د. سهير ابو عقصة داود متى ينهي هذا الشتاء الرهيب؟ هكذا تسائل الراحل العربي الكبير محمد الماغوط في نهاية كتابه ‘ساخون وطني’ وطن القمع والبؤس والكرامة المسلوبة والحرية المغتالة ومعتقلات الاسيد وقلع الاظافر والخيانة والانتهازية من اليمين ومن اليسار؟
ويبدو ان الربيع العربي، الذي يسميه البعض الشتاء الاسلامي والبعض الاخر لا يؤمن بتسمية تأتي من الخارج، وهؤلاء انفسهم يتبنون كل شيء اخر يأتي من الخارج من ايديولوجيات وتكنولوجيا وافلام وألف شيء وشيء، قد انتهى بسرعة ككل ربيع يزهر ويطل جميلا ونديا ومليئا بالدف والامال، يليه تقلبات اخرى كصيف حارق وخريف جاف وشتاء رهيب اخر.. ولكن هذه النتيجة طبيعية جدا ولا يمكن لأحد يعي التاريخ ان يعتقد ان التغيير الثوري سيؤتي ثماره بدون ثمن كبير او ان الثورات تتحقق بسهولة وتؤتي ثمارها بين يوم وليلة!
فاذا كانت الثورة الفرنسية، التي تعد اعظم ثورة في التاريخ 1789، قد اجهضت على يد الثوار انفسهم بتدشين عصر ارهاب الدولة الذي لم يعرف له مثيل وسريعاً لسيطرة العسكري نابليون بونابارت الذي الغى الجمهورية الاولى واقام الامبراطورية الفرنسية. والثورة البلشفية في روسيا التي فجرت حربا اهلية دموية دامت اربع سنوات الى ان تمكن الجيش الاحمر من دحر الجيش الابيض المدافع عن النظـــام القيصري والنبلاء والكنيسة الارثوذوكسية. والثورة الصينية ايضاً تسلحت ودخلت حرباً اهلية لاربع سنين انتهت بفوز ماوتسي تونغ ودحر القوميين الى تايوان. ولم تستقر الديمقراطية في فرنسا الا بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس الجمهورية الخامسة والثورتان البلشفية والماوية اسسا لانظمة شمولية والاهم لثقافة سياسية شمولية نرى نتيجتها في لعبة بوتين – مدفيدف حتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ومن المثير ان استطلاعا للرأي اجري قبل عامين في روسيا الاتحادية قد افرز جوزيف ستالين كواحد من اعظم من حكم روسيا على الاطلاق وهذا رغم استبداده والملايين التي قضت في عهده مما يدل على ان الروس بشكل عام لا زالوا يفضلون حاكما قويا يضع روسيا في صدارة الامم ويحقق الانتصارات والاقتصاد القوي على مبدأ الحرية. وباختصار، ان الربيع ليس ضماناً لما قد يأتي بعده ولكنه لا يلغي عظمة تحرك الشعوب ضد الظلم والاستبداد. ولكل ثورة ظروفها الداخلية والخارجية وفشل الثورة في تحقيق غاياتها لا ينتقص قيد انملة من عظمة الالاف والملايين التي تخرج في لحظة تاريخية مثيرة لتتحدى القديم ولتنادي بالتغيير وبالحرية. وبغض النظر الى ما سيأتي بعد هذا الربيع العربي الجميل الذي فاجأنا وايقظنا من سباتنا وجعل اولوياتنا بناء الوطن والتحديات المصيرية وجعلنا نناقش ونفكر ونتأمل ونصبح شعباً يبحث عن رؤية ويخلق اجيالا جديدة ثورية مليئة بالحماس بعد ان كنا قبل الثورات العربية غارقين في اليأس من ان اي شي قد يتغير من حولنا، وبعد ان كانت القنوات الفضائية تفرغ الشباب من عقولهم وتستنفذ طاقاتهم بالسخافات، اتت انتفاضات الشعوب العربية لتخلق لهم امالا جديدة وطاقات جديدة. وهذه الثورات التي لم تنته بعد وعليها ان تمتد الى كل قطر عربي لأن جميع الدول العربية هي دول استبدادية من الفها الى يائها واذا كانت لبنان هي الدولة الوحيدة التي لا يحكمها استبداد سياسي الا انها تحتاج الى ربيع ينتهي نظامها الطائفي واستبداد زعماء الطوائف والا لكان مصيرها اسوأ من الدول العربية الاستبدادية.
افرزت الثورة في مصرانتخابات رئاسية في ظل عدم وضوح نظام الحكم المقبل وكان هذا خطأ فادحاً. واتت نتيجة الدورة الانتخابية الاولى بصدمة تقدم رجل النظام، ولا اقول القديم، لأن الثورة المصرية اخطأت خطا فادحاً واستراتيجيا حين لم تقتلع من الاساس النظام السابق ودستوره واركانه لتؤسس نظاما جديدا، وما السماح لاحمد شفيق وعمرو موسى بخوض الانتخابات الا دليل على هذا الفشل الاستراتيجي وبقاء الجيش في الصدارة. ويبدو ان شباب الثورة لم يعتقدوا ان النظام السابق له كل هذه الجذور فكانت النتيجة صدمة للجميع.
ولا حل في مصر الا بواحد من اثنين: ان يستثنى شفيق لانتمائه لنظام الفساد المالي ويذهب مرسي وحمدين صباحي الى جولة الاعادة الثانية او وقوف القوى الثورية وراء مرشح الاخوان، رغم الامتعاض من هذا السيناريو، من اجل قطع الطريق على اركان النظام السابق مع اتفاق مسبق يكون به حمدين صباحي رئيسا للحكومة او نائبا فعليا للرئيس مع ضمانات اخرى للقوى العلمانية والثورية بما فيها دستور علماني يضمن فصل السلطات وفصل الدين عن الدولة.
اما الحديث عن 4 نواب منهم قبطي وليبرالي وامراة وغيره غير مجد، لأن وضع قبطي لا يضمن بالضرورة حق الاقباط ولا تعيين امراة في منصب ليضمن حقوق النساء. الضمانات تأتي من وضع دستور يضمن الحقوق، ومن تأمين آليات لتنفيذ الدستور وليس لركنه على الرف. لأن دستورا متقدما ضامن للحريات لا يعني بالضرورة تطبيق ضمان الحريات. الحديث يتمثل باعادة خلق منظومة جديدة من الاسس بين مؤسسات الدولة وبين الدولة والمواطن. ومن هنا ايضا ليس مهما كثيرا اذا كان النظام المقبل رئاسيا (كالولايات المتحدة) ام برلمانيا (كبريطانيا) او مختلطا (كروسيا وفرنسا) بقدر اهمية بناء ثقافة سياسية جديدة تبني مواطنا يقبل بالتعددية الفكرية وبانتقال السلطة السلمي، والاهم بناء ديمقراطية الاغلبية التي تحترم ونأخذ بعين الاعتبارحقوق الاقليات العددية والدينية والعرقية (ديمقراطية ليبرالية). والنوع الاخير من الديمقراطية هو الذي سيكون ضمانة لانشاء مجتمع مدني متعدد متماسك وطنيا تهمش فيه النزاعات العرقية او الدينية. وحتى لو توفر هذا النوع الاخير من الديمقراطية فهو ايضاً غير كاف. لأن الديمقراطية هي مجرد نظام حكم: له ايجابيات وله سلبيات وهو ابداً ليس نظاما مثاليا والمطلوب نظاماً ديمقراطياً تسانده دولة رفاه اجتماعي تضمن خدمات اساسية عامة وشاملة لكل المواطنين كالتعليم المجاني والصحة والسكن والبطالة والتقاعد لبشعر كل مواطن انه لن يموت على باب المستشفى لانه لا يملك ثمن العلاج او يموت جائعاً اذا بلغ سن الشخوخة. يجب منح المواطن شعور الكرامة وان الدولة عليها ان تلتزم تجاهه وان دفع الضرائب لن يذهب سدى.
اما الحالة السورية فهي بالتأكيد قفزت قفزا عن مرحلة الربيع لأنها منذ بداياتها حتى اليوم لم تشهد الا الوحل والغرق في المزيد من الاوحال. ورغم ذلك تبقى نقطة الضوء حاضرة وهي قوة الاحتمال والاستمرار رغم كل القمع للمتظاهرين والثائرين بقول لا لحكم ازداد همجية وقمعا وبشكل طبيعي ديماغوغية وكذبا.
والذي لا يزال يصر على ان الثورة السورية ما هي الا مؤامرة لا يمكن الا القفز عنهم لأنهم يعيشون على هامش التاريخ اما كمنتفعين او كجاهلين متجاهلين. ويبدو ان السيد حسن نصرالله اختار انكار الثورة السورية بشكل فظ ليتحدث عن فهمه للوضع الاقليمي والدولي، وكأن على الشعوب ان تقبل طواعية ان تضرب بالجزمة والمدفع لأن الولايات المتحدة تستهدف ايران وتستهدفه. هو يريد ان يدفع الشعب السوري دمه ليظل السلاح يمر من ايران الى حزب الله والباقي غير مهم. فقد نصرالله الكثير من شعبيته من خلال موقفه وزاد ذلك بعد مدحه الاسد لجهوده تحرير المختطفين اللبنانيين ولم يكن ينقص الا ان يبايعه كمرشد عربي اعلى!
ولكن في الحالة السورية ليس النظام هو الطرف الوحيد فيها طبعاً. فالمعارضة السورية في الداخل لهاالحق الاساسي في الدفاع عن نفسها ضد اجرام النظام وبالتسلح للدفاع عن المواطنين كما حدث في معظم ثورات العالم ولكن حين تتحول بعض الجهات المعارضة المسلحة في الداخل الى عمليات تستهدف مدنيين فلا تسمية لهذا النوع من الاعمال الا بالارهاب واخص بالذكر حادثة اختطاف المدنيين اللبنانيين، وبالمناسبة كل تفاصيل هذه القصة لا تدخل الى عقل، الذين يجب ان يطلق سراحهم فورا بدون شروط وما اسخف واتفه ما صرح به رئيس الجيش السوري الحر ورئيس حزب الاحرارعلى ان عملية تحريرهم تأجلت بسبب مدح نصرالله لبشار الاسد! ولماذا على المختطفين ان يدفعوا ثمن شيء لا علاقة لهم به؟ اما معارضة الخارج وبالذات المجلس الوطني الحر قد خسر منذ البداية المعركة وجاء تنحي غليون عنه متأخرا جدا وفي رأيي لم يكن عليه ابدا منذ البداية في الدخول في هذه اللعبة التي خسرها وكانت اخطاءه استراتيجية وتصريحاته ضد ايران وحزب الله وتقربه من تركيا والولايات المتحدة والدول العربية التي لا تريد خيرا لسوريا خطا قاتلا في مسيرته. ستشهد المنطقة المزيد من التوتر بفعل هذه الثورات ان كانت ربيعا مؤقتا ام شتاء غارقا في الوحل ولكن بغض النظر عن التسميات على الجميع ان يبقى متيقظا لأن الثورات قد تنتهي نهايات مأساوية ولكنها ايضا قد تخلق مجتمعات جديدة اكثر عدلاً وحرية، والوحيد الذي يقرر الاتجاه هي الشعوب نفسها: هي قررت ان تخرج الى الشارع وعليها ان تبقى مستعدة لتظل او لتعود للشارع حتى تتحقق لها ما قدمت من اجله التضحيات.’ محاضرة في العلوم السياسية، جامعة كوستال كارولينا-الولايات المتحدة