صحف عبرية تتحدث أغاثا كريستي في كتابها ‘أتوا الى بغداد’ عن مسؤولين كبار يحضرون الى بغداد عرضا للمشاركة في مؤتمر دولي مهم (فيلقون حتفهم هناك). وتضلل كريستي قُراءها لكن يوجد في النهاية نوع من نهاية سعيدة. وقد واجه ناس ‘الخمسة بزيادة واحدة’ (الاعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الامن بزيادة المانيا) الذين جاؤوا الى بغداد في الاسبوع الماضي لمحادثة ممثلي ايران، واجهوا مفاجآت غير ظريفة (برغم أنهم لم يعرضوا حياتهم للخطر)، فقد حاول الايرانيون تضليل محادثيهم، لكن ذلك لم يكن مفاجئا بخلاف ما في كتاب كريستي.
في أيام المحادثات نفسها وُجدت في منشأة فوردو بقايا يورانيوم مخصب بدرجة 27 في المائة. وعُلم ايضا ان ايران ضاعفت كميات اليورانيوم المخصب خلال الاشهر الثلاثة الاخيرة فقط (من 73.7 كغم الى 145 كغم). وقضى معهد العلوم والامن القومي، وهو مؤسسة مستقلة في واشنطن هدفها منع نشر السلاح الذري، بأن كمية اليورانيوم المخصب التي صارت في يد طهران تكفي في المستقبل لانتاج خمس قنابل ذرية. ليس واضحا في هذه المرحلة هل ستكون نهاية سعيدة للقصة الذرية الايرانية، أي هل ستمنع العقوبات والدبلوماسية اللتان يفضلهما الغرب طهران من احراز القنبلة الذرية. وقد استعمل الايرانيون في محادثات بغداد والمحادثات التي سبقتها في تركيا تكتيكا شفافا هو الافضاء الى انقسام في الطرف الثاني وتحديد مبدأ ‘التبادلية’، أي ان يأتي تنازل في مجال العقوبات مقابل كل تنازل من جهتهم.
لم يتنازل ممثلو الغرب، لكن ما يقلق طهران أكثر من كل شيء كما يبدو هو احتمال ان تهاجم اسرائيل أو الولايات المتحدة في القريب، في موعد قريب من تشرين الثاني وهو موعد الانتخابات في امريكا. ولهذا نشب بين جاذبي الخيوط في طهران جدل في انه هل أفضل طريقة لمنع ضربة عسكرية هي استمرار الخداع أو زيادة لهب التهديد الذي يشمل ارهابا موجها على اسرائيل والحليفات العربيات للولايات المتحدة كالسعودية وامارات النفط.
تبذل ادارة اوباما من جهتها جهودا كي لا تواجه المعضلات المتعلقة باستقرار الرأي على عمل عسكري من اسرائيل أو من امريكا. وموقفها كما عبر عنه توم دونيلون، مستشار الامن القومي للرئيس، هو أنه ‘لنا ولاسرائيل الأهداف نفسها’ أي منع ايران القدرة الذرية العسكرية ‘لكن السؤال هو هل العملية العسكرية مجدية’. ويبدو ان واشنطن صادقة حقا في رفضها المطلق لحصول ايران على القدرة الذرية العسكرية، ولاثبات أنه لا فروق بينها وبين القدس أرسلت وزيرة الخارجية كلينتون الى اسرائيل في نهاية الاسبوع نائبتها ووندي شيرمن التي ترأست الفريق الامريكي في بغداد.
لكن استراتيجية الادارة الامريكية تحظى بنقد يزداد. فقد كتب خبيران بالمجالين السياسي والامني هما جيمس بيلي، وهو عضو رفيع المستوى سابق في مجلس الامن القومي عند الرئيس بوش الابن، وماثيو كرونيغ الذي خدم الى وقت غير بعيد في ادارة اوباما، كتبا في الاسبوع الماضي في صحيفة ‘واشنطن بوست’ ‘أنه لا يوجد أي سبب للافتراض ان لايران نية ما ألا تستغل الاسابيع التالية (مدة المحادثات) للاستمرار في تخصيب اليورانيوم والتقدم الى نقطة يكون انتاج القنبلة منها مسألة وقت فقط’. ويريان انه يجب على الولايات المتحدة ان تعرض مطالبها بصورة واضحة وأن تعلن ماذا سيكون ردها اذا لقيت الرفض. وفي الاسبوع نفسه قال راؤول غريخت، وهو عالم وباحث سياسي وأمني، ومارك دوفوفيتش، وهو مدير معهد بحث مشهور في عاصمة الولايات المتحدة، أنه برغم ان العقوبات جاءت بايران الى طاولة المحادثات فسيكون من الخطأ ان نستنتج أنه يجب ان يمنحها الغرب إفضالات باعتبارها جائزة. وكان تلخيصهم كالتالي: ‘ان حقيقة ان ايران قد نجحت في التقدم كثيرا في تحقيق برنامجها الذري تشهد بأن توجه الغرب مصاب بالنقص بصورة بالغة’ لأن ‘التهديد من جهود ايران الذرية ليس في قدرتها الحالية على تخصيب اليورانيوم بدرجة 20 في المائة فقط بل في قدرتها على الدفع الى الأمام بأهدافها سرا’. سيبدأ الفصل التالي بعد ثلاثة اسابيع في موسكو. وتبدو النهاية السعيدة بعيدة ولا سيما اذا قوي ايمان الايرانيين بأنه لا يوجد رصاص في المسدس المتردد الموجه اليهم.
اسرائيل اليوم 29/5/2012