ترجمة: محمد الظاهرلمن هذا الوطن؟ هذه الكلمات الثلاث التي بدأت بها توني موريسون كتابها الجديد، هل هي تحية ام هجوم علينا قبل ان تبدأ القصة؟ انها عبارة مقتبسة من اغنية كتبتها المؤلفة قبل عشرين عاما، ولذا يبدو من المأمون القول انها لم تكن تقصد تضمينها في هذا الكتاب، وانما جاءت كاشارة الى المدة الطويلة التي كانت تطاردها فيها وتؤرقها فكرة الكتاب. ان هيمنة فكرة ما، هي الفكرة المناسبة التي تطرحها الاغنية ذاتها. انها تصريح من المتحدث ذاته بأنه يفتقر الى كل من الاعتراف والمساءلة حول المواطن الخفية والغامضة والغريبة التي يجد فيها نفسه. ان جو العزلة يجعل الخط النهائي للاغنية اكثر غرابة، هذا الخط الذي يقول: ‘ قل لي، لماذا يبدو قفله مناسبا لمفتاحي’. لذا فان رواية ‘وطن’ وحسب وصف الناشر للرواية، عبارة عن قصة طويلة، اما على اساس العقدة، فيمكن اعتبارها قصة رمزية. وهي تحكي قصة (فرانك موني) متطوع حربي كوري مخضرم، وهو يبدأ رحلة العودة المترددة للوطن. لكن ما هو الوطن؟ كان فرانك قد عاد للتو من القتال حين التقيناه. وبعد عام من خروجه من جيش متكامل الى وعودته الى وطن مجزأ. منذ ذلك الوقت وهو يتجول في شوارع سياتل ‘ ليس مشردا تماما، وانما في وضع قريب من التشرد’. لقد راهن على راتبه في الجيش وخسره، وعاش مع صديقة له وخسرها، وكل شيء يناضل من اجله لا ينجح ابدا. وهناك احتمال ان يفقد عقله’. يبدأ الحدث فعليا مع ترك فرانك لعمله، مرتديا القيود وهو على سرير المستشفى، يدعي النوم من اجل تجنب جرعة اخرى قاتلة من المورفين وهو مراقب من قبل الشرطة لمخالفة لا يستطيع تذكرها.
مخالفة كان يخطط لها وينفذ هروبه منها بسرعة ثم يهرب الى كنيسة صهيون، التي كان قد لمحها في وقت سابق من خلال سيارة العصابة. فهناك سوف يجد المأوى من قبل القس جون لوك (وهذا هو القفل الاول من سلسلة الاقفال التي تلائم مفتاح فرانك)، والذي يساعده في طريقه. كانت وجهته الى لوتس بجورجيا، التي كان يحاول تجنبها لأن موانئها تعيد اليه ذكريات الطفولة التي يكرهها. ولأنه يخشى مواجهة اسر اثنين من اصدقائه في وطنه الأم كوريا مما يعكر صفو احلامه. ما يعيده الان كان عبارة عن رسالة تقول ان شقيقته الصغرى (سي) في مأزق: ‘تعال بسرعة، ستموت اذا تلكأت’. لكن فكرة الوطن كانت قد افسدت تماما بالنسبة لفرانك، انه مجرد نكتة مريرة مستمرة بالنسبة لاسم عائلته. الوطن لن يقدم له العزاء والسلوان ابدا، اما بالنسبة اليه فلم يعد لديه المزيد من الدراهم. في الرابعة من عمره، اجبر فرانك على ترك بيته الاول سيرا على الاقدام في مقاطعة بانديرا. وكان ذلك من خلال نزوج جماعي لأربعة عشرة عائلة اخرى تحت تهديد السلاح من رجال (مقنعين وغير مقنعين) امروا ان يغدروا خلال اربع وعشرين ساعة والا فان الموت سيكون مصيرهم. لقد انتهت حياة موني في لوتس.
،’ اسوأ مكان في العالم، بل اسوأ من اية ساحة المعركة’ انها بالنسبة لفرانك تبدو مثل نظيرتها اليونانية تخلو من اي طموح، وضيقة بلامبالاتها الخانقة. هناك يعمل والداه ستة عشر ساعة في اليوم في جني القطن وزراعة المحاصيل. تاركين فرانك لحماية (سي) على افضل وجه، بينما نرى الانغماس في الشرب يوميا، نتيجة لاهمال الكبار لهم.
هناك مات والداه صغيرين، احدهما بأمراض الرئة، والثاني بسكتة دماغية. لكن يجب ان يذهب الى هناك من اجل تسلم شقيقته، وتوفير الرعاية والعناية لها، على امل انقاذ حياتها: ‘هناك في اعماقها تعيش الصورة السرية لذاتي ـ وهي صورة قوية وجيدة بالنسبة لي’. اي نوع من الانانية يمكن ان يتملكك حين تأتي الى هذا البيت الفقير روحيا، هذا الشيء الذي فشل في منحه لك، ناهيك عن التغذية التي كان يحتاج اليها كل ساكن فيه؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه موريسون، ومن خلال البحث عن اجابة له ضمن الظروف الخاصة بفرانك موني، فانها تسمو بهذا التساؤل الى حدود ابعد، ومن خلال خيوط القصة، فانها تذكرنا بسوء الضيافة الذي استقبل به هذا البلد مواطنيه. ففي طريقه نحو الجنوب، يستخدم فرانك ‘الكتاب الاخضر’ الذي يعتبر جزءا اساسيا من سلسلة الادلة السياحية للامريكيين من اصل افريقي خلال الحقبة الاكثر عنصرية لهذا البلد. في القطار يواجه زملاءه المسافرين الذين تعرضوا للضرب الدامي، فقط، لأنهم حاولوا ان يشتروا القهوة من مؤسسة تابعة للبيض. وهناك التقى بصبي كان يلهو بمسدس في الخارج، فأطلقت عليه الشرطة النار مما افقده القدرة على استخدام احدى ذراعيه. فرانك نفسه تعرض للأذى والتوقيف خارج متجر للأحذية. حتى هفوات العقل، التي نطلق عليها اليوم اعراض الصدمة التي تلي التعرض لاعراض الاضطرابات المخيفة، تظهر له من خلال هذا المجاز العنصري. اذ اصبح لديه حالات مخيفة من العمى الليلي، مما جعل العالم يصبح بالنسبة اليه ‘شاشة سينمائية بالاسود والابيض’. التساؤلات حول استقرار الحالة النفسية لفرانك تظهر في كل مستوى من مستويات السرد. صديقته السابقة تعتقد انه ‘رجل منحرف’. ونحن نسمع صوته الخاص، فقط في فصول قصيرة يحاول من خلالها نصح او تصويب او توبيخ الراوي الذي يعلم كل شيء. هل تعني هذه المؤشرات انه يسعى لاستعادة توازنه النفسي، ام انها دليل على المزيد من التفكك؟ حتى وهو يحاول التخلص من الهلوسات، ويعمل على تحمل المسؤولية، فاننا نراه قلقا من انه سيكون بلا حول ولا قوة، و’ومسجونا داخل مساعيه التي يحاول جاهدا تحقيقها’. فحين تتطلب المحافظة على الذات التخلي عن الاحلام، فانها تعمل بالنيابة عن رغبة الانسان، وهذا هو الخطر بحد ذاته.
ثم هناك ذلك الرجل، قصير القامة، الذي يرتدي سروالا منفوخا ازرق شاحب اللون، وقبعة عريضة الحواف، وحذاء مدببا ـ انه القضية برمتها – فهذا الزميل الصامت يتحول ولأول مرة لتسلية فرانك والترفيه عنه، وهو يجلس الى جانبه في القطار. وهو اذ يبدو لفرانك انه الى جانبه، نراه يتلاشى امام عينيه، ونحن نفترض ان هذا المظهر هو احد مظاهر الحالة النفسية غير المستقرة لفرانك، انه رمز من رموز سيطرته الهشة على احساسه بالرجولة، فنحن هنا نرى فرانك يحاول التعويض عن حالته المتدهورة عن طريق اختراعه لنموذج رؤية مبالغ فيها. ونحن نتعامل مع هذا الافتراض حتى الصفحات الاخيرة، حين يعود هذا الرجل الصغير ذو الثياب الزرقاء الشاحبة للظهور مرة اخرى ليصب في صالح افتراضنا، ويؤكد بشكل اقوى واهم ما يمكن ان تقوله الرواية، وهو انه لا يوجد شيء من هذا القبيل في علم الامراض الفردية.
ومع الوقت تكشف لنا الرواية عن البعد الرمزي لكل هؤلاء الصغار، اذ تكشف لنا ان جدة فرانك و(سي) كانت ساحرة شريرة مثل ساحرة (هنسل وغريتل)، وان فرانك قد شهد مجزرة كبيرة في كوريا، ونعلم ان هذه المجزرة قد ‘غيرته’، وان النساء اللواتي كن يعالجن (سي) بالاعشاب الطبية ومربى ثمر العليق كن ‘ يتحملن مسؤولية اعالة انفسهن، واعالة من يمكن ان يحتاج لمساعدتهن’، وبعد ان تسترد (سي) الثقة بنفسها، تتغير علاقتها باخيها: ‘لم تعد بحاجة اليه كما كانت من قبل’ ان مثل هذا البوح، يمكن قراءته على انه ومضات مضيئة داخل النص.
هذه الرواية تكشف لنا عن عظمة موريسون وقدرتها في انتقاء قصص معينة حول تجربة السود لتتحدث من خلالها عن التجربة بشكل عام. وبشكل اكثر تحديدا قدرتها على تجاوز القيود التي يفترضها جمهور قرائها. ان انجاز هذا العمل يكشف عن قدرتها العظيمة في جعلنا نشعر اننا لسنا مقيمين في هذا الوطن فحسب، وانما نحن مالكون له، وانه يتطلب منا مساءلة جماعية لهذه الارض التي ندعوها وطنا.