د. يوسف نور عوض
لا أدري لماذا سميت الثورات التي انطلقت في العالم العربي بثورات الربيع العربي، ذلك أن الربيع هو موسم الانبثاق والازدهار والتغيير، ولا أعتقد أن ما حدث في العالم العربي اليوم سيأتي بمثل هذا النوع من التغيير، ودليلنا إلى ذلك أن ننظر إلى ما حدث بعد هذه الثورات في تونس وليبيا ومصر واليمن وما يجري في سوريا اليوم لنكتشف أن ما حدث لم يكن فيه أي مؤشر لتغيير أكيد في العالم العربي، و قبل أن نتوقف لنعرف الأسباب التي تحول دون مثل هذا التغيير نتوقف عند بعض الآراء المهمة التي تحلل هذا الوضع، وفي البداية نتوقف عند مقالة مهمة كتبها’ توماس فريدمان’ يقول فيها إن السبب الرئيسي في عدم حدوث التحول في العالم العربي من واقعه القديم إلى ربيع حقيقي يكمن في قلة القادة في هذه المنطقة التي شهدت من وجهة نظره ثورات بركانية، ويقول ‘فريدمان’ إنه لا يقصد بالقادة أولئك الرجال والنساء الذين فازوا في الانتخابات بل يقصد أصحاب الرؤى الذين يخبرون شعوبهم بالحقيقة، و يرى أن العالم العربي بحاجة في هذه المرحلة إلى أن ينتقل من نوع الحكم السلطوي إلى نوع الحكم الديمقراطي كما كان في عهد الرئيس ‘جيفرسون’ في الولايات المتحدة، ويرى فريدمان أن الدكتاتوريات العربية ظلت ذات طبيعة خاصة لأنها تختلف عن دكتاتوريات ظهرت في بلاد مثل كوريا الجنوبية وتايوان وهي البلاد التي استطاعت أنظمة الحكم فيها أن تحدث تغييرات جوهرية في النظام الاقتصادي، وذلك ما لم يحدث في النظم الدكتاتورية في العالم العربي من وجهة نظره. ولا يرى فريدمان أن تغييرا سيحدث في هذا العالم بكون الذين ينتظرون لملء الفراغ لا يهتمون كثيرا ببناء الدول الحديثة بقدر اهتمامهم بإيجاد أنظمة حكم يسيطرون عليها بما يلائم معتقداتهم الفكرية والأيديلوجية. ويركز فريدمان على مسألة مهمة، وهي أن معظم الشباب العربي الذي قام بالثورات يفتقر إلى الأدوات التعليمية التي تجعلهم قادرين على المنافسة في مجال التغيير، ويرى أن ما يعطل إمكانات التغيير في العالم العربي أيضا وجود صراعات طائفية ومذهبية تقوم على أسس دينية في وقت لا يوجد فيه في العالم العربي حتى الآن نيلسون مانديلا أو مارتن لوثر كنغ لمداواة سائر الجراحات.
وفي مقالة أخرى جيدة كتبها ‘عمر تاسبنار’ قال فيها إن العالم العربي ليس وحدة متشابهة بحيث نتحدث عن التغيير فيه من وجهة نظر واحدة بكون هذا العالم فيه البرتقال وفيه التفاح، وعندما نتحدث عنه فيجب أن نقارن دائما بين التفاح والتفاح وبين البرتقال والبرتقال، ويقول ‘تاسبنار’ يجب ألا نقع في خطأ الاعتقاد أن الثقافة أو العقيدة الدينية هما العقبة التي تقف أمام التغيير في العالم العربي، ذلك أن العالم الإسلامي شهد ديمقراطيات متعددة كما هو الشأن في تركيا وماليزيا وإندونيسيا، وكل هذه الدول فيها ظروف مشابهة للعالم العربي، لكنها استطاعت أن تتجاوز واقعها القديم لتؤسس واقعا جديدا، غير أنه يرى أن هناك أمورا تعيق تحقيق الديمقراطيات في العالم العربي، وأهم تلك الأمور عدم حاجة كثير من الدول العربية إلى بناء نظم ومؤسسات الدولة الحديثة بسبب الثراء الطبيعي الذي تتمتع به المنطقة العربية، وهو ثراء يجعلها في غير حاجة إلى استخدام الأساليب التي تتبعها معظم الدول خاصة في العالم الغربي من أجل تقنين العلاقة بين المواطن والدولة. ويرى ‘تاسبنار’ أن هذا الوضع يبدو مريحا بالنسبة للعالم الغربي، خاصة مع وجود حاجة لكثير مما يمتلكه العالم العربي، كما أن وجود إسرائيل في المنطقة يجعل استمرار حالة الاستقرار الحالية هي الخيار الأفضل بالنسبة للدول الغربية، وحتى بالنسبة للدول العربية التي لا تمتلك إمكانات كبيرة فإن الغرب يفضل أن تبقى هذه الدول في حاجة إلى مساعدته لكي يحكم السيطرة عليها بدلا من حدوث تغيير جذري في داخلها. وإذا نظرنا إلى كل ذلك تأكد لنا شيء واحد وهو أن التغيير ليس مجرد رغبة بل يجب أن تكون هناك مقومات أساسية يعتمد عليها، ذلك أن شكل الحكم ليس هو الهدف في كل الأحوال، ففي العالم هناك نظم ملكية مثل بريطانيا تعتبر أنموذجا حقيقيا للديموقراطية الحديثة، وهناك نظم جمهورية مثل الولايات المتحدة وفرنسا تقدم أنموذجا آخر للديمقراطية. ولا تختلف بنية الدولة في النظام الملكي أو النظام الجمهوري بكون الدولة الحديثة تبنى على نظم المؤسسات وليس على نظم السلطة، وإذا أخذنا بريطانيا على سبيل المثال وجدنا أن المواطن في زمن الانتخابات فيها لا يحتاج إلى بذل جهد كبير من أجل الإدلاء بصوته بكونه لا يعطي صوته لصاحب طائفة أو زعيم قبيلة، بل يعطي صوته لممثل حزب لا يحتاج حتى لمعرفة اسمه بكون الحزب يمتلك وسائل الضبط والمحاسبة وتطبيق القانون بحسب ما تتطلبه نظم الدولة الحديثة، لكن في العالم العربي نرى أن كثيرا من الدول تستخدم جانبا واحدا من جوانب الديمقراطية وهو الانتخاب الذي توظفه لأغراض غير ديمقراطية على الإطلاق، كما يحدث الآن في مصر، التي شهدنا فيها ثورة شعبية خرج الناس فيها بالملايين ليسقطوا نظام حكم وصفوه بالفساد، ثم إذا بهم يقفون الآن أمام خيارين إما انتخاب رئيس وزراء ذلك النظام الفاسد أو انتخاب قيادة أيديولوجية جديدة لم تطرح عليهم أسلوبا جديدا في إقامة الدولة بل تطرح مبادىء ومعتقدات لا غضاضة فيها ولكنها بحاجة إلى أن توضع في سياق نظام مؤسسي من أجل أن تكون قابلة للتفعيل.
ويبدو من كل ذلك أن المشكلة الحقيقية التي يواجهها العالم العربي، هي الانتقال من مرحلة نظم السلطة إلى مرحلة نظم الدولة، وكما قلت سابقا فليس المهم أن يكون النظام ملكيا أو جمهوريا بل المهم أن يكون النظام مؤسسيا، يعتمد على الانتاج ونظم الضرائب والمؤسسات الحديثة التي تجعل كل مواطن يحس بأن له نصيبا في الدولة التي يعيش فيها، إذ هو ليس مجرد عالة على الدولة بل هو صاحب حق ومن أجل ذلك يحافظ على دولته، ومن الخطأ أن يعتقد المواطن أن مجرد الإدلاء بصوته في صناديق الاقتراع يعفيه من المسؤولية، ذلك أن صندوق الاقتراع ليس وحده الذي يحقق الديمقراطية وإلا كان ‘أدولف هتلر’ هو أحد الحكام الديمقراطيين في العالم الغربي. ونخلص من كل ذلك إلى أن الربيع المزهر في العالم العربي لا ينتهي بعملية تغيير أنظمة الحكم بل يبدأ عندما تكون هناك رؤية حقيقية لشكل التغيير المطلوب، وهو تغيير في سائر الأحوال يعني الانتقال إلى نظام دولة المؤسسات الحديثة، التي يحكمها التشريع الصادق والقانون الذي يحمي حقوق المواطنين، وليس ذلك في العالم العربي من الأمور السهلة بسبب ظروف تاريخية وواقع اجتماعي وعلاقات دولية معقدة، وإذن فمن الخطأ أن يعتقد الكثيرون أن مجرد تغيير نظام الحكم وتسلم السلطة عن طريق صناديق الاقتراع سيحقق التغيير المنشود.’ كاتب من السودان