أحمد الملكيوسكا جاء من اليابان، جاء لدراسة فن تدريب كرة القدم، هو لاعب في احد الفرق الصغيرة، ويريد أن يصبح مدربا لكرة القدم، لم أكن اعرف ان الكرة تحتاج الى قراءة، بل قليل من الموهبة وبعض (الفهلوة). قال له فورال صديقنا التركي الذي يرتدي ملابس أنيقة مثل نجوم السينما، أثناء تمرين لتحسين مهارات استخدام اللغة: هل تريد أن تصبح لاعب كرة مشهورا؟ أزاح يوسكا ساندوتش البيرغر من فمه متجاهلا تحذير المدرّسة بعدم الاكل اثناء درس اللغة وقال: نعم اريد ان أكون مشهورا مثل رونالدو أو زين الدين زيدان.
في هذه الحالة قال فورال مستخدما لغة سيئة بحيث أن المدرّسة أصلحت له الجملة سبع مرات بعدد الكلمات التي استعملها في صياغته البائسة: يجب اذن ان تبتعد عن النساء! غامزا من طرف خفي الى أنّا صديقة يوسكا الاسترالية الجميلة عرفت بعد عدة أشهر أن دوافعه لقول ذلك لم تكن كلها بريئة، شرحت لي أنّا ذلك ببساطة أثناء احتفالنا بعيد ميلاد يوسكا: حاول فورال خطب ودها أولا.
قالت عنه بود: انه فتي وسيم، محب للنكتة، انيق يذكرها كلما رأته بأحد نجوم السينما.
لكنه قالت: ممل مثل الجحيم، بعد خمس دقائق من الجلوس معه تكون النكات الجديدة التي يحفظها قد نفدت، تصبح أناقته عادية، وجهه عادي، تي شيرتاته عادية، بإختصار لا يمكن إحتماله أكثر من الساعة المخصصة للدرس دون الحصول على استراحة! قلت له بعد ذلك: هل انت مجنون؟ قال: كيف؟ كيف تحذره من النساء في وجود نساء شرقيات معنا في نفس الغرفة (سيدة صومالية وسيدة سودانية وسيدة مغربية) ضحك وقال: نساؤك الشرقيات كن الاكثر ضحكا من كلامي! كان دوري هو التالي في التحاور مع يوسكا لاختبار المقدرات اللغوية، كان يمثل دور طبيب، وأنا مريض أشكو عدة عاهات مستديمة. حسبت في البداية انه سيعالجني بالوخز بالابر، بدا لي العلاج سيئا ليس خوفا منه بل بسبب عدم المامي بمفردات كافية من اللغة للتحدث في مثل هذا الامر الشائك.
علي أن اتصل تليفونيا في البداية لتحديد موعد لمقابلة الطبيب، سيرد هو نفسه بطريقة فظة لا تشبه طريقة سكرتيرة لطبيب الاسرة، سيوضح الامر لاحقا: لم يسبق له أن مرض أبدا! ليس الفضل لليوغا أو التمارين الرياضية أو اسلوب الحياة الياباني القائم على حب العمل والتقاليد الاسرية وقهر النفس، بل كما سيوضح بانجليزية متكسرة تتخللها عبارات بالهولندية واشارات باليابانية: بسبب الحب! صباح الخير أسمي احمد، صباح الخير اسمي أنّا (اختار اسم صديقته كاسم لسكرتيرة الطبيب(فكرت فيما يجب أن أقول مفروض ان أقول انني زبون للطبيب واريد عمل موعد معه. وجدت تركيب كل هذا الكلام صعبا قليلا فقلت بدلا عن ذلك: انني مريض ضحك يوسكا او الممرضة وقال في الطرف الاخر من الخط: لقد فهمت ذلك بمجرد اتصالك فنحن لسنا محلا للجزارة لابد أنك مريض ما دمت اتصلت بنا! قلت في سري (اذن يوجد رباطاب أيضا في اليابان(قلت بلغة غير حكيمة: اريد عمل موعد مع الطبيب، نبهتني المدرّسة الى ان طريقتي الشاعرية في طلب الموعد تصلح للحب لا لشخص مريض يريد عمل موعد مع طبيب ياباني.
أعدت السؤال مع تهدج في الصوت لشخص مريض لا لشخص عاشق دون أن افهم كيف يمكن تمييز الفرق! يبدو انه يشكو قلة الزبائن كما أشرت له اذ حدد لي موعدا على الفور!
، هذه المرة ارتكب هو الخطأ الشاعري الاخير، بدلا من أن يقول الى اللقاء قال: الجو رائع اليوم! انها العبارة التي يستخدمها يوميا لمحاولة التقرب الى فتيات اخريات اثناء رحلته اليومية بالقطار الى المعهد الذي يدرس فيه فنون كرة القدم.
عنفته المدرسة على التحية الرقيقة: يجدر بسكرتير الطبيب أن يكون محدد العبارات ولطيفا في الوقت نفسه، يمكنه أن يمزح قليلا مع الزبون ولكن ليس على الهاتف في وقت ربما يكون فيه مرضى اخرون في الانتظار.
لم يعالجني بالوخز بالابر بدلا من ذلك عالجني بالوخز بالكلمات: استقبلني في البداية في العيادة بالعبارات المستخدمة لخدمة زبون في متجر للأدوات الكهربائية: كيف أستطيع خدمتك يا سيدي؟ عرفت أن العبارة لم تكن صحيحة لأن المدرسة ضحكت، أشرت الى رأسي وقلت أشعر بصداع شديد.
قال: هل تشرب الفودكا؟ قلت: لا.
دون أن اعرف ان كان يصفها كداء أم كدواء.
قال جرّب شراب الفودكا إنها مفيدة لعلاج الام البطن والاسنان، أوضح ان صديقا انجليزيا يدرس معه فنون كرة القدم نصحه بشراب الفودكا لعلاج الانفلونزا: علّق أمامك على الحائط معطفا وأبدأ في شراب الفودكا، حين يصبح المعطف معطفين، ينتهي العلاج، تصبح بخير.
أوضحت له بأدب شديد أنني لا اعاني من الانفلونزا.
نظر في وجهي وقال: ربما لا تعلم.
ثم وضع قلما كان يحمله في يده جانبا وقال: ما دمت تعرف مرضك ما حاجتك لطبيب إذن؟ أشرت له الى اصابتي بمرض جلدي في اليد، نظر اليه شزرا وكرر نفس العلاج: أمسح المكان بالفودكا! لعلاج فشله في علاجي أشرت له مستخدما كل طاقتي اللغوية في أن يعود الى مقاعد الدراسة لتلقي العلم من جديد ان كان يريد ان يصبح طبيبا!
، طبق نصيحتي على الفور بصورة سيئة محاكيا أطباء الاسرة في هولندا وغالبهم متقدمون في السن لم تتاح لهم فرص السماع ببعض الامراض.
قلّب في كتاب اللغة أمامه قبل أن يعلن لي آسفا: المرض الذي تشكو منه غير موجود في الكتاب!
مؤكدا بحزم: كل الامراض موجودة في هذا الكتاب! نصحني بشراب الشاي والماء واستخدام دواء باراسيتامول. وودعني عند الباب قائلا: لا تنسى الدواء المجرب الذي يصلح أيضا للعشاق: الفودكا.
ثم قال لي: هل جربت الحب؟ وقال بحكمة مجرب: الحب علاج لكن حين يصبح مرضا لا دواء سوى الفودكا! لا يفترقان هو وأنّا، منظرهما وهما يعبران دون ان يكترثا لضجة الطلبة في بهو المدرسة المزدحم بأصناف البشر، كأنهما يطفوان خارج الزمن، تراهما في كل مكان، حول جداول الماء في الحديقة الصغيرة القريبة من القرية، في المركز التجاري يأكلان سندوتشات البيرغر ويراقبان العالم من خلال شمس مارس الناصعة، لا يمكن تخيل العالم دون حبهما، تشاجرا مرة واحدة في حضوري، جاءا لزيارتي، تركتهما قليلا لأعد القهوة، وحين عدت كانت أنّا تبكي وهو يحاول استرضاءها بصوت حزين، أحضرت لهما ألوانا وورقا ليرسما بطاقات الدعوة لعيد ميلاده، أنّا تجيد الرسم، تجيد ايضا كما حكت لي حياكة الملابس، تعلمت ذلك من جدتها التي عاشت معها في ضواحي سيدني لسنوات قبل ان تموت جدتها وتنتقل هي للعيش في اوربا مع اقارب قاموا بتبنيها.
صنعت ليوسكا قميصا من الصوف الملون وكتبت اسمها واسمه مستخدمة بدلا من الحروف العادية زهورا ملونة، يرتديها يوسكا بفخر دون أن يهتم بأنه يبدو داخلها أصغر سنا وأقل حكمة. وهو يذرع الفناء أثناء استراحات التدخين تصحبه كآبة خطواته اليابانية القصيرة.
تعمل أنّا بعد المدرسة، يذهب هو لانتظارها حين تخرج من مصنع البسكويت الذي تعمل فيه، يذهبان الى المكتبة العامة للدخول الى الانترنت أو يجلسان في مقهى صغير في المركز التجاري وحين تحسن الجو في الربيع تعلما الذهاب يوميا الى الحديقة العامة القريبة من القرية. يذهب معها أحيانا للكنيسة، تذهب هي لأن والدها بالتبني هو الذي يقرأ قداس الأحد، يستمتعان بعزف البيانو وبالأناشيد الدينية.
حين جاء الصيف أكمل يوسكا دراسته، سيعود لليابان، ذهبت لوداعه في محطة القطار الصغيرة، كانا يبكيان، رغم أنه مفروض الا يفترقا طويلا، سيرسل لها يوسكا خلال اسابيع دعوة لتحضر الى اليابان وربما تبقى هناك الى الابد كما قال يوسكا، كان وداعا حارا وباكيا وظلت أنّا تلوح للقطار حتى اختفى عن أنظارنا، التقيتها بعد أسابيع من سفر يوسكا وقالت انه أكمل اجراءات الدعوة وستصلها خلال أيام، اختفت أنّا ولم أعد أراها فقلت لابد انها الان في اليابان، وأن العالم استعاد شكله بمجرد أن اجتمع أعذب عاشقين في العالم، بعد أشهر ظهرت أنّا في القرية وبدا عليها حزن وكآبة لم تفصح عن أسبابها، وحين سألتها عن يوسكا قالت انها لم تتصل به منذ أشهر ثم ودعتني قائلة انها ستعود الى استراليا.
بعد حوالى العام تلقيت منها رسالة على البريد الالكتروني شرحت فيه ما حصل: بدأ يوسكا في اليابان اجراءات حضورها الى هناك وفجأة فيما كانت تستعد للسفر اليه تلقت منه رسالة من سطرين يقول فيها انه آسف لانهاء علاقته ô بها!! فكّرت بعد شهور: لا بد أن هذا الطبيب الفاشل استخدم علاجه الكلاسيكي: الفودكا!