرف السياسي الحاسم لا يراد منه إلا التذكير بأداة ثورية مغفلة، ركنتها القوى السياسية الصانعة للثورات العربية الحالية جانبا، غافلة بذلك عن أداة مجربة وفاعلة في ميدان العمل المشترك، وتوحيد ما يمكن توحيده من جهود في العمل الوحدوي، انطلاقا من برنامج ينطلق من خصوصية كل تجربة قطرية على حدة. صحيح أن هذه الدعوة إلى وحدة الصف الكفاحي، ورفع سوية الروح التضامنية بين الشعوب الرازحة تحت قبضة أنظمة استبدادية متعفنة، تأتي في ظل تصاعد حمى الدعوات إلى الانفصال من مكونات ديمغرافية عديدة لهذا البلد العربي أَو ذاك، إلا أنها تبقى بعيدة عن الطرح الطوباوي، أو الرومانسي، لمسألة الوحدة العربية التي طالما تغنت بها الأنظمة العربية قبل الشعوب العربية، ذلك أنها لا تعدو كونها دعوة لتوحيد الصف الثوري من منظور براغماتي، يعكس ضرورات ميدانية ولوجستية وسياسية وإعلامية يتطلبها العمل الثوري نفسه، الأمر الذي يشكل أَداة إضافية من أَدوات هذا العمل الثوري، من شأنها تقريب ساعة الحسم. في حين لا ندّعي أن هذه الدعوة ترتقي إلى تشكيل جبهة عربية مناهضة للأنظمة المستبدة، فإن لهذا الطرح منطقه وسياقه الطبيعي الذي يرقى إلى مستوى الضرورات الكبرى، لا سيما وأن من غير المعقول أن تلعب مؤسسة مهترئة مثل جامعة الدول العربية دوراً جمعياً في الثورات العربية، بينما يبقى أَصحاب المصلحة الحقيقيين يحلمون في الانفصال والعمل الفردي، حيث سيبقى هذا الربيع باهتاً طالما لم يجرؤ أي من المفكرين حتى الآن على التنظير لأداته التنظيمية الجامعة، وبالتالي، ستبقى هذه الظاهرة عرجاء، طالما لم تستكمل امتداداتها الطبيعية. ثمة شعور يرقى إلى مستوى المؤشرات على وجود انكفاءَة حقيقية في العمل الوحدوي المشترك، على الرغم من وحدة الأهداف والخصوم في حالة الثورات العربية، حيث يكفي التذكير بقدرة الأنظمة العربية على الاختلاف في كل شيء، ما عدا اتفاقها على الأداة الأمنية البوليسية الموجهة لقمع أي حركة احتجاج محتملة، قد تظهر هنا أو هناك، فمن يستطيع أَن ينسى المقولة الشهيرة التي تفيد أن وزراء الداخلية الـــعرب الوحيدون القــادرون على عقد اجتماعات ناجحة، تخــــرج بقرارات محددة وملموسة قابلة للتطبيق والحياة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: أَلم تتمكن خمس تجارب ثورية عربية بزغت في فجر الربيع العربي، حتى الآن، من تغيير هذا المشهد البائس باتجاه قلب الطاولة على أولئك الوزراء، واستنباط أَساليب عمل وحدوية بعيدة عن شعارات طوباوية، وسمت هذا الميدان طوال عقود من الزمن، ليس لعدم نجاعتها من ناحية الأداة، ولكن، لأنها كانت تتحرك في أُفق النظام الرسمي العربي المناهض لأي صيغة عمل مشترك على مستوى الجماهير والقوى السياسية الممثلة لها على الأرض؟ السؤال الآخر الذي يطرح نفسه بالقوة عينها هو: ما مرد حمى الدعوات إِلى إِبقاء مخرجات الربيع العربي ضمن حدودها القطرية المصطنعة أَصلا؟ ألا يشعر القادة الثوريون الجدد بأنه ثمة مؤامرة ضد قضاياهم العادلة، عندما تحجب رؤية العمل المشترك والتنسيق ما بين قوى سياسية متجاورة في معظم مكوناتها، إن لم يكن فيها جميعا؟ ربما تحتاج مسائل من هذا النوع إلى بعدها الزمني، حتى تتبلور وتدخل في مستويات تنظيرية، من شأنها تعميم التجربة، ورسم ملامحها العامة واستخلاص الدروس والعبر منها، لكن المؤكد أن الممارسة السياسية في الميدان من شأنها، كذلك، أن تعزز تلك المستويات النظرية للعمل المشترك، بينما يستحيل الولوج سواءً إلى حيز ممارسة هذا الفعل السياسي، أم التنظير له، بعيداً عن محاولة كشف الغطاء عن الجهود المحمومة التي تبذلها أطراف لا تعد ولا تحصى، بما فيها أطراف لها مصلحة بالتغيير، للتعتيم على الأداة الوحدوية للربيع العربي. لن تقوم قائمة حقيقية لمخرجات الربيع العربي، طالما أن هناك قوى وأحزاب وشخصيات تفعل كل ما لها طاقة عليه، وليس لها طاقة عليه، للحيلولة دون أن يرى هذا البعد الوحدوي في الأداة الثورية النور، لا بل إن عدداً من هذه القوى والشخصيات يسعى جاهدا لعدم ذكر عبارة الربيع العربي، إشباعاً لرؤى ضيقة على شرعيتها، إلا أَن وقتها لم يحن بعد، أو على أقل تقدير إن تم التماهي معها، فإنها توفر مصدر قوة إضافي للأنظمة العربية المستبدة، الساعية إلى القضاء على الثورات العربية، بما فيها أَصحاب هذه الدعوات إلى النأي بالنفس عن كل ما يمت للعرب بصلة، بحيث يصبح السؤال مشروعاً حول مسألة الأولويات بالنسبة لمكونات الثورات، التي من الطبيعي ألا تتوافق على سلم أَو سلالم الأولويات لكل منها، لكن، أليس إِسقاط تلك الأنظمة الاستبدادية هي أَولوية الأولويات جميعاً ومنطلق التغيير، أَي تغيير وبأي اتجاه. الحقيقة أن مشهد العمل المشترك ليس بهذا النقاء الذي يبدو عليه في الوهلة الأولى، خاصة بعد أن بدأت تلوح في الأفق مؤشرات على استعداد هذا المكون الاجتماعي السياسي، أو ذاك، للانسلاخ عن دائرة العمل الثوري برمته، في مقابل تحقيق مصالحه الخاصة، مثلما فعلت القوتان الكرديتان الرئيستان في كردستان العراق، عندما انسخلت عن باقي مكونات الشعب العراقي، وعقدت صفقات مع نظام صدام حسين وغيره من أنظمة المنطقة على حساب صيغة العمل الثوري المشترك الذي كان يمكن أن يجمع بينها وبين باقي القوى السياسية المعارضة لذلك النظام الاستبدادي. ‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية