اليوم التالي للانتخابات المصرية

حجم الخط
0

صحف عبريةالدراما الصغيرة شبه الوحيدة في اليوم الأول من الانتخابات في مصر قدمها امس المرشح احمد شفيق. في الظهيرة عقد رئيس الوزراء السابق مؤتمرا صحافيا رغم الحظر التام من لجنة الانتخابات للانشغال بالدعاية. وردا على ذلك رفعت اللجنة ضده شكوى الى النائب العام. شفيق هو الذي شدد في برنامج الانتخابي الى الحاجة الى اعادة القانون والنظام الى المدن والقرى. وفي المساء شهد هذا على جلدته حين جاء للتصويت في الصندوق في القاهرة وتلقى رشق الحجارة والاحذية من مجموعة غاضبة من المتظاهرين، من معارضي النظام السابق. باستثناء هذا الحدث وتبادل الضربات بين مؤيدي المرشحين الاسلاميين، محمد مرسي، ممثل الاخوان المسلمين وعبد المنعم ابو الفتوح، رجل الحركة السابق الذي انسحب منها كي يتنافس على رئاسة مصر ولهذا السبب ابعد عنها (الاخوان عارضوا بشدة بداية عرض مرشح من جانبهم) يوم التصويت مر تقريبا دون عراقيل. فضلا عن تأخيرات قليلة، معظم الصناديق فتحت في الوقت المحدد في الثامنة صباحا. ومثلما في الانتخابات للبرلمان، كررت نفسها الصورة المؤثرة لجموع الناس الذي ينتظرون في الطابور للتصويت. ورغم الشكوك المختلفة من تدخل الجيش والمخابرات في نتائج الانتخابات، يبدو أن التصويت الذي بدأ امس وسيستمر اليوم ايضا، سار بلا خلل تقريبا.

كان هذا يوما تاريخيا في مصر وكل وصف آخر سيقلل من أهمية الانتخابات الديمقراطية الاولى من نوعها لرئاسة الدولة. الطوابير الطويلة شهدت على أن مواطني الدولة ايضا، 52 مليون نسمة اصحاب حق الاقتراع، فهموا معنى انتخاب الرئيس الجديد. بعض المقترعين الذين التقت بهم وسائل الاعلام المختلفة لم يخفوا مشاعرهم والإحساس بأنهم بعد عشرات السنين من الحياة في الدكتاتورية ينطلقون الى عصر جديد في تاريخ مصر. بالمقابل، كانت هناك ايضا اصوات اخرى، اكثر شكا. وهكذا مثلا، بائع خضار قال لقناة ‘سي.

ان.

ان’: ‘الثورة كانت كالمرأة الحسناء. فقد سحرتنا فوقعنا في حبها ولهذا قتلنا الطاغية كي نتزوجها. ولكنها كانت مناورة فقط. عبء آخر يضاف الى العبء الثقيل الذي نحمله وحبنا اليها انتهى’. ليس فقط بائع الخضار بدا حذرا ومليئا بالمخاوف من مستقبل مصر. معه أيضا مئات الاشخاص الذين بدوا ينتظرون دورهم في التصويت، وقف أمس في ساعات الصباح على مدى نحو ساعتين عمرو موسى، الذي كان يعتبر حتى وقت قصير مضى المرشح المتصدر للرئاسة. بعد أن نشرت المزيد فالمزيد من الاستطلاعات التي أشار كل واحد منها الى ميل مختلف، تبين أنه من الصعب الاعتماد على الاستطلاعات كمؤشر موثوق على فرص المرشحين في النصر. موسى، وزير الخارجية الاسبق، دعا كل المصريين الى احترام النتائج مهما كانت. دعوات مشابهة أطلقها ايضا المرشحون الآخرون. هذه الاقوال تدل بمعان كثيرة على تخوف موسى وزملائه من اليوم التالي للانتخابات، دون صلة بهوية المنتصر. يدور الحدث عن تحد هائل، مشكوك فيه أن يكون انسان فانٍ، حتى لو كان شغل منصب الامين العام للجامعة العربية، يمكنه أن يتصدى له. فلا يدور الحديث فقط عن الوضع الاقتصادي لمصر والذي تدهور منذ الثورة في شباط 2011 ومن شأنه أن يبعث بموجات متجددة من الاحتجاج، بل وايضا وبالأساس عن إحساس ضياع الأمن الشخصي للمواطنين المصريين: عصابات من السطاة تعمل في وضح النهار، هجمات على خلفية جنسية ودينية وإحساس بالفوضى العامة. في شبه جزيرة سيناء تسود فوضى تامة والمكان تحول الى أرضية خصبة لميليشيات مسلحة من البدو ومئات من مؤيدي الجهاد العالمي. لكل هذا يمكن أن نضيف النشاط الايراني السري الذي يحاول تعميق عدم الاستقرار في الدولة. قبل ثلاثة أيام تحدثت الصحف المصرية عن اعتقال قوات امن لعدة شاحنات بين بور سعيد والاسكندرية، تم فيها تهريب نحو 120 صاروخ ضد الدبابات. ويمكن فقط أن نتخيل من يهرب الى داخل مصر ومنها الى سيناء في تلك الشاحنات التي لا تضع قوات الامن يدها عليها. موسى على علم بمشكلة اخرى يقف أمامها المرشحون الشعبيون، ولا سيما اولئك العلمانيون مثله ومثل شفيق: فهم يعتبرون ‘فلولا’، من مبعوثي النظام القديم. المرشح السلفي السابق الشيخ حازم ابو اسماعيل سبق أن شرح بانه اذا ما انتخب شفيق أو موسى، فمعنى الامر هو أن النظام القديم والثورة لم تنته. في ضوء السيطرة المطلقة للاخوان المسلمين والحركة السلفية على البرلمان، فان المعارك التي سيتعين على رئيس علماني بان يخوضها قد تشل مصر وتمنع كل امكانية لاعادة البناء. اضافة الى ذلك فان المرشح العلماني سيضطر الى ان يواجه ليس فقط برلمانا معاديا بل وايضا الجماهير المتدينة التي لن تتردد للخروج الى التظاهر اذا ما طلب منهم رجال الدين عمل ذلك. بالمقابل، فان مرسي وابو الفتوح ليسا زعيمين ذوا تجربة سياسية ولا يستطيعان تشجيع المستثمرين الاجانب للاستثمار في مصر. مشكوك أن يكون بوسع انتصار احدهما ان يحل ايضا التوتر الطائفي في الدولة التي يوجد فيها قرابة 10 مليون مسيحي قبطي.

في خلفية كل هذا تحوم حرب بقاء المجلس العسكري الاعلى ومحاولته الابقاء في يديه لبعض من صلاحيات ادارة الدولة. عدم اليقين بالنسبة لصلاحيات الرئيس يمس عمليا بطهارة الانتخابات. فقد أخر المجلس العسكري نشر التعديل الدستوري الذي يقرر صلاحيات الرئيس، ربما انطلاقا من الرغبة لمعرفة من سيكون المنتصر اولا او من سيصعد الى الجولة الثانية، وحسب النتائج تقييد أو توسيع صلاحياته. هذه محاولة واضحة من المجلس العسكري الاعلى للتأثير على مستقبل مصر ومنع سيطرة الاسلاميين. يمكن التقدير بان الاخوان المسلمين او ابو الفتوح لن يمروا بصمت على بيان للجيش بنزع بعض صلاحيات الرئيس. الرئيس في مصر كان منذ الازل القائد الاعلى للقوات المسلحة ويبدو أن المجلس الاعلى برئاسة طنطاوي يسعى الى تغيير الامور. وعليه، فحاليا ليس فقط من الصعب الاشارة الى مرشح رائد، بل وايضا من غير الواضح ماذا سيكون في نطاق صلاحياته عمله او عدم عمله. بمفاهيم عديدة، فان مواطني مصر الذين توجهوا امس ويتوجهون اليوم الى صناديق الاقتراع يسيرون ايضا نحو المجهول. آفي يسخروفهآرتس 24/5/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية