الكاتب البيرواني ماريو بارغاس يوسا و’الغاضبون’ الإسبان

حجم الخط
0

غرناطة- من محمّد محمّد الخطّابي: الكاتب البيرواني ماريو بارغاس يوسا الحاصل على جائزة نوبل في الآداب، وعلى الجنسية الإسبانية كذلك، خرج عن صمته يوم 16 ايار/ مايو 2012 وصرّح علانية أمام الملأ بمدينة لاس بالماس عاصمة الأرخبيل الكناري أنه يتفهّم مطالب الحركات الاحتجاجية للشباب الإسباني الغاضب على الأوضاع في بلاده بعد أن تفاقمت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها إسبانيا منذ بضع سنوات، حيث بلغ عدد العاطلين عن العمل بها مؤخرا ما يقارب الستة ملايين نسمة، وهو عدد تاريخي لم يسبق أن بلغته إسبانيا من قبل.

موجات هؤلاء الناقمين أو الساخطين من الشباب عمّت العديد من المدن الاسبانية الكبرى على وجه الخصوص، إلاّ انّ الكاتب البيرواني حذّر من مغبّة النتائج الوخيمة والخطيرة التي يمكن أن تنجم من جرّاء هذه الاحتجاجات التى يطلق عليها’ يوسا ‘ديمقراطية الشارع’. الربيع العربى والإسبانيوأضاف برغاس يوسا أن إسبانيا بلد يكرّس الديمقراطية، والديمقراطية لها قنواتها ووسائلها الخاصة التي بواسطتها يمكن للمواطنين أن يعبّروا عن آرائهم واحتجاجهم أو انتقادهم، وقال إنّه من الخطورة بمكان أن ننأى أو نخرج عن هذه القنوات التي توفرها الديمقراطية، وبالتالي نفسح المجال لفرض ‘ديمقراطية الشارع’. وقد أدلى الكاتب البيرواني بهذه التصريحات عندما سئل عن الذكرى الاولى لهذه الحركة، التي تطلق على نفسها اسم ‘حركة 15 م ‘، إشارة إلى شهر مايو، حيث ظهرت إلى الوجود لاوّل مرّة في نفس هذا التاريخ من العام الماضي 2011 متأثرة بالاحتجاجات والمظاهرات التاريخية الكبرى التي عمّت بعض البلدان العربية، والتي أطلق عليها فيما بعد بالربيع العربي. وقال الكتاب البيرواني إن هذه الاحتجاجات من شأنها أن تفضي إلى مواقف أو عواقب جدّ خطيرة لا يمكن التكهّن بعواقبها بالنسبة لمستقبل الديمقراطية في إسبانيا وللشرعية الوطنية وللحرية ذاتها. صاحب رواية ‘ المدينة والكلاب’ يرى من جهة أخرى أن الشباب الإسباني من حقّه المشروع أن يحتجّ على الاوضاع التي يراها مضرة له أو بمستقبله، وقال انه يتفهّم جيّدا الظروف التي تطرحها هذه المرحلة الحرجة والصعبة التي تجتازها إسبانيا، وهي مرحلة تتطلب تضحيات جسيمة، حيث يواجه هؤلاء الشباب خاصة المهنيون والمتخرجون حديثا منهم حالة من عدم الإطمئنان، وعدم الشعور بالأمان من جرّاء آفة البطالة التي تشدّ عليهم الخناق، والتي أصبحوا يعانون منها بحدّة خلال الأعوام الأخيرة، من جرّاءالركود الإقتصادي الذي تشهده بلادهم. وأضاف ‘يوسا’ من جهة أخرى في هذا القبيل أنه يشعر بقلق كبير من نتائج الانتخابات التي جرت مؤخرا في اليونان، والتي أسفرت عن تقدّم الحزب المتعاطف والمؤيّد للنازية ‘الفجر المذهّب’ فيها، وهو يعتبر هذا ‘التجمّع السياسي’ علامة أو إرهاصا لأمر منذر قد لا يحمد عقباه، والذي بدأ ينمو ويكبر ليس في هذا البلد وحسب، بل وفي مناطق أخرى من أوربا كذلك.

وقد دافع يوسا بقوّة عن ‘مشروع بناء الصرح الأوربي’ الذي حقق للقارة الأوربية الأمن والتقدم والديمقراطية و’60 سنة متوالية من السلم والإستقرار’ لأوّل مرّة في تاريخها الحديث، ولهذا فإنه يعتقد جازما أنه من الأولويّات السياسية الضرورية التي ينبغي أن يتبنّاها المسؤولون الأوربيون- بل وهو أمر لا مندوحة لهم عنه -هو ‘إنقاذ أوربا والحفاظ في- خضمّ هذه العاصفة -على االسكينة والهدوء والتفاؤل.’واضاف: ‘ينبغي إنقاذ أوربا من هؤلاء المتشائمين الذين يعجّلون بالحكم على فشلها، والحقيقة أنهم مخطئون في ذلك، فنحن نعيش أو نواجه أزمة اقتصادية حادّة، نتيجة الهدر والإسراف المبالغ فيهما، وعدم توفّرالحذر الكافي لتفادي هذه الأزمة من قبل، كما أنه لم تتخذ الاحتياطات اللازمة في الوقت المناسب، والمجتمع هو الذي يدفع الثمن اليوم.

التربية والتعليم وعندما سئل عن وضع التربية والتعليم في إسبانيا والتأثيرات الوخيمة التي يتعرّض لها هذا القطاع بسبب الأزمة الحالية التي تعصف بالبلاد في الوقت الراهن، والإقتطاعات والتعديلات، أو ما تسميه الحكومة الإسبانية بالإصلاحات التي يعرفها هذا الحقل الحيوي الهام، قال إن النظام التربوي في إسبانيا ينبغي تحديثه لكي يكون مسايرا للعصر، وحتى يصبح في مستوى التطوّر الهائل الذي يعرفه العالم نتيجة العولمة والثورة التكنولوجية لمواجهة هذه الأزمة الإقتصادية الهائلة التي تعاني منها إسبانيا. وقد تمّ الإعلان في هذا القبيل عن إضراب عام يوم 22 مايو الحالي في قطاعي التعليم الجامعي والتربية الوطنية في مجموع التراب الإسباني للضغط على الحكومة الإسبانية للتخلّي عن إصلاحاتها التقشفية، والاقتطاعات التي أعلنت عنها في ميزانية التربية والتعليم العام، وفي قطاعات حسّاسة وحيوية أخرى، فضلا عن الزيادة في الرسوم الجامعية والتسجيل سواء بالنسبة للطلبة الإسبان ومواطني الإتحاد الأوربي بنسبة ضئيلة، أما بخصوص الطلبة الأجانب فإن الزيادة في هذا المجال كانت بنسبة عالية جدّا. ودافع يوسا عن العلوم الإنسانية، مندّدا بهؤلاء الذين يعملون على القضاء عليها أو الانتقاص من شأنها لأنهم يعتبرونها ترفا أو ترفيها، وقال:

هذا أمر لا يمكن للمجتمع ان يتقبّله، ذلك أن همّهم الوحيد الآن هو تكوين مهنيين وحرفيين متخصصين لسوق العمل’. وقال: إن عدم إيلاء العناية الكافية للعلوم الإنسانية يمكن أن يكون له آثار كارثية وخيمة، إذ من شأن ذلك أن يفضي إلى خلق مجتمع من البشر الآليين (أو الروبوتات) وأوّل ما سينهار والحالة هذه هي القيم والديمقراطية. وقال ان الجامعات لا ينبغي لها أن تتخلى عن دورها الريادي في تشجيع طلبتها وتلقينهم روح النقد البنّاء، وإلا فإنّ هذه الجامعات سوف تتحوّل الى ‘مصانع لإنتاج متخصصين’. دكتوراة فخريةوباقتراح من قسم فقه اللغة الإسبانية وفقه اللغة العربية بجامعة لاس بالماس بجزر الخالدات أقيم يوم الجمعة 18 مايو 2012 تكريم خاص للكاتب ماريو برغاس يوسا حيث قلّدته هذه الجامعة الدكتوراة الفخرية ‘لإسهامه الوافر في النهوض بالعلوم الإنسانية، والتقدم والمعرفة، وتقديرا لإبداعاته الأدبية والفنية، وعلاقاته الثقافية والعلمية والشخصية مع هذه الجامعة.

وقال بارغاس يوسا بعد هذا التكريم:

إن التضحيات التي يطلب من الشعب الإسباني تقبّلها وتحمّلها للخروج من الازمة الإقتصادية والإجتماعية الحادّة التي تعرفها البلاد هي تضحيات لابد منها. وقال ان الذين يوجّهون إنتقاداتهم لالمانيا في هذا الخصوص مخطئون إذ لا ينبغى أن نعتب على ألمانيا، بل يجب علينا أن نصفّق لها، انها قد تغلبت على أزمة وحشية بغير قليل من الانضباط والتضحية والصبر والأناة إنها تغلبت على هذه الأزمة بتضحيات الشعب الألماني في المقام الأول، ثم بجديّة ومسؤولية حكامها، لقد أمكن لألمانيا إحياء أو إنبعاث جثة سياسية واقتصادية هامدة وهي ألمانيا الشرقية، و قال ان بعض الايديولوجيات السياسية المتطرفة قد تقودنا الى الشطط والمبالغات وقد تصيب عدوى هذه الترّهات حتى كبار الكتاب والمفكرين في حجم ‘جان بول سارتر’ الذي كان ينساق وراء حماقات فكرية وفلسفية كبرى من هذا القبيل لا حصر لها. وقال انه باعتباره كاتبا روائيا وحكواتيا فانه لا يخشى من خوض مغامرة الخيال في أعماله الروائية لأنه عنصر دفع بالانسانية إلى المزيد من التأمل وإعمال الفكر، كما انه يشجع على البحث والإجتهاد والتقدم العلمي، حيث يسهم ذلك كله في أن يجعل الحياة أحسن ممّا كانت عليه من قبل، بل إنه يسهم أيضا في التطور المذهل الذي تعرفه الحياة في مختلف المجالات.

كما أقامت بلدية لاس بالماس في نفس اليوم حفلا تكريميا آخرعلى شرفه حيث اعتبرته البلدية إبنا بالتبنّي لهذه المدينة.

مفهوم الثقافةهذا وتجدر الإشارة أن الكاتب ماريو بارغاس يوسا، زار بتاريخ 23 أبريل المنصرم2012 المغرب في نطاق الإجتماع السنوي لجمعية (مون بيلران) الذي إنعقد لأوّل مرّة في بلد عربي، حيث تمّ تنظيمه هذا العام في مدينة فاس، بمقربة من أقدم جامعة في العالم وهي ‘جامعة القرويين’، قال ‘يوسا’ بهذه المناسبة: ‘ان الشؤون الثقافية ينبغي لها أن تعكس جميع التعابير والإبداعات التقليدية، كما ينبغي لها أن تعكس بشكل جليّ إهتمامات المجتمع وانشغالاته’ وأضاف إن الثقافة التي نتوق إليها هي تلك التي ترفع من قيمة الفكر، والتي ترنو إلى سبر آفاق جديدة، وتنفتح على الرؤى الواعدة، وليست تلك التي تحول دون إفساح المجال للتفكيرالحر’. وجمعية (مون بيلران) كان قد أسّسها فريديريش هايك عام 1947 بسويسرا، الحاصل على جائزة نوبل في الإقتصادعام 1974، وتتوخّى أو تهدف جمعية ‘مون بيلران الى ‘استكشاف السبل الكفيلة للتوصّل إلى تفاهم أفضل لدورالحريّة في أداء المجتمعات البشرية. يعتبر الكاتب البرواني ماريو برغاس يوسا من الروائيين الكبار المعاصرين، فقبل حصوله على جائزة نوبل للآداب (2010) سبق له أن حصد أو حصل في اسبانيا وحدها على العديد من الجوائز الأدبية الكبرى منها جائزة أمير أستورياس في الآداب عام 1986، وجائزة بلانيطا عام 1993وجائزة سيرفانتيس في الآداب الإسبانية 1994، وجوائز النقد الادبي بالتوالي1963 و64 و66 .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية