عبد الرزاق قيراطلم يشارك هذا الفيلم في مهرجان كان الأخير لأنّ تصويره لم يبدأ بعد، و لكنّ السيناريو جاهز، قرأه علينا الفنان الأسمر صلاح مصباح في برنامج التوك شو لاباس على قناة التونسيّة تي في، و هو يروى لنا تفاصيل مثيرة من قصّة اعتقاله وتعرّضه لفنون من التعذيب الجسدي واللفظي. و القصّة بأحداثها المشوّقة لها من الشروط الفنيّة ما يؤهّلها للاستغلال السينمائي و تحويلها إلى فيلم ناجح بكلّ المقاييس. و الذي يسمعها سيتعاطف مع بطلها المظلوم المهان، و هي مليئة بالحركة حتّى أنها تصلح لفيلم من نوع الأكشن، ونحن في تونس لا ننتج هذا النوع من الأفلام بسبب انعدام الأفكار أو بسبب انعدام الصناعة السينمائيّة أصلا.
المشهد الأوّل الذي يناسب المقدّمة حادثة اصطدام بين سيارة الفنان مصباح و الحافلة أو الباص كما يقول المشارقة بترجمة صوتيّة للعبارة الإنجليزيّة. رفض سائق الحافلة القيام بالإجراءات ليسترجع الفنان حقوقه من شركة التأمين وأسرع بالباص هاربا بعد أن أسمع المطرب ما لا يرضيه من شتائم و نعوت عنصريّة قبيحة. و في القصّة مشاهد كثيرة لمعارك وملاحقات تذكّرنا بفيلم الإثارة (speed)، و مفاجآت غير متوقّعة منها مثول الفنان أمام المحكمة العسكريّة التي أمرت بسجنه استجابة لنزوة من عماد الطرابلسي الذي كان يصول و يجول قبل الثورة. لكنّ المفاجأة غير المنتظرة التي أصابتنا بالذهول كانت سلاما أرسله صلاح مصباح لصديقه بن علي الذي يعرفه منذ السبعينات، موضّحا أنّه كان مغلوبا على أمره عندما أدخل السجن في عهده. و كانت تلك التحيّة كافية لتعطي دور البطولة لبن علي. و الموقف في رمّته كان صادما للغاية فغطّى على كلّ المظالم التي تعرّض لها مصباح. و انتشر الخبر في المواقع الاجتماعيّة التي لا تعرف قواعد المجاملة فكانت الصفعات بعدد القرّاء و المعلّقين، و حتّى الأغنية الرائعة التي أطربنا بها مصباح في خاتمة البرنامج لم تشفع له و كأنّ تحيّته للمخلوع تجبّ ما قبلها و ما بعدها. أمّا نهاية القصّة فلا بدّ أن تكون مفاجأة من الوزن الثقيل فالمطرب الراوي قال إنّه ‘حمّال أسرار’، و ما خفي أعظم!
و في حدث لاحق، حُكم على بن علي في قضيّة شهداء الثورة بالإعدام، و لكنّ المخلوع لن يعلّق في المشانق. سيعلّق الحكم إلى حين جلبه من السعوديّة، و حدوث ذلك يحتاج إلى معجزة. و لعلّ الإعدام المطلوب يخصّ الاسم دون المسمّى، بعد أن كثر ذكره من الواقفين على أطلاله و الباكين على أيامه الخوالي. و إذا كتب لهذا الفيلم أن يرى النور فقد يحصل على سعفة في الدورة القادمة من مهرجان كان بعد أن نال صفعة في تونس من الغاضبين على نظام بن علي الذي أصبح في خبر كان.
صفعة أخرى.
اختيار فيلم ”ما بعد الموقعة’ ليشارك ضمن المسابقة الرسميّة لمهرجان ‘كان’ تتويج في حدّ ذاته. و قد احتفلت قناة نايل سينما بالحدث في تغطيتها اليوميّة لأخبار المهرجان، فاستضافت السينمائيّين والنقّاد ليشيدوا بفيلم يسري نصر الله و بجميع الأعمال المصريّة التي شاركت في الدورات السابقة.
لا وجه للمقارنة بين السينما المصريّة و السينما التونسيّة و الفرق بينهما كالفرق بين السعفة باعتبارها جزاءً و الصفعة باعتبارها عقابا. و قد جاءت الصفعات من قناة حنبعل و من حسين فهمي و من وزير الثقافة التونسي. قال مهدي مبروك إنّ الوزارة رصدت أكثر من مليار و460 ألف دينار لإنتاج أفلام تونسية، لكنّ المواطن التونسي لم يشاهدها إلى الآن! و تساءلت جريدة الشروق: أين ذهبت أموال الشعب هذه؟ ولماذا لم تحاسب الوزارة المتحصّلين على هذا الدعم؟ وهل تنوي استرجاع الأموال؟ و كلّ هذه الأسئلة ستظلّ على الأرجح دون إجابة، فنيل الأموال في تونس سهل و لكنّ استرجاعها مستحيل، سواء تعلّق الأمر بما نهب و استقرّ في البنوك البعيدة أو حتّى بما منحته الدولة لأحزاب خرجت علينا كالفقاقيع بعد الثورة و لم نسمع بها تستردّها كما نصّت على ذلك القوانين المنظّمة للانتخابات.
ما نعرفه الآن أنّ الأموال التي دفعتها وزارة الثقافة لم تنفع الذين حصلوا عليها لينجزوا أعمالا جديرة بالمشاركة في المهرجانات الدوليّة على غرار ‘كان’ و أخواتها. نعرف أيضا أنّ العديد من السينمائيّين التونسيّين حصلوا في السابق على جوائز، و لكنّها جوائز رمزيّة من مهرجانات صغيرة مقابل ما قدّمته أعمالهم من خدمات لنشر ثقافة مخالفة. و هذا المعنى عبّر عنه النجم المصري حسين فهمي في تصريحه لقناة سي بي سي فقال إن تمويل الأفلام العربية من جانب أوروبا كان دائمًا ملوّثًا، حيث لا تموّل إلا الأفلام التي تسيء للمجتمعات’العربية، سواء كان في مصر أو تونس أو المغرب’، و أضاف أنّ تلك الأعمال ‘يتمّ دفعها إلى المهرجانات لتحصل على جوائز’. و المؤكّد أنّ الفنان المصري لا يقصد مهرجانات في حجم ‘كان’ و جوائزها المرموقة، حيث تتنافس أفلام قيّمة من دول لها تقاليد عريقة في صناعة السينما.
نحن في تونس نفتقر إلى تلك الصناعة، و هذا ليس عيبا و لكنّ العيب أنّنا نهدر المال العام في التطفّل عليها ببعض’الأعمال التي تتفاوت قيمتها من التافهة إلى الجديرة ببعض التشجيع. و الأخيرة هي التي تتلمّس طريق الإبداع و الإقناع و هي الأقلّ عددا من بين أعمال كثيرة تخصّصت في لون محدّد يتمحور حول قضايا الجنس و أمراضه. فما أحوجنا في تونس إلى سينما تعرف كيف تخاطب جمهورها، و كيف تعالج قضاياه الحقيقيّة، و ما أحوج السينمائيّين إلى الاعتراف بنقائص أعمالهم عوض مهاجمة المهرجانات التي لم ترحّب بها كما جاء في كلام المخرج مختار العجيمي الذي يرى’ أنّ تونس لن تدخل كان قبل 10 سنوات من الآن… ليس لأنها لا تستحق المشاركة وإنما لأنّ 50′ من الأفلام التي تشارك في كل دورة من مهرجان كان، تكون بعلاقات شخصيّة و خدمة لمصالح اقتصادية’. و هذا التفسير بالغ في مجانبة الصواب، كما بالغ المحتجّون في إبداء غضبهم منذ أيّام على وزارة الثقافة حين أرادت أن تبدي شيئا من التقشّف بخصوص إقامة الجناح التونسيّ بمهرجان كان، و رأت ضرورة إلغائه نظرا لغياب الأفلام التونسيّة من المسابقة الرسميّة. و قد اعترف صحفيّون شاركوا في الدورات السابقة أنّ الذين كانوا يذهبون لتنشيط ذلك الجناح، لم يكن يهمّهم من أمر ‘كان’ و أفلامها إلاّ خمّاراتها و نواديها الليليّة! هكذا قال الصحفيّ حبيب جغام تلميحا في برنامج بلا مجاملة، بحديثه عن تقصير البعثة التونسيّة في القيام بعملها على الوجه المطلوب، و كان شاهد عيان عندما اختارته الوزارة ليكون مرافقا للوفد في مشاركة سابقة، ثمّ جاء تعقيب الزرّاع مقدّم البرنامج بالقول الصريح و هو يتحدّث عن سهرا ت اللهو و الخمر باعتبارها النشاط الأهمّ للوفود التونسيّة التي كانت تصطفيها وزارة الثقافة لتشرف على الجناح التونسيّ في كان. قناة الزيتونة نار على نار! أضاءت منذ أيام شارة الفضائيّة التونسيّة الجديدة قناة الزيتونة في بثّها التجريبي، ‘لإثراء الساحة الإعلاميّة في تونس’، حسب قول صاحب الفكرة أسامة ابن الوزير المنصف بن سالم من حركة النهضة الإسلاميّة. و مع أنّ أغلب ما يذاع الآن تلاوات من القرآن فإنّ أسامة بن سالم أوضح أنّ القناة لن تكون دينيّة بل ‘عامّة وشاملة تلبي طموحات التونسيين.. و هي لا تعبّر عن شقّ معيّن أو لون سياسيّ’، زيتونة لا شرقيّة و لا غربيّة، مستقلة عن الأحزاب، و لكنّها تكاد تحترق و لو لم تمسسها نار، و قد أطلق عليها رصاص مطّاطيّ، فابن الوزير و أبوه يتعرّضان للغمز و اللمز بسبب هذا المشروع الذي يتطلّب تمويلا كبيرا. و المنتقدون يسألون الوزير: من أين لك هذا يا بائع الخضار؟ فقد سجن طويلا و كان ممنوعا من العمل في الجامعات و اضطرّ لبيع البقدونس لتوفير لقمة العيش. فضائيّة الزيتونة تكاد تضيء بنور على نور، و قد تحترق بنار على نار[email protected]