عناية جابر
مراقبة مجتمعاتنا والكيفية التي تُدار بها تثير لدى المراقب نوع من الأسئلة السوريالية، بصرف النظر عن الموقف القيمي من السياسات المعتمدة أو اشكال الحكم. الكل سواء بسواء. الديمقراطي أخ للمستبّد، والملكي أخ للجمهوري.
نحن العرب وحدنا، نتميّز عن بقية الشعوب بمفهوم او مقولة توأمة الأشياء. لدينا من كل شيء زوجان ويحضرني هنا المثال اللبناني الأقرب الى هذا التوصيف وأعني طريقة عيش هذا اللبناني: الكهرباء إثنان، كهرباء الشركة الرسمية وكهرباء المولدات الخاصة. المياه مياهان وأكثر، مياه الشركة الرسمية، ومياه الشركات الخاصة. التلفون تلفونان، تلفون الشركة الرسمية القطاع العام، وتلفون الشركات الخاصة.. حتى الدستور لدينا منه إثنان: دستور رسمي مكتوب، ودستور غير مكتوب وغير رسمي- الميثاق الوطني وهو في الحقيقة الدستور الفعلي. حتى الشكل التمثيلي في البرلمان لدينا منه إثنان أيضاً، فهناك النائب الممثل للأمة مبدئياً، وهناك الوجيه الممثّل الفعلي للأمة. حتى العاملون يعملون في قطاعين إقتصاديين في وقت واحد، فالواحد منهم يعمل أستاذ مدرسة في النهار وسائق تاكسي مثلاً في الليل.. وسلسلة الأمثلة تطول.
لكن السؤال الأساسي وراء كل ذلك هو التالي: هل الشعوب العربية غنية أو هل نحن أغنياء الى حدّ السماح لأنفسنا بدفع ثمن السلعة مرتين؟ ناهيك عن الطاقة الإنسانية المبذولة هنا لمتابعة نفس الموضوع لأربع مرات متتالية ومتوازية؟ كيف يصبح المجتمع أو كيف ينتهي مع هكذا تنظيم سياسي وخدماتي في إدارة البلاد بطريقة تكلّفهُ الكثير من موارده؟ تصوروا مثلاً وبغض النظر عن الحكم الأخلاقي هنا، رجلاً متزوجاً وعلى علاقة مع عشيقة في نفس الوقت. عادة، مثل هذا الرجل في بلدان العالم الأخرى يضطر الى رصد ميزانيتين كاملتين لإعالة بيتين. بيت الزوجة وبيت العشيقة، لكنه على الحال التي ذكرنا عليه رفع سقف ميزانيته الى اربعة أضعاف ‘زميله’ الأوروبي الذي يكتفي بإشتراك كهربائي واحد لكل بيت، كذلك الشأن مع إشتراك المياه والتلفون، فيما عاشقنا العربي سوف يدفع (دم قلبه) لإيفاء بدل ميوله في البيتين المفتوحين. فإذا حسبنا أن لكل بيت عندنا (نحن الناس الأسوياء الذين لايخونون) إشتراكين في الكهرباء وإشتراكين في التلفون ومثلهما في المياه، فعليك أن تتصوّر مدى كلفة غرام العاشق الذي يستوجب ليس أقل من أربعة إشتراكات في كل أمر خدماتي بما فيها المحروقات والغاز، هذا إذا ما اغفلنا الهدايا لزوم الغرام وسوى ذلك. هذه فقط كلفة العاشق العربي، فكيف بنا إذا كانت دولتنا على صورة ومثال صاحبنا العاشق العربي (وهي كذلك) فتخيّل المصاريف المضروبة بإثنين ثم بأربعة الى أكسسوارات اخرى نعّف عن ذكرها. فإذا كان سيدنا نوح قد إكتفى بزوجين من كل صنف ونوع، فإن دولتنا بشكل إدارتها الحالي للبلاد تستوجبها مصاريف إضافية تكفي لأربعة من كل صنف.
ماذا تُمثّل حركة نوح الإنقاذية أمام عبقرية دولتنا؟ فبئس الزوجين أمام عبقرية الأربعة وبئس تلك النجاة الأسطورية أما ما تتفتق عنه مخيلة ساستنا.
المراقب لهذا النوع من إدارة البلاد والشأن العام (وهو مراقب وضحية) من أين يتأتى له موارد ذهنية ونفسية ومادية لإيفاء موجبات ذلك العشق عند دولتنا؟ وهل يمكن لمجتمع من المفروض انه طبيعي ان يستمر على هذا الهدر وهذا المنوال.. والى متى؟
بعيداً عن هذا الواقع المضحك المبكي في آن، يزداد قرف هذا المراقب عندما يعلم كم يبذل الغرب على مستوى دوله وقطاعاته الخاصة وأفراده من جهود لزيادة ‘الإنتاجية’ أي لإنتاج نفس السلعة بكلفة أقل. ففي حين يسعى الغرب في إدارته الى تشغيل موارده بشكل عقلاني كبير، ترانا على نقيضه تماماً نسعى الى تبذير مواردنا بكل اللاعقلانية والجنون اللازمين. وهنا يحضرني سؤال: هل الذين يديرون بلادنا يعرفون ان هذه الموارد هي ملكهم وطوع يمينهم وملك شعوبهم ولهم، وعليهم بالتالي الحفاظ عليها وعدم تبذيرها!
هل يمكن القول ان الحّكام العرب بتجاهلهم لقيمة مواردهم يستبطنون حقداً دفيناً واعياً او غير واع على أنفسهم وعلى شعوبهم وثرواتهم فيعمدون الى تبذيرها على تلك الشاكلة المرعبة؟ نحن نفهم ان يكون هناك أشخاص ذوو أطماع فردية في الكون، لكن حالة حكامنا في الإدارة على هذا الشكل لاعلاقة لها بالطموحات الشخصية أو الثراءات غير المشروعة، بل هي اقرب الى مقولة الفن للفن، أي التبذير من اجل التبذير وحسب.
في الحقيقة يعجز المرء عن توصيف ماهية ومكامن التبذير في العقل العربي. فهو لو كان لمصلحة شخصية لفهمنا، ولو كانت طريقة جديدة في الإدارة لقبلنا، ولو كان سلوكاً مؤقتاً لعذرنا، لكنه على ما يبدو جزء تأسيسي لهذا النوع من العقل العربي (البعيد عن العقل) ولعلهُ عائد الى وجود المثنى في اللغة العربية، ذلك المثنى غير الموجود في اللغات الأخرى.