عادل العوفياعتاد الجميع على وجود مسحة من الهيبة والوقار والاحترام على مبنى القناة الأولى المغربية (أو ما يسمى بدار البريهي) ولطالما شكل لغزا محيرا أمام ذلك الكم الهائل من التساؤلات التي تحيط به خصوصا مع حجم التكتم و السرية المحاطة في اغلب الأحيان على شؤونه، طبعا وكما يقول المثل الشعبي (دوام الحال من المحال) رغم أن الكثيرين لم يتوقعوا حتى في اسعد أحلامهم أن تنطبق هذه المقولة على هذا الجهاز تحديدا والذي يخيل للجميع انه فوق المحاسبة (وهو كذلك حسب ما يتضح على الأقل إلى أن يثبت العكس) ولا يجوز بتاتا المساس به.
ومع كل الهزات والعواصف التي لم تنل من كبريائه وشموخه ‘المزيف ‘ هذا (وربما يمكن الزج حتى بدفاتر التحملات الأخيرة ضمن هذه الهزات) ما كان احد يتوقع أن تأتي الضربة القاصمة للظهر (هكذا يعتقد البعض) من الداخل هذه المرة لتزلزل الوضع وتعيد النقاش المحتدم قبل فترة بعد طرح خطة الوزارة المكلفة بالقطاع للمرة الأولى والقاضية بإعادة هيكلة وصيانة الشوائب العديدة التي تحيط بأسلوب تدبيره، وتعود أصول الحكاية إلى التدخل الجرئ للصحفية ومقدمة نشرات الأخبار باللغة الاسبانية بالقناة الأولى ‘ حورية بوطيب ‘ في إطار اجتماع نقابي للحديث حول الوضعية المزرية وظروف الاشتغال الشاقة و البدائية التي يعيش فيها الصحافيون المنضوين تحت لواء ‘ الشركة الوطنية للإذاعة و التلفزة ‘ ، المثير للاهتمام هو كم الردود التي خلفها تسريب فيديو تلك الندوة التي كانت تحت عنوان ‘كفانا قهرا وحكرا (اضطهاد)’ وهو ما جعلها مادة دسمة للمواقع الالكترونية التي عادة ما تقتات من مثل هذه النوعية من الأخبار، مما أدى إلى حالة استنفار داخل القناة ما نتج عنه سلسلة لا متناهية من الاجتماعات والقرارات التي تندرج ضمن خانة التخبط والعشوائية التي تسير بها الأمور في سراديب قناة يبدو أنها لن تلوح براية الاستسلام إلا بعد أن تصبح فضائحها على كل لسان والأكيد أن هذه ليست إلا البداية خصوصا بعد التعاطف الكبير واللامحدود الذي كسبته تلك الصحفية الثائرة التي لم تبال بالعواقب الوخيمة التي ستطالها جراء جهرها بالحقيقة الصادمة للكثيرين ممن رسموا تصورات معينة لمناخ العمل داخل تلك المؤسسة وهذا ما سيحفز آخرين فضلوا المعاناة في صمت وعدم اقتراف ما كان يمكن أن يسمى ‘حماقة’ قبل الخطوة الأخيرة التي كسرت كل تلك الحواجز الوهمية وان الأوان لكل المغاربة أن يطلعوا على حقيقة ما يجري ويدور في الكواليس وبالتالي ما سيساهم في خلق أسس سليمة ومتينة تستلزم التغيير المنشود المبني على آمال وتطلعات عموم الشعب وكذا بناء على ما تزخر به من طاقات ومواهب بحاجة لأجواء مساعدة على تفجير تلك الملكات الإبداعية التي سترتقي بالمنتوج المقدم ويمحو صورة ‘الرداءة ‘ (على حد وصف العاملين بها ) التي ظلت ملتصقة بكل ما يحمل بصمتها، وفي ذات السياق تندرج الخطوة المفاجئة التي بأغث من خلالها احد الموظفين السابقين بالقناة الثانية الجميع وخرج بتصريح ناري أخر ليعلن عن تعيينه كموظف شبح طوال ست سنوات وهو الذي كان يترأس قسم البرمجة والأخبار في فترة من الفترات واستفادته الكاملة من راتبه وسائقين وسيارة ومنزل وظيفي دون أي عمل ملموس وكل هذا بأوامر من المدير العام السابق للقناة، كل هذه المؤشرات تفتح الباب على مصراعيه أولا حول هذا التوقيت الذي يبدو ملائما تماما لخلق الضجة وقرع طبول الحرب بعد فترة ‘الهدوء النسبي ‘ التي رافقت مشروع ‘ دفاتر التحملات ‘ التي تبدو في طريقها للإجهاض وثانيا لكسر شوكة القائمين على المؤسسة الذين ما لبثوا يشهرون رايات النصر في معركة أدخلت مجرياتها الإحباط واليأس لقلوب الكثيرين ممن يتوقعون انفراجا في قطاع الإعلام تحديدا والذي لا يزال بعيدا عن مساع الإصلاح و التحديث، رغم أن سيلا جارفا من الأسئلة تدور فحواها حول مستقبل تلك الصحفية المتمردة مثلا في ظل ضبابية المشهد الحالي وتضارب الآراء بعد جلسات الاستماع التي خضعت لها مؤخرا والأنباء التي تتحدث عن استبعادها الفعلي من القناة بناء على مواد في قانون الشغل تعتبر خرجتها الإعلامية تلك خرقا واضحا لها، لكن الشيء المؤكد في كل هذه ‘الغربلة ‘ أن ‘ حورية بوطيب ‘ باتت لها مكانتها الخاصة في قلب كل مغربي أصيل يأبى الانصياع و الرضوخ وينتصر لقيم العدالة والحق.. في انتظار ترسيخ قيم ومبادئ إعلام نزيه في حجم تطلعات وأمال كل المغاربة..’موازين ‘ يلفظ ‘السياسة ‘لا صوت يعلو هذه الأيام هنا في المغرب على ‘مهرجان موازين ‘ حيث الكل منخرط في متابعة ما ستجود به دورة هذه السنة فمن فاتته متابعة أحداثه فلا ضير من تكبد مشقة السفر إلى العاصمة الرباط لان التلفزيون المغربي بقنواته جاهز لتلبية الطلب وخلق نسبة ‘اكتفاء ذاتي ‘ من احتياجات الغناء والطرب (ولا شيء يعادلها من حيث الأهمية) ولما لا فكل الأسماء الذائعة الصيت عالميا موجودة وبمختلف الأنواع والانتماءات لخلق تشكيلة متوازنة وكي يظل هذا المهرجان مصدر ‘ فخر واعتزاز ‘ لدى الجميع، غير أن النقطة التي ما كانت لتخطر ببال الساهرين عليه أن ترخي ‘السياسة ‘ مجددا بظلالها على سهراته (لا علاقة لذلك طبعا بالاحتجاجات التي عادة ما صاحبت أيام المهرجان في دورات خلت باستثناء هذه الدورة) هذه المرة جاءت ‘المفاجأة’ من ضيوف المهرجان وصناع ‘مجده’ وتحديدا من المطربين (وهي حقا نقطة خارجة عن إرادة القائمين عليه ولا مجال لإصلاحها سوى ببلاغ متأخر) هؤلاء تفننوا في الذود عن انتماءاتهم السياسية واستعراضها أمام الجمهور (الذي تحول إلى أداة منزوعة الإرادة لا اقل ولا أكثر) فمثلا نجد الفنانة السورية أصالة تلقي رسائل بالجملة (في كافة أرجاء الساحة التي احتضنت حفلها لتصل إلى لبنان بل إلى قصر الديكتاتور السوري ) مما أدى بفنان أخر ليتكلف بمهمة الرد عليها وضرورة تذكيرها بفضل لبنان عليها وعلى كل العرب وهو الفنان ملحم زين، هذا الأخير عاد للتذكير بمنعه من دخول قطر بسبب تأييده للنظام السوري وهو ذات السبب الذي عكر علاقته بالنجمة السورية، ولعل من الأشياء اللافتة التي لا يمكن تجاهلها البتة الحضور البارز للازمة السورية على منصات الحفلات وهنا تتبادر إلى الذهن العديد من الأسئلة من قبيل كيف لمهرجان مختص بالغناء أن يتحول إلى قاعدة للتضامن والتآزر مع الأشقاء في سوريا؟ أليست مفارقة غريبة عجيبة أن نبكي ونتألم ثم نرقص ونضحك في الآن ذاته؟ ثم كيف لهؤلاء المطربين الذين يستحضرون شهداء سوريا في بداية حفلاتهم أن يتفاعلوا مع جمهورهم في أغان عاطفية وبإيقاعات متحركة؟ هل نحن حقا أمام ممثلين بارعين أم مطربين؟ ومن المطربين إلى إدارة المهرجان التي سارعت إلى إصدار بيان تنفي من خلاله علاقتها بكل ما تردد أثناء أيامه من آراء سياسية تنتصر لجهة على الأخرى وهو ما دفعها لكي تطلب من الصحافيين أثناء الندوة الصحفية التي عقدتها المغنية ‘ماريا كاري ‘ تجنب طرح الأسئلة ذات الطابع السياسي مجددا، وهنا نتساءل مجددا إلى متى كل هذه ‘ الحساسية المفرطة ‘ تجاه السياسة وشؤونها وهل تبني موقف من جرائم النظام السوري مثلا يحتاج إلى وقفة تأمل؟ وهو الواجب الحتمي أمام بطولات الثوار العزل في كل بقاع سوريا، هي أسئلة مواطن عادي فقط أنهكته ‘الشعارات’ و الأكاذيب في زمن مضلل بكل المقاييس.
ثنائية الفن والإعلامبعد اكتساحهم للإعلام على الصعيد العربي وباتت الاستعانة بهم لضمان نسبة مشاهدة عالية أمرا عاديا ومستحبا من لدن القائمين على الفضائيات العربية، يمكننا استنتاج تنامي هذه ‘الظاهرة ‘ في الإعلام المغربي مؤخرا بشكل مثير، فبعد انضمام العديد من نجوم الفن المغربي لمجال التقديم التلفزيوني وتفاوت نسب النجاح بين فنان وأخر نلاحظ ما يشبه ‘الهجرة الجماعية ‘ مما يترتب عليه نتائج غير محمودة العواقب في بعض الأحيان ولعل من الأشياء التي دفعتني لطرح هذا الموضوع متابعتي لإحدى حلقات برنامج ‘للا لعروسة ‘ الذي يبث على القناة الأولى المغربية حيث فوجئت بالفنان المغربي المميز سعد التسولي يشرف على تقديم النسخة الجديدة من هذا البرنامج الذي حصد نسبة متابعة عالية في السنوات السابقة (رغم أني لست من هواة هذه النوعية من البرامج ) والذي تناوب على تقديمه العديد من الفنانين منهم زوجة الفنان المذكور وهي النجمة المغربية فاطمة خير والتي على ما يبدو استأنست بالأجواء مؤخرا وتشرف على تقديم برنامج أخر ناجح على ذات المحطة، المهم أنني وبصراحة شديدة لم استطع التفاعل مع نجمنا في مهمته الجديدة والتي يتضح ومن خلال ما شاهدت انه لا يزال بحاجة إلى الكثير كي يستطيع البروز فيها بشكل أفضل، وهنا استغرب حقا من الزج ببعض الأسماء المتألقة ضمن مجالات معينة والإصرار على إمكانية تأكيد ذات النجاح في مجال أخر بعيد كلالبعد عن حدود اختصاصه؟ لا يمكن اخذ نجاح البعض كمقياس وبذلك يطبق على الآخرين، ثم ليس عيبا الاعتراف بصعوبة الاندماج ضمن وسط جديد يخضع لحسابات معينة ويشترط توفر إمكانيات خاصة، رغم أن الأهم في نظري يكمن في المستقبل الذي ينتظر خريجي المعاهد و الجامعات المختصة بالإعلام في ظل تفشي هذه الظاهرة، متى ستتاح لهؤلاء فرصة تفجير ملكاتهم ومواهبهم في ظل هذا التردد وكل هذه النظرات التي تحمل الريبة والشك؟
كاتب من المغربTwitter: adil el aoufi