جثة على الرصيف: عندما يكون الصمت فأساً أو فوانيس نجوم

حجم الخط
0

دمشق ‘القدس العربي’ ـ من يارا بدر: في المسرح اثنان يلتقيان، مشاهد في الصف الأول وممثل يؤدي دور جثة. هل التقت العيون، لا أعلم، خُيّلَ إلي. في المسرح مُعتقلٌ سياسيٌ خرج لتوه ومتظاهر تمّ الاعتداء عليه بالضرب ذات يوم في منطقة الميدان بدمشق. في المسرح كان صمت كلاهما، وحوار شرطيّ ومُتشرّد، حوار اشتغل عليه ‘اسامة حلال’ مُخرج عرض ‘جثة على الرصيف’ مع ‘عمرو السواح’ مُعد النص الذي يعود إلى بدايات الكاتب المسرحي السوري الراحل ‘سعد الله ونوس’ في عمل حملَ ذات الاسم (1963). في المسرح استُعيدَ ‘سعد الله ونوس’، وفي الحياة يعيش السوريون كل يوم مقولته الشهيرة ‘إننا محكومون بالأمل’، إذ لا يمكن لهذا التاريخ أن يستمر للأبد. يختار ‘اسامة حلال’ نصاً قديماً للكاتب الراحل، يعود لنصف قرن مضى ويقدّمه وكأنه حكاية اليوم، ففي النهاية هو تاريخنا الذي استمر حتى اليوم. حكاية متشرّدان توفي أحدهما نتيجة البرد والجوع، والثاني يبحث مع شرطي الدورية كيفيّة إيجاد حل للجثة المستلقية على الرصيف، ويستمر النقاش حتى يقتحم رجل مسؤولٌ ‘حسام الشاه’ المكان ويقرّر شراء الجثة. يخون المتشرّد صديقه، وينصاع الموظف المسكين الذي غدا من قلّة معاشه الشهري أمام متطلبات الحياة يرى البشر أمامه (خمسات وعشرات أوخمس وعشرون ليرة)، ينصاع لأوامر الرجل المسؤول ويشق الجثة ليتأكد من أنها لم تتعفن بعد. أسامة حلال لاعب ماهر على خشبة المسرح، وليست هذه المرة الأولى التي يمارس فيها خفته كساحر، فالجثة التي تتمسّك طوال الوقت بسيجارتها تنهض حتى بعد أن مزفها الرجل المسؤول بطعنات سكاكينه، وكل سكين طعنته هي يد مختلفة عن اليد الأخرى التي طعنته، تنهض وتلتقط سيجارتها، تجلس في الزاوية المظلمة وتنفث دخانها في تحدٍ صريح للرجل المسؤول حتى بعد الموت. من جهته يحتل جلال الطويل الخشبة بصمته، بقوّة ادائه، وبعينيه، مُتحرّراً من ثقل اللغة، حيث يسيطر ‘الطويل’ على جمهوره، وتمتد نظراته وكأنها تخاطب عين كل متلقٍ على حدة.

جلال الطويل بدور الجثة، وأسامة حلال بخبرته ورؤيته الواضحة، يتجاوزان النص، ودلالات اللغة المباشرة، عبر اشتغالهما على مفهوم ‘اللعب’ الذي غاب طويلاً عن خشبة المسرح السوري المُتحجّر، اللعب على الجسد، على الأداء، على المُختيّل، على المساحات بين الداخل والخارج، في الشخصية كما في المكان، وصولاً إلى اللعب على المقروء وغير المقروء في النص. من هنا ينجح عرض ‘جثة على الرصيف’ في أن يكون بشارة حقيقة ببداية جديدة للمسرح السوري، جثة تحاول النهوض ومتابعة التحدي. دون أن يعني هذا أنّ العرض لا يخلو من بعض الشوائب، خاصة الإيحاءات الجنسيّة التي أتت ثقيلة على روح العرض الأساسيّة، ككوميديا مبتذلة لا تليق بماساة هي واقع مُعاش، لا تليق بذلك الألم الذي نعرفه جميعاً، ويُقدّمه ‘حلال’ كما هو، دون مبالغات تراجيدية، ودون إسفافٍ تجاري. إذ، وحين ينتهي العرض، تبقى تلك الصورة الأخيرة في الذاكرة، الشرطي والمتشرّد الخائن مكسوران من الإحساس بالخوف، بالمهانة، وبذل الخيانة، خيانة الميت والموت، الجثة تتحدّى، والرجل المسؤول يعود إلى نصبه الضخم… ينتهي العرض ويبقى ذلك الشعور بالألم، والإضاءة الخافتة وحدها من تذكّر المتلقين أنهم في المسرح، وأنهم ليسوا تلك الجثة أو ذلك الشرطي أو حتى المتشرّد الخائن لصديقه، فعبر الإضاءة وحدها يرسم ‘حلال’ الخط الفاصل بين الواقع والحلم، بين الاشياء والأشخاص وصورهم.. مُقيماً مسرحه الخاص، هذا المسرح الذي لا يُقدّم بعرضه هذا إعادة إنتاج لنص ‘ونوس’، ولا تحديثاً للنص، لا يُقدّم نقداً سياسياً أو اجتماعياً، في هذا المسرح يواجه الجمهور بسؤالٍ أخلاقي، واملٍ تبشيري، فلهم هنا في المسرح، أو خارجه أن يختاروا من يريدون أن يكونوا من تلك الصور… بطاقة العرض:

العرض: جثة على الرصيفتأليف: سعد الله ونوس.

سينوغرافيا وإخراج: أسامة حلال.

إعداد نص: عمرو سواح.

تمثيل: جلال الطويل- وسيم الرحبي- أسامة تيناوي- حسام الشاه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية